W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-01-16 10:05:46
آخر تحديث:
بقلم: سمير داود حنوش
في عالم الفساد المترامي الأطراف في العراق، الذي قامت إمبراطوريته نتيجة رعاية النظام السياسي ما بعد 2003 لأدوات النظام السياسي الذي احتل السلطة واستولى عليها في غياب الوقت، تحول الفساد إلى ثقافة ولا ينقصنا إلا التدريس في المدارس والجامعات للتعريف بأساليب الفساد الحديثة والأساليب التي ابتكرها. محترفون وماهرون في فنون النصب والخداع. فالفاسد لم يعد يخجل أو يخجل من مجتمعه. بل على العكس، أصبح من قيم الشجاعة والرجولة أن يتفاخر الفاسد بلقبه واللص دونيته. يتم جلب وتأسيس شركة خاسرة أو وهمية من قبل المسؤول الذي يريد التعاقد معها. يتم العقد بشرط أن يتضمن شرطا. جنائياً، لتغريم المؤسسة المتعاقدة في حالة إخلالها بالعقد وجهان لطرف واحد. يتم المماطلة في تنفيذ بنود الاتفاقية ومن ثم يتم الحكم بفسخ العقد وإلزام المسؤول ودائرته بدفع مبلغ الغرامة المنصوص عليها في العقد المبرم بين الطرفين، والنتيجة هي أن المبلغ مشتركة بين الأطراف المتورطة في الفساد. لقد خسر العراق مئات الملايين من الدولارات من لعبة الفساد هذه.
إنها خدعة واحتيال لا يتقنها إلا المحترفون والخبراء في قطاع الطرق والسرقة من خلال أساليب الفساد المشروعة. من الصعب الإمساك بحبال السرقة. وحتى عام 2010، كانت الوزارات العراقية تضم مكاتب للمفتشين العامين. وصحيح أن هذه المكاتب كانت (راسخة وغير قابلة للكسر) في مواجهة قضايا الفساد الكبرى حتى أصبحت «ظل وفاته». لكنها منعت ولو قليلاً من ذلك الفساد حتى تم إلغاؤه بعد محاولات من أحزاب السلطة ومكاتبها الاقتصادية في الوزارات إفساح المجال للفاسدين ليأخذوا دوراً أكبر في تلك الوزارات.
بعض العراقيين يروون قصصاً مضحكة عن الفساد وأهله. وسمع أحدهم أغنية تقول: «خذوا المناصب، خذوا المكاسب، لكن اتركوا لي الوطن». وكان حينها يقود سيارة حديثة حصل عليها “مكافأة” لتمرير عقد لشركة ما، وكانت رشوتهم مجزية له من خلال ذلك. السيارة التي نسميها في العراق “بقشيش”. المهم أنه بينما كان ذلك الفاسد يسمع مقطع الأغنية في الراديو، ضحك لدرجة الضحك، وخاطب المغني بالقول: “خذ الوطن وخذ معه كل شيء، لكن اترك لي السيارة. ” فهنيئاً لك ولنا بما أخذ، وهنيئاً لكل منا بما أخذ. حصل عليها.
ولعل المشكلة في قصة هذا الفاسد هو النظام الذي يدفعه إلى الفساد، النظام الذي ينحني إجلالاً واحتراماً للفاسد الكبير وامتناناً لجمال فساده، بينما ينتقم هذا النظام من أحد الطفل الذي سرق علبة مناديل مع أسوأ انتقام له عندما حكم عليه بالسجن لسنوات. لقد أصبح من البديهي القول إن النظام الذي لا يقضي على الفساد يقويه.
لطالما عجزت كل الروايات النفسية عن الإجابة على فرضية سؤال ظل يحير البشرية، وهو: ماذا يفعل الفاسد بكل تلك الأموال المسروقة، وهو لا يزال يبحث عن المزيد؟ فكيف ستزيده الأموال المسروقة درجة أو مرتبة فوق البشر العاديين، إذا كان يأكل مما يأكلونه، ويلبسونه، ويعيشون، أو حتى يتنفسون مثل الآخرين؟ وماذا يفعل بهذه الرعونة إذا جاء أجله فلا يتقدم ساعة ولا يؤخرها؟ معادلة ربما لم تجد من يحلها، رغم أنها بسيطة ولا تحتاج إلى ذلك التعقيد في إجابتها. واكتسب الفساد صفة الشرعية من قبل بعض الذين يعيشون في دوامة السلطة حتى أصبح بحرا متلاطم الأمواج. لقد أغرق الكثيرين، في حين لا يزال عدد قليل جدًا منهم يحاول الطفو أو مقاومة الغرق حتى لو تمسّك بقطعة بسيطة من الخشب. خارج النص: يقول نجيب محفوظ “نحن نستنشق الفساد مع الهواء، فكيف نأمل أن يخرج لنا الأمل الحقيقي من المستنقع؟”