اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-10 22:11:00
واليوم، أصبح المحتوى المحلي أحد المفاهيم المركزية في المناقشات الاقتصادية السائدة، خاصة في البلدان الغنية بالموارد الطبيعية التي تسعى إلى تحويل الثروة الريعية إلى تنمية مستدامة. وفي هذا السياق أصدرت الحكومة الموريتانية الأمر رقم: 156 لسنة 2025 المؤرخ في: 18 سبتمبر 2025 المتضمن تطبيق بعض أحكام القانون رقم: 045 لسنة 2024 المتعلق بالمحتوى المحلي في قطاعي الصناعات الاستخراجية والطاقة. ويكتسب هذا الموضوع أهمية كبيرة مع دخول البلاد مرحلة استغلال المشاريع الكبرى في مجالات الغاز والتعدين والبنية التحتية، وما يرافقها من رهانات اقتصادية واجتماعية معقدة تتجاوز مجرد تحقيق عوائد مالية. واستكمالا لهذه الإجراءات، تم تعيين رئيس للأمانة الوطنية للمحتوى المحلي، التي تشكل الذراع الفني للمجلس الوطني، في خطوة مؤسسية ذات دلالة واضحة، تعكس انتقال الدولة من مستوى النظرية والإعلان إلى محاولة إرساء آلية حكامة مخصصة لهذا الملف الاستراتيجي. لكن هذه الخطوة، على أهميتها، تثير أيضاً سؤالاً جوهرياً ومتكرراً: كيف نضمن أن يتحول هذا الإطار الجديد إلى أداة فعلية للتنمية، وليس إلى هيكل تنظيمي إضافي محدود التأثير؟ علينا أولاً أن نحرر مفهوم المحتوى المحلي من القراءات التبسيطية التي تحصره في الشعارات أو مجرد تشغيل العمالة غير المؤهلة. المحتوى المحلي، في جوهره، هو سياسة اقتصادية متكاملة تهدف إلى تعظيم القيمة المضافة الوطنية، ولا يتحقق أثرها التنموي إلا من خلال تكامل خمسة مكونات أساسية، يغيب أثرها في غياب أي منها: 1. التوظيف الوطني كما ونوعا، وهو ما يعني دمج الكفاءات الوطنية في مختلف مستويات المشروع، وعدم الاكتفاء بالوظائف الهامشية (عمال الحراسة، عمال النظافة، أو العمال اليدويون). بل يتطلب ذلك وضع خطط واضحة للتدرج الوظيفي في مجالات الإدارة والصيانة والهندسة والمحاسبة. 2. الشراء من الشركات المحلية، من خلال اندماجها الفعلي في سلاسل التوريد والخدمات المرتبطة بالمشاريع الكبرى، بما في ذلك النقل والأشغال والصيانة والتموين والخدمات اللوجستية، بدلاً من الاكتفاء بمشتريات رمزية (حزم من الأوراق، المياه المعدنية…) التي ليس لها أي تأثير على الاقتصاد الوطني. 3. نقل المعرفة والتكنولوجيا من خلال التدريب الميداني ضمن المشاريع والمشاركة الفعلية في التشغيل، والإشراك الفعلي للكفاءات الوطنية في التشغيل بما يؤدي على المدى المتوسط إلى تسليم المهام الفنية إليها تدريجياً. 4. بناء قدرات الموردين الوطنيين لتمكينهم من احترام المعايير الدولية للجودة والتكلفة والمواعيد النهائية، من خلال برامج التأهيل والدعم، بدلاً من منطق الإسناد غير التنافسي (منح الصفقات للأصدقاء أو الزملاء) الذي يضعف النسيج الإنتاجي. 5. الدمج التدريجي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل القيمة، باعتبارها العمود الفقري لأي اقتصاد وطني متوازن، ومنحها فرصاً حقيقية للدخول في منظومة الإنتاج بدلاً من احتكار العقود الكبرى من قبل عدد محدود من الشركات. ورغم أهمية الإطار القانوني والمؤسساتي، فإن عملية التفعيل تظل خاضعة لعدد من التحديات الهيكلية، والتي يمكن تلخيصها في المستويات التالية: 1. حدود الصلاحيات: بموجب القانون رقم: 045-2024 والمرسوم رقم 156-2025، يتمتع المجلس الوطني للمحتوى المحلي بصلاحيات ذات طابع استراتيجي وتنظيمي، تشمل: – وضع السياسات والاستراتيجيات الوطنية للمحتوى المحلي؛ – متابعة تنفيذ الخطط الثلاثية والتقارير السنوية المقدمة من الشركات. – اقتراح التوصيات في حالة عدم الالتزام. – إنشاء بوابة إلكترونية وطنية لمتابعة وتحليل بيانات الأداء. لكن النصوص لا تمنح المجلس صلاحيات تنفيذية مباشرة، مثل فرض العقوبات أو إلغاء التراخيص، ما يجعل دوره، في جوهره، دوراً توجيهياً واستشارياً يعتمد على تفاعل الأجهزة التنفيذية الأخرى. 2. قابلية القياس والتقييم: يعد غياب مؤشرات الأداء الواضحة وأدوات القياس الكمية والنوعية من أكبر معوقات التفعيل. وعلى الرغم من أن المادة 25 من المرسوم تلزم الشركات بتقديم تقارير سنوية مفصلة تتضمن بيانات العرض والتشغيل، مع توفير مؤشرات كمية قابلة للقياس، إلا أن النصوص لا تزال قاصرة عن تحديد مؤشرات مرجعية ملزمة. فهو يستخدم عبارات مثل “تعزيز”، و”ارتقاء”، و”تشجيع”، دون وضع عتبات رقمية واضحة أو مسارات تصاعدية محددة زمنيا، وهو ما يحد من فعالية التقييم والمساءلة. 3. محدودية قدرات العرض المحلية: الواقع الاقتصادي يتطلب الاعتراف بأن جزءاً كبيراً من النسيج الإنتاجي الوطني يحتاج إلى إعادة تأهيل. ولذلك فإن فرض مستويات عالية من المحتوى المحلي دون أن تصاحبه برامج بناء القدرات قد يؤدي إلى تعطيل المشاريع أو إنتاج محتوى محلي وهمي لا يعكس أثراً إنمائياً حقيقياً. وفي الختام يمكن القول إن صدور المرسوم التنفيذي وتعيين قيادة للمجلس الوطني للمحتوى المحلي يشيران إلى وعي رسمي بالأهمية الاستراتيجية لهذا الموضوع والرغبة في جعله رافعة تنظيمية قوية للقطاع الخاص، والخطوات المتخذة حتى الآن تشكل نقطة انطلاق ضرورية لذلك. لكن نجاح هذا المسار لن يقاس بوجود النصوص أو عدد الهياكل، بل بمدى القدرة على تجاوز التحديات المطروحة والتحول من اقتصاد قائم على استغلال الموارد إلى اقتصاد قائم على بناء القدرات وتعظيم القيمة المضافة الوطنية.




