اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-21 16:38:00
أعظم الأعمال الأدبية الخالدة هي ابنة بيئة كاتبها، التي تتنفس تفاصيل حياته الخاصة، فماذا لو ولدت من رحم قرية تحتضنها الغيوم، وتمد السماء ذراعيها لتعانق الأدباء الذين يتكاثرون مثل مطرها. وليس غريباً أن يكتب أمين معلوف باللغة الفرنسية، لأن لبنان امتداد لتلك الثقافة الغربية، واللبنانيون منذ معاناتهم الأولى هم جزء من الشتات الممتد على خريطة العديد من البلدان؛ لكن ما يثير الدهشة هو أن أحمد أبو دحمان هو أول كاتب من الجزيرة العربية يكتب روايته «الحزام» باللغة الفرنسية، والتي حظيت باهتمام كبير. لأنها كانت نافذة على أسوار قريته ووطنه العالية، والتي كانت دائماً موضع اهتمام الكثيرين ممن يحبون استكشاف أعماق الجزيرة. لم يكتب أبو دحمان رواية أدبية فحسب، بل كتب أيضا تاريخ قريته وطبيعة الحياة فيها، الزواج والطلاق، الغنى والفقر، النساء والرجال في القرية، الختان الذي كان بمثابة عرس تجتمع فيه القرية للاحتفال بختان شبابها دفعة واحدة. كما كان للروائي فلسفة خاصة حول المرض، وهو أنه كذبة أو وهم أو ذريعة للهروب من العمل في الحقول، وأن المرض الوحيد هو الموت. وسرعان ما أصبح أهل القرية رجالًا يفتخرون بكونهم سندًا ومصدر راحة للنساء، وامتدادًا لآبائهم، ومرآة لصفاتهم. ويكفي موقف واحد أن تسارع الأسرة للاحتفال بذلك الرجل الذي كملت رجولته بجميل أعماله، وهو ما حدث مع أحمد عندما اعتنى بأخواته في غياب أبيهن وأمهن، وكان ذلك بمثابة ولادة ثانية له. يعود أحمد أبو دهمان إلى أول مركز صحي في القرية، ثم المدرسة الأولى التي جعلته يشعر بطفولته لأول مرة وتشكيل جديد لحياته، وكان يعتقد أن اللغة التي بدأ تهجئتها أكبر من كل المجالات وأوسع من الأفق، وأنها العصا السحرية التي تتشكل بها الحياة. كما وصف التعليم في أول مدرسة في القرية يدرسها أناس أتوا من الدول المجاورة. كان الأمر أشبه بكيان غريب في القرية أخاف أهلها الذين اعتادوا الحياة التقليدية وقاوموا كل ما هو جديد. قليل منهم ظل صامدًا ومستمرًا، وقليل من الطلاب انجذبوا للمستقبل الذي وعد به مدير المدرسة والمعلمون. بينما كان نشيد الآباء والأجداد ثغاء الحقول وهمس الوديان، وكان النشيد المدرسي مختلفا، إذ ألغى أعلام القبائل، حتى رفرف العلم الوطني ونشيده في ساحته. تؤرخ الرواية الحياة الجديدة، ومقاومة أهلها لمظاهرها الأجنبية، وتخاطب الغرباء الذين أتوا للعمل معلمين وأطباء، وكما هي عادة كل عجوز فإنهم يقاومون الجديد حتى يستسلموا له. أحمد أبو دهمان جاء من رحم القبيلة التي تنحدر من السماء. ويعيشون في الجبال المحيطة به. ولا يهطل المطر كعادته، بل يرتفع كما وصف، ونساء تلك القبيلة أخوات. يحمل رجالها الحطب، ويشاركون في العمل الميداني، ويربون الأطفال، ويعتنون بالحيوانات والمنازل. إنهم أيضًا بنات الطبيعة الذين يغنون أغنيتها ويوقظون القرية بهديلهم كل صباح. الرواية التي كتبت باللغة الفرنسية كانت نافذة لمتحدثيها على تفاصيل البيئة القروية في جنوب المملكة، ولعلها صورت لمن قرأها مفهوما آخر يختلف عن الصورة التي ترسخت في أذهان البعض نتيجة استشراق مرضي، أو رؤية متعمقة، أو رأي غير واقعي مبني عن بعد. دحمان، ذكرتني بالطيب صالح صاحب الكتاب الرائع «مواسم الهجرة إلى الشمال»، وعبد الرحمن منيف في «مدن الملح». وكما لا أخفي عليك عزيزي القارئ، ظهر لي ماركيز بين قصة وأخرى، يتعمق في تفاصيل المكان، مكان الولادة، الطفولة، عتبات الشباب الأولى، ورابط الأم والأب والقرية. الحب.. قوس قزح، الشعر.. الماء الذي يروي الكائنات، الشمس.. الزوجة، القمر.. الزوج، الابتسامة.. الفاكهة الحلوة، الجنون.. الشعر والغناء. وفي القرية للكائنات والأشياء أسماء أخرى لها إيقاع مختلف، وكما كتب أبو دحمان: “أخبرتني أمي ذات يوم أن قريتنا كان لها أغنية فريدة في البداية، تماماً مثل الشمس والقمر، وأن الكلمات التي ينطقها الناس تمنحهم طاقة شعرية؛ فهي تطير كالفراشات، ولأن قريتنا هي الأقرب إلى السماء بالتأكيد، فإن الكلمات الشعرية تنير العالم”. رواية «الحزام» أضاءت آفاقاً بعيدة كانت حريصة على التعرف على قرية ذلك الشاعر القادم من بلدة لا تنجب إلا الشعراء، ولا يسعنا إلا أن نشيد بالإبداع الذي يكرّم المبدعين بالخلود. أعظم الأعمال الأدبية الخالدة هي تلك التي تولد من بيئة كاتبها، وتتنفس تفاصيل حياتها الخاصة. فماذا نقول أكثر إذا ولدوا من رحم قرية يعانقها السحاب، وتمتد السماء ذراعيها لتعانق الأدباء الذين يتكاثرون مثل مطرها. وليس غريباً أن يكتب أمين معلوف باللغة الفرنسية، فلبنان امتداد لتلك الثقافة الغربية، واللبنانيون جزء من الشتات منذ معاناتهم الأولى التي شملت بلداناً عديدة على الخريطة؛ لكن ما يثير الدهشة هو أن أحمد أبو دحمان هو أول كاتب من الجزيرة العربية يكتب روايته «الحزام» باللغة الفرنسية، والتي حظيت باهتمام كبير لأنها كانت نافذة على أسوار قريته ووطنه العالية، والتي كانت دائما مصدر اهتمام الكثير من محبي استكشاف أعماق شبه الجزيرة. لم يكتفي أبو دحمان بكتابة رواية أدبية فحسب؛ فكتب تاريخ قريته وطبيعة الحياة فيها: الزواج والطلاق، الغنى والفقر، النساء والرجال في القرية، الختان، الذي كان أشبه بحفل زفاف تجتمع فيه القرية للاحتفال بختان شبابها دفعة واحدة. كما كان للروائي فلسفة فريدة حول المرض، حيث يراه كذبة أو وهماً أو ذريعة للهروب من العمل في الحقول، مؤكداً أن المرض الوحيد هو الموت. الآباء مرآة فضائلهم، ويكفي موقف معين أن تسارع الأسرة للاحتفال بذلك الرجل الذي اكتملت رجولته بحسناته، كما حدث مع أحمد عندما اعتنى بأخواته في غياب أبيهن وأمهن، وكان ذلك بمثابة ولادة ثانية له. يروي أحمد أبو دهمان أول مركز صحي في القرية، ثم المدرسة الأولى التي جعلته يشعر بطفولته لأول مرة وأعادت تشكيل حياته. كان يعتقد أن اللغة التي بدأ تهجئتها هي أكبر من كل المجالات وأوسع من الأفق، وأنها العصا السحرية التي تتشكل بها الحياة. كما وصف التعليم في المدرسة الأولى في القرية، والتي كان يدرسها أفراد جاءوا من الدول المجاورة. كان الأمر كما لو كان في القرية كائن غريب يخيف سكانها الذين اعتادوا الحياة التقليدية وقاوموا كل ما هو جديد. قليلون هم الذين صمدوا واستمروا، ولم يغرهم المستقبل الذي وعد به مدير المدرسة والمعلمون سوى حفنة قليلة من الطلاب. وبينما كان نشيد الآباء والأجداد هو ثغاء الحقول وهمسات الخطوات، كان نشيد المدرسة مختلفا؛ ألغت أعلام القبائل لترك علم الوطن ونشيده يرفرف في ساحته. تؤرخ الرواية الحياة الجديدة، ومقاومة أهلها لمظاهرها الأجنبية، وتتطرق إلى الغرباء الذين جاؤوا للعمل معلمين وأطباء، كما جرت العادة على كل ما هو قديم أن يقاوم الجديد حتى يستسلم له. المطر لا يهطل كالمعتاد؛ بل إنها تنهض كما وصفها، ونساء تلك القبيلة أخوات رجالها، يحملن الحطب، ويشاركن في العمل الميداني، وتربية الأطفال، ورعاية الحيوانات والبيوت. وهن أيضًا بنات الطبيعة اللاتي يغنين أغنيتها ويوقظن القرية بهديلهن كل صباح. الرواية المكتوبة باللغة الفرنسية كانت نافذة لمتحدثيها على تفاصيل البيئة القروية في جنوب المملكة، ولعلها ترسم لمن قرأها مفهوماً مختلفاً عن الصورة التي غرست في أذهان البعض بسبب استشراق مريض أو رؤية ضحلة أو رأي غير واقعي مبني عن بعد. في شخصية أبو دحمان، استذكرت الطيب صالح صاحب تحفة “موسم الهجرة إلى الشمال”، وعبد الرحمن منيف في “مدن الملح.” ولا بد لي من الاعتراف، عزيزي القارئ، أن ماركيز ظهر لي بين قصة وأخرى، يغوص في تفاصيل المكان، ومكان الميلاد، والطفولة، وعتبات الشباب المبكر، ورابط الأم والأب والقرية. الحب… قوس قزح، الشعر… الماء الذي يغذي الكائنات، الشمس… الزوجة، القمر… الزوج، البسمة… الفاكهة الحلوة، الجنون… والأغنية. وفي القرية للكائنات والأشياء أسماء أخرى لها إيقاع مختلف، وكما كتب أبو دحمان “أخبرتني أمي ذات مرة أن قريتنا كانت في البداية أغنية فريدة، تماما مثل الشمس والقمر، وأن الكلمات التي يطلقها الناس لها طاقة شعرية، فهي تطير مثل الفراشات. ولأن قريتنا هي بالتأكيد الأقرب إلى السماء، فإن الكلمات الشعرية تنير العالم”. الشعراء، ولا يسعنا إلا أن نشيد بالإبداع الذي يكرم المبدعين بالخلود.



