السودان – اللواء عبد الفتاح البرهان والرقص على رؤوس الثعابين

أخبار السودان21 مايو 2026آخر تحديث :
السودان – اللواء عبد الفتاح البرهان والرقص على رؤوس الثعابين

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-20 15:20:00

د. محمد عبد الله منذ اندلاع الحرب في السودان، بدا المشهد وكأنه إعادة إنتاج لمأساة سودانية قديمة، تتغير فيها الوجوه وتبقى البنية على حالها. تحالفات مؤقتة، ومنافسات مؤجلة، وسلطة لا تعرف كيف تعيش خارج السلاح. لم تكن الحرب، في جوهرها، مجرد مواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع، كما حاولت التصريحات الرسمية تلخيصها، بل كانت انفجارًا متأخرًا للصراع داخل البيت الذي حكم السودان طوال العقود الماضية. صراع بين الإسلاميين الذين حكموا البلاد عبر المؤسسة العسكرية لمدة ثلاثين عاماً، وبين السلطة التي خلقوها بأيديهم ثم استعصت عليهم. في مرحلة ما، بدا وكأن عبد الفتاح البرهان يعتقد أنه قادر على فعل ما فعله العديد من الحكام العسكريين من قبله: المناورة بين التناقضات، وإدارة التوازنات الهشة، والرقص على رؤوس الثعابين دون أن يعضها أحد. الاقتراب من الإسلاميين دون أن يبدوا أسيراً لهم، وطمأنة الخارج دون خسارة الداخل، والدخول في حرب مفتوحة مع الحفاظ على إمكانية التسوية. لكن السودان اليوم يبدو أكثر تعقيدا من قدرته على تحمل هذه اللعبة القديمة. إن الحرب التي اندلعت في نيسان/أبريل 2023 لم تأت من فراغ. وكانت البلاد قد وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة من الهشاشة بعد سقوط نظام عمر البشير. تعثر الانتقال المدني تحت ضغط الدولة العميقة من جهة، وارتباك وانقسامات القوى المدنية من جهة أخرى، فيما بقي السلاح العنصر الأكثر حضوراً في المعادلة السياسية. إن الإسلاميين الذين تركوا السلطة لم يغادروا الدولة فعلياً، بل أعادوا تموضعهم داخل الجيش والأجهزة البيروقراطية والاقتصادية والأمنية. في المقابل، كانت قوات الدعم السريع تتحول تدريجياً من ميليشيا هامشية إلى قوة تمتلك المال والسلاح والنفوذ والعلاقات الإقليمية والطموح السياسي. عندما اندلعت الحرب، بدت وكأنها صراع بين ورثتين لمشروع واحد أكثر من كونها صراعاً بين مشروعين مختلفين. المعضلة هي أن كلا الطرفين حاولا تقديم نفسيهما كحماة للدولة. ورفع الجيش شعار “حرب الكرامة” واستعادة الدولة المختطفة، فيما قدمت قوات الدعم السريع نفسها على أنها تخوض مواجهة ضد فلول الإسلاميين. لكن الحقائق على الأرض سرعان ما جردت الشعارات من بريقها. مدن مدمرة وملايين النازحين وانهيار الخدمات واتساع دائرة الانتهاكات بشكل جعل شرائح كبيرة من السودانيين تشعر أن الحرب تشن ضدهم وليس من أجلهم. صحيح أن قوات الدعم السريع ارتبطت بانتهاكات واسعة النطاق وصادمة، خاصة في الخرطوم ودارفور والجزيرة، لكن ذلك لم يمنح المؤسسة العسكرية حصانة أخلاقية أو سياسية. إن استمرار الحرب على الرغم من الكارثة الإنسانية، والقصف الذي طالت المناطق المدنية، والعودة المتزايدة إلى الخطاب الإسلامي وتحالفاتهم، كلها عوامل عمّقت عزلة الجيش داخلياً، حتى بين القطاعات التي كانت تنظر إليه باعتباره مؤسسة الدولة الأخيرة المتماسكة. وهنا بالتحديد تظهر معضلة الإثبات. فالرجل الذي حاول منذ سقوط البشير تقديم نفسه قائداً للمرحلة الانتقالية، وجد نفسه يعود تدريجياً للجوء إلى الإسلاميين، سواء عن قناعة أو عن ضرورة. ومع اتساع نطاق الحرب، لم يعد الجيش قادراً على تعبئة الشارع من دون الاعتماد على الشبكات الإسلامية وخطابها التنظيمي والديني. ولهذا عادت الألوية والتشكيلات العسكرية إلى الواجهة بأسماء جديدة، لكنها تحمل نفس الروح القديمة. الوجوه نفسها، واللغة نفسها، والحديث نفسه عن «المعركة الوجودية»، و«المؤامرة الدولية»، و«الدفاع عن الإيمان». ظاهرياً تبدو هذه التشكيلات وكأنها تخوض حرباً دفاعاً عن السودان، لكن ما يحدث في العمق أقرب إلى معركة البقاء السياسي. ويدرك الإسلاميون أن أي تسوية سياسية حقيقية، وأي انتقال مدني مستقر، يعني نهاية نفوذهم التاريخي داخل الدولة والمؤسسة العسكرية. ولذلك فإن استمرار الحرب، رغم كلفتها الباهظة، يبدو أقل خطورة بالنسبة لهم من السلام الذي قد يُخرجهم من المشهد تماماً. لكن تحالف البرهان مع الإسلاميين لا يمنحه النصر الكامل بقدر ما يزيد من عزلته. وينظر المجتمع الدولي، المتردد بالفعل في التعامل مع المؤسسة العسكرية، بقلق متزايد إلى عودة الإسلاميين إلى مركز المشهد. أما القوى المدنية التي كانت تنظر إلى الجيش كشريك أساسي خلال المرحلة الانتقالية، فإنها تنظر إليه الآن كمظلة لإعادة إنتاج النظام القديم. وحتى داخل المجتمع السوداني نفسه، هناك تعب عميق من فكرة حكم العسكر، بعد أكثر من ستة عقود يتناوب فيها الجنرالات على السلطة منذ أواخر الخمسينيات، دون أن ينجحوا في بناء دولة مستقرة، أو اقتصاد قابل للحياة، أو مشروع وطني شامل. لقد أدمن العسكر السلطة، لكنهم لم ينجحوا في إدارة الدولة. هذه هي العقدة الأساسية التي تجعل استقرار الحكم العسكري في غاية الصعوبة، سواء جاء تحت عباءة الإسلاميين أو تحت القبعة التقليدية للمؤسسة العسكرية. السودان الذي خرجت جماهيره في ثورة ديسمبر ليس السودان القديم. صحيح أن الحرب أنهكت المجتمع، وأضعفت القوى المدنية، وأعادت السلاح إلى قلب المشهد، لكن فكرة الدولة المدنية لم تختف، بل أصبحت بالنسبة للكثير من السودانيين شرطا ضروريا لبقاء الدولة نفسها. إن المأزق السوداني اليوم ليس مأزقاً عسكرياً فحسب، بل هو أزمة دولة وتاريخ معاً. جميع القوات المسلحة، بما فيها الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة، تشكلت داخل أزمة الدولة السودانية، وليس خارجها. ولذلك فإن أي محاولة لحل الصراع بالقوة لن تؤدي إلا إلى إنتاج نسخة جديدة من الأزمة، ربما أكثر عنفا وانتشارا. أما المجتمع الدولي فيبدو مرتبكا في مواجهة واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في هذا القرن. وتتكرر الإدانات، وتعقد مؤتمرات المانحين، لكن الإرادة السياسية الحقيقية لإنهاء الحرب تبدو غائبة أو عاجزة. وعلى نحو مماثل، لم تعد القوى الإقليمية مجرد مراقبين للمشهد؛ فمنهم من يرى السودان ساحة نفوذ، ومنهم من يخشى انتشار الفوضى إلى حدوده، ومنهم من يتعامل مع الحرب كورقة ضمن صراعات إقليمية أكبر. ووسط كل هذا يواصل البرهان محاولته الصعبة للسير بين المناجم. فهو يريد الاحتفاظ بدعم الإسلاميين من دون الاعتماد الكامل عليهم، ويسعى إلى طمأنة العالم الخارجي من دون تقديم تنازلات جوهرية، ويحاول الحفاظ على تماسك الجيش في حين تتآكل الدولة من حوله. لكن التجربة السودانية تقول إن الرقص على رؤوس الثعابين لا يدوم طويلا. إن المخرج، مهما بدا بعيد المنال، لن يكون عسكريا. فلا الجيش قادر على استعادة السودان بالقوة، ولا قوات الدعم السريع قادرة على حكمه، ولا الإسلاميون قادرون على العودة إلى السلطة بنفس الطريقة القديمة. المسار الوحيد الممكن هو إعادة تأسيس الدولة بعقد سياسي جديد، تعود فيه المؤسسة العسكرية إلى دورها المهني، وتدمج التشكيلات المسلحة في جيش واحد، وتفتح فيه أبواب العدالة الانتقالية دون انتقام أو حصانات مطلقة. وقد يبدو هذا الاقتراح مثاليا في خضم هذا الدمار، لكنه يظل أقل تكلفة من أوهام الحسم العسكري التي جربها السودانيون طويلا، ولم يجنوا منها سوى القبور والمدن المحروقة والملايين من النازحين. muhammedbabiker@aol.co.uk الكاتب

اخبار السودان الان

اللواء عبد الفتاح البرهان والرقص على رؤوس الثعابين

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#اللواء #عبد #الفتاح #البرهان #والرقص #على #رؤوس #الثعابين

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل