اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-03 11:59:00
يعرف جمال عبد الرحيم صالح الفوبيا بأنها حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، وهو أكبر من الخطر الحقيقي، ويؤثر على حياة الإنسان اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة حيوانات أو حشرات معينة، ونحو ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تؤثر على الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تنجذب فيها مجموعات من الناس، جوهرها هو التمسك بفكرة تجعلهم يتخيلون أن التخلي عنها يمثل أمرا فظيعا يجلب العقاب أو سوء الحظ لمتبعيه. ومن أنواع الرهاب الجمعي النهج الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي عامة، وفي السودان خاصة. ورغم أن الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم ينفذ بعد، إلا أن الأمر في السودان مختلف على صعيد المواجهة، على اعتبار أن التنظيم الإسلامي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن ربط مصيره بتنفيذ هذا المشروع. والحقيقة أنها أشعلت النيران في كل أنحاء البلاد وحشدت آلاف المواطنين تحت شعار الحفاظ على هذا المشروع. ولطالما كانت الطبقة السياسية في السودان معارضة بشدة للمشروع الإسلامي في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، لكنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء الشريعة الإسلامية. لسببين في رأينا. الأول هو خوفه من خسارة قطاع من جماهيره، خاصة الحزبين الرئيسيين، على اعتبار أن قسماً مهماً من هذه الجماهير انضم إليهما أصلاً لأنهما طرحا صيغة إسلامية. والسبب الآخر هو أنهم لا يملكون الرؤية والإرادة التي تدحض الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي أنهم يفتقرون إلى الحجج التي تساعدهم على كسب معركة إلغاء هذه القوانين. ويمثل رفض الحزبين إلغاء الأحكام الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر/أيلول 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلا واضحا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهم عبر الدين. ولم يكن هذا شيئاً جديداً في الحياة السياسية السودانية. والإسلاميون أنفسهم، رغم قلة عددهم آنذاك، ابتزوا الحزبين أنفسهم بالدين عام 1965 لطرد ممثلي الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا آنذاك، إلى أن انقلاب مايو 1969 قطع الطريق على ذلك. وكان من المنطقي أن يفتح سقوط الإسلاميين في أبريل/نيسان 2019 الباب أمام التخلص من إرثهم القانوني. الثقيلة التي سبق أن أدت إلى تفتيت البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. وحتى على افتراض أن الظروف المعقدة والتوازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب اقتضى فتح نقاشات سياسية واجتماعية واسعة من شأنها أن تحدد الخطوة الأهم، وهي إلغاء هذه القوانين من جهة، ووضع الأساس النظري الذي يجب أن يقوم عليه هدف فصل الدين عن الدولة من جهة أخرى. وبدلا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين كما كان، واستمرت الطبقة السياسية في تجنب وضع إلغاء هذه القوانين على رأس جدول أعمالها. وبات موضوع هذه القوانين يتم تناوله بخجل غير مقنع، إما بإضافة عبارات لا تسيء لأحد في إعلانات المبادئ التي تمت مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال عبارة “فصل الدين عن الدولة” في نص المبادئ، أو بإحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا أحد يعرف متى سيعقد ومن سيدعى إليه وما قدرته على تحقيقه. كل هذا رغم وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستوى العالمي أو السوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكناً على المستوى السياسي. الفكرية والفقهية. ويمكننا تلخيص بعض ملامح هذه الحقائق فيما يلي: على المستوى العالمي، يتميز نظام أردوغان التركي العملي الحالي، الحاضن الرئيسي للجماعات الإسلامية، بملامح إسلامية لا تخفى، لكنه يرتكز على العلمانية في النظرية والتطبيق. وعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مراراً وتكراراً أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، واتخذ معه الموقف نفسه إسلاميون من الثقل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا. أما على المستوى العملي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تتناقض مع الكثير مما يدعو إليه الفقه الموروث، والذي يصر الإسلاميون السودانيون على تطبيقه. وقد ألغى القانون التركي عقوبة الإعدام، ولا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء كان متزوجاً أم لا. والأكثر إثارة للدهشة هو أن القانون التركي يحظر تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى على زوجته. كما يمنح القانون الزوجة الحق في رفض الاتصال الجسدي بزوجها دون موافقتها، ويعتبر الضغط عليها في هذا الشأن جريمة يعاقب عليها القانون! وعلى المستوى السوداني، إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلاميين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما يدعون إليه في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». وعلى مستوى المبادئ الدستورية، فقد تنازلوا عما هو ثابت في الشريعة، وهو حكم الولاء والبراء، حيث أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي بعنوان “ميثاق السودان”، مبدأ أن الحقوق والواجبات مبنية على المواطنة. وهو التنازل الذي قام عليه دستور 2005 الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم أحكامه، وخلت أحكامه من مبادئ ما يسمى الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بنظام الحكم، مثل ضرورة أن يكون الحاكم مسلما، ذكرا حرا، وتطبيق فقه الجهاد، وفقه الغنائم، وفقه أهل الذمة، وغير ذلك. أما مجال القوانين فقد تجاوزوا مرجعياتها والقواعد التي سبق أن وصفوها بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك: أوقفوا تنفيذ عقوبات القطع فيما يتعلق بالحدود والقصاص. وأضاف قانون العقوبات شرطا لم يكن موجودا من قبل لتطبيق عقوبة السرقة، مما جعل تطبيق تلك العقوبة مستحيلا عمليا. وجعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلا، مرتبطا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علما أن القيمة المحددة حاليا أقل من ثمن البعير الواحد. وسوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة. وسوى في الدية بين المرأة والرجل، والمسلم. وغير المسلمين . وأباحت الفوائد المصرفية (الربا) بعد أن تغير شكلها الشكلي مع الحفاظ على جوهرها، فيما سمي بمرابحة أمر الشراء وأشياء أخرى كثيرة. وفي ضوء كل هذه الحقائق، نرى أن التغلب على العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر يمكن تحقيقه دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري ومعالجة القضية الأهم، وهي مسألة العلاقة بين الدين والشريعة. ويشكل القانون الجنائي السوداني، الذي يستند إلى الشريعة الإسلامية، كما يدعي مؤلفوه، المعضلة الأساسية. تجنب انفصال الجنوب لم يكن يتطلب أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الأمر بالنسبة لحركات عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد Nour.gamal.a.salih@gmail.com التدوينة فوبيا العلمانية! ظهرت للمرة الأولى على سودانايل.




