اخبار اليمن – وطن نيوز
اخبار اليمن اليمن الان – اخبار اليمن اليوم
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-01-13 19:33:06
13 يناير 2024
الزيارات: 16
بقلم : حمود عبدالله الأهنومي |
وفي عام 2002م تقريباً كنت مع والدي وبعض زملائي في زيارة لمقامات أعلام اليمن ومنهم أئمة أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم الصالحين. وكنت على رأس الوفد الزائر، ونظراً لخبرة والدي -أطال الله في عمره-
شغل منصب مستشار الرئيس للشؤون الجغرافية والتاريخية والأنساب. وكان معنا المسؤول المالي الأستاذ أحمد الأهنومي، والمسؤول الإعلامي الزميل الرائع محمد إسماعيل النعامي. ورغم أن هذه حكومة بلا شعب، إلا أن مسؤولها الإعلامي، وهو الناطق الرسمي باسمها، كان يسلينا بتصريحاته الارتجالية الجميلة. ولكنه فجأة صمت كالأحجار الصماء ولم يرد أن ينطق بكلمة واحدة. وذلك عندما حظي بجلال مقام العالم الجليل العابد والزاهد حمود بن عباس المؤيد؛ مما جعله يستحق أن يوصف بـ”الصامت الرسمي”، بحسب ما قاله أستاذنا المتميز عبد الحفيظ الخزان حينها.
وفي ذلك المكان، في مسجد النهرين، جددنا عهدنا مع سيد العالم العابد الزاهد، الذي لم يتوقف لحظة واحدة عن استقبال زواره ومحبيه وطلابه وسائليه الذين توافدوا عليه. وكان يتوجه يومياً تقريباً إلى هذا المسجد للحصول على فتوى المعلم العلامة حمود بن عباس المؤيد، وهي كثيرة. ومنها حكم نهائي ونهائي، ينتظره المخالفون لوضع حد حاسم للخلاف الذي أصابهم، ولعل قوة فتاواه من حيث التأثير والقبول الطوعي أقوى من أحكام المجلس الأعلى. المحكمة نفسها.
وكانت الصدفة أن ينزل المسافر برفقة رجل عراقي اسمه البصري، لم أعد أذكر اسمه. لقد جاء ليسلم علي ويبلغني تحياته وإكرامه. يتذكر والدي العزيز حواراً لطيفاً دار بينه وبين سيدي الحبيب المرحوم العلامة المؤيد، حيث استقبله المرحوم كعالم يمني يفتخر بأرضه وصناعته، وذهب ليشرح له. صنعاء، وكم عدد الحيتان من كل فن، مشيرا إلى أن صنعاء فيها عشرين نوعا من أجود أنواع العنب في العالم، ويسأل عن (تمر البصرة) هل يصل عدد أنواعه إلى كمية عنب صنعاء، إذن فأجاب البصري سلام البصرة، وسلم عليه بأكثر من أربعين نوعا من التمر. لكن الحقيقة أنه لا البصرة حفظت تمرها، ولا صنعاء حفظت عنبها، وبقي سيدي المرحوم على حاله حتى لقي الله عز وجل.
أكثر الناس يعلمون يا مولاي أنه ذلك المفتي الواعظ الذي تنحني الركب لفتواه، وأنه العالم الغيور، الزاهد العابد، الذي ركض في الدنيا، وجاءته بخطم خاضع ، وجائز ومباح، مما ورثه عن آبائه. لكنهم لا يعرفون مدى حبه لوطنه اليمن، وكم كان فخوراً بـ”سانيته” التي عبرت عن نبض الهوية الإيمانية اليمنية، وكم رأى من الجمال والنضارة والجلال والحضارة في كل أعماله. منتجات البلاد.
ذلك هو الوجه المشرق لأحد الوجوه الجميلة لمولاي الراحل، وجه ظل عالقا في ذهني على هامش قضية عابرة، عقدت خيوطها ذكرى والدي الذي ظل يذكرنا الحادثة والحوار، وما أجمل الوجوه الأخرى، وكم كانت له أبعاد رائعة لا يعرفها إلا من قاده. حظ أو أسري أو تربوي أو تربوي قربه من حيه الكريم وساحته الفسيحة.
ولست وحدي من أذهلني صدقه واستغراقه في الله وما يقربه إليه، فمنذ أن رأته عيني في إحدى فعاليات دورتنا الصيفية عام 1992م في مسجد النهرين، لكثرة مؤثريه خطب كنا نحضرها ونسمعها في سنوات لاحقة، في مسجد الشوكاني، حتى ثقلت عليه الشيخوخة. وقد منعه الحضور والشيخوخة من الوعظ والإمامة.
إن رحيل سيدي الرب هو درس وعلامة وإنذار لنا نحن الذين ندعي أننا نسير في هذا الطريق، ولأن التعرف على بعض السمات والدروس التي يمكن الاستفادة منها من سيرته العطرة مهم في ضوء ذلك. لحالنا بعد رحيل عمالقة العلم وبقاءنا نحن المتعلمين، الذين لا يجيدون التعامل مع… وبعضهم، اخترت أن أقف بحذر حول هذه الشخصية الكريمة. ولعل هذا الموقف يفيدني أولاً والآخرين.
ثانياً: لمعالجة بعض المشكلات الحركية والأخلاقية والسلوكية والدعوية التي من المؤكد أن سيدي المرحوم اللورد قد تجاوزها، ولم يكلفه ذلك الكثير من العناء.
دراساته: نشأ سيدي المرحوم المرحوم في بيئة علمية تقدس العلم، وتمجد الهجرة لطلبه، ويرى كل الفضل في التقلب بين مشاق الحياة له وبين قضيته. والده العلامة الأستاذ عباس بن عبد الله المؤيد، كان والي الولاية في منطقة الحبور وقربان من محافظة عمران. رجل دولة من الدرجة الأولى، لدرجة أن المثل القائل باللهجة العامية: (قطع الرأس، ليس أمر عباس)، لكن هذا الحاكم الحازم كان ابن زمنه الجميل، ورضيعاً من زمانه. الثقافة البناءة، فلا يريد أن يرث أبناؤه هيبة الدولة وجلال العلم بعقول مجردة من المحتوى المقبول. والعقول الفارغة على عروشها؛ فأرسلهم إلى حجر العلم، بعيداً عن الوطن، وبعيداً عن الاستقرار، ليتعلموا القرآن والعلوم الإسلامية.
وفي عام 1434هـ، كان سيدي المرحوم المولى يبحث عن إجابة لما أثارته مجلة (ثقافتنا)، من بين أكوام أحزانه وأحزانه عن تلك المرحلة، وفجأة كشف، دون قصد، أن وكانت مرحلة طلبه للعلم مليئة بالصعوبات والمشقات والغربة والمشقات، وأنه -ابن دولة عاملة- كان يعاني من مشكلتين: عدم وجود كتاب، وعدم وجود يد، فكان هل كان ذلك الإنسان العصامي المتحمس، الذي كان يأخذ بعضاً من وقته المزدحم بالنشاط والتعلم، بنسخ الكتب، ليزود نفسه أولاً بالكتاب الذي يقرأ فيه دروسه، وثانياً ليكسب من كل شيء؟ كتيب نسخه 8 بالقش استخدمه في مواجهة بعض أحواله وتلبية بعض احتياجاته التعليمية.
وتضم قائمة مشايخه العشرات من أعيان تلك الفترة، كما تضم قائمة قراءاته العديد من الكتب في مجالات علمية وثقافية مختلفة، منها كتاب الحياة الكبرى للحيوانات للضميري؛ وهذا مؤشر على خطورة سلوكنا اليوم في هذه المرحلة، وتقصيرنا في طلب العلم ونشره والاهتمام به، ويبين كم أبعدتنا عقلية وتربوية وثقافية شاسعة من الانطلاق في هذا الطريق المحمود الذي توارثه هؤلاء السلف جيلا بعد جيل فأصبحنا (قادة جهلة يسألون ويفتون فيضلون ويضلون) على حد تعبير أحد أحاديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، إلا من عصم الله، مقارنة بما كان عليه هؤلاء السلف الكرام.
ولا أحتاج إلى سرد القصص والحوادث التي حث فيها أستاذي الراحل الطلاب على الاهتمام بطلب العلم، واعتبره “أفضل عمل تحت السماء”. وخطبه كثيرة تفيض بهذه الفكرة، ولا يختلف عليها أحد.
خطبه وتوجيهاته في تسعينيات القرن الماضي وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اجتاحت موجات الفكر الوهابي والثقافة السلفية المتعصبة صنعاء وغيرها من مدن اليمن، بدعم وتشجيع وتمويل من الإخوان المسلمين. سلطة صنعاء وأسيادها في الرياض، وانعكس ذلك في انقسام طائفي ومذهبي حاد داخل المجتمع. وأصبح حديث المساجد (السد والسربلة)، وكان حبس من قرأ (آية الكرسي) بعد الصلاة الجهرية من عقوبات مراكز شرطة المذبح في صنعاء، وكذلك وإقالة من قال: “عيشوا أحسن عمل” وأشياء أخرى. ومن ناحية أخرى، بدأت تظهر مراكز تحاول نصرة عقيدة أهل البيت عليهم السلام والدفاع عنها في وجه هجمة شرسة وعنيفة وشرسة. وبدأ التوتر الطائفي ينعكس على المساجد وفي اختيار زوارها.
إلا أن (مسجد الشوكاني) كان أندر المساجد التي يرتادها الناس من كل الطوائف، وترى فيه المنتمين إلى كل الطوائف، والاتجاهات الدينية والاجتماعية والثقافية. وذلك لأن قلم الكلام ومواعظ سيدي المرحوم كان موحداً للقلوب، خالياً من العيوب، واستطاع “من القلب إلى القلب” أن يكسر القيود التي خلقتها السلطة وأدواتها، و لتقديم نموذج مختلف ورائد للعالم المسلم والداعية المخلص في عمله لله المتحرك. في طريق لفت الانتباه إلى الله، وتعزيز حالة الاتصال به تعالى، والتوكل عليه، والنظر إليه، والإخلاص له.
لا أحد ينكر لذة تلك الخطب، ولا أحد ينسى الحشود الكبيرة والكثيفة التي تتوافد من أماكن بعيدة لسماعها أيام الجمعة، ولتنعم بزيارة شيخنا الجليل والموقّر الذي لا تشعر بحضوره إلا أنك أمام زين العابدين، أو ابني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. الحسن أو الحسين عليهما السلام.
فرق بين مسجد يدعو عباده إلى إخلاص الله وذكر الله في كل وقت وإلى الأخلاق الفاضلة والطرق الحميدة، وبين مسجد منبره يشتم معارضيه ويوزع الاتهامات والألقاب والشتائم على كل من يفعله ليس مثله، بل ويحرض على علماء اليمن ويطعن فيهم ويطعن فيهم. وهو يعمل على تمكين النفوذ الوهابي في اليمن منذ ذلك الحين، ويخبرنا الزمن أن هذا العمل كان يهدف إلى التمهيد لقبول هذه الحالة القائمة من العدوان الهمجي والإجرامي. وبقية الحديث في الحلقة الثانية والأخيرة.
*مقال كتبته عشية رحيل سيدي عارف بالله منذ سنوات


