اخبار موريتانيا – وطن نيوز
اخر اخبار موريتانيا اليوم – اخبار موريتانيا العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-03 18:12:00
عندما أعلن فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني أن برامج المندوبية العامة للتضامن الوطني ومحاربة الإقصاء “تآزر” أنفقت خلال ست سنوات حوالي 249 مليار أوقية قديمة، لم يكن الأمر رقما عابرا في خطاب رسمي، بل هو عطاء مالي ذو أهمية اقتصادية كبيرة. إننا أمام إنفاق يعادل في المتوسط نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي، ويمثل نحو 3.5% من إجمالي نفقات الموازنة العامة سنوياً. وبهذا القدر من الموارد تصبح أهمية هذه البرامج أمراً محسوماً من حيث الوزن المالي. لكن تبقى المشكلة الأساسية: ما هو الأثر الاقتصادي الملموس الذي أحدثه هذا الإنفاق؟ وإلى أي مدى ساهمت في خلق تحول هيكلي بين الفئات المستفيدة من موقف الاعتماد على التحويلات إلى الاندماج الإنتاجي في الدورة الاقتصادية؟ هل أدى إلى بناء رأس مال بشري ومادي يمكّن الأسر الضعيفة من تحقيق الاستقلال الاقتصادي المستدام، أم أن تأثيره اقتصر على التخفيف الفوري من الفقر دون تغيير موقعها داخل هيكل الإنتاج؟ وعلى المستوى الاجتماعي المباشر، لا يمكن للمغابير أن ينكر التأثير الملموس لهذه التدخلات. إن التحويلات النقدية المنتظمة لأكثر من 143 ألف أسرة، وتوفير بطاقات الحصص الغذائية لأكثر من 170 ألف أسرة، وتوسيع التغطية الصحية لتشمل 113 ألف أسرة، كلها مؤشرات على إنشاء شبكة واسعة للحماية الاجتماعية ذات امتداد وطني، وليست عملية ذات تأثير محدود. ومن منظور العدالة الاجتماعية، يعكس هذا التوسع إعادة توجيه كبيرة للموارد العامة نحو الفئات ذات الدخل المنخفض، وبالتالي تعزيز العدالة والحد من التفاوت في الحصول على الغذاء والصحة والخدمات الأساسية. ويجسد البرنامج الاستثنائي لشهر رمضان، الذي شمل حوالي 380 ألف أسرة بقيمة تتجاوز 10 مليارات أوقية قديمة، القدرة على الاستجابة السريعة للضغوط الموسمية وغلاء المعيشة. باختصار، تمثل هذه الأرقام حزمة تدخلات اجتماعية يصعب التقليل من تأثيرها المباشر. فهو يقلل من العبء المباشر ويوفر هامش الأمان الضروري في الظروف الاقتصادية المتقلبة. وهذا ما جاء في تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حول شبكات الأمان الاجتماعي، والتي ذكرت أن التحويلات النقدية المنتظمة تعمل على تحسين استهلاك الغذاء وتعزيز استقرار الأسرة ودعم التماسك الاجتماعي على المدى القصير. ومع ذلك، فإن التقييم الموضوعي اليوم لـ “تآزر” يتطلب التمييز بين تأثيرها الاجتماعي المباشر، وهو ملموس ولا جدال فيه، وبين تأثيرها التحويلي على المدى الطويل. ولا يتوقف المعيار الاقتصادي عند عدد الأسر المستفيدة، بل يتجاوز ذلك ليتساءل عن الأثر «المضاعف» الذي يولده الإنفاق على النشاط والدخل والإنتاج. وتقول النظرية الاقتصادية إن كل تحويل نقدي يؤدي إلى زيادة الاستهلاك، وكل زيادة في الاستهلاك تعمل على توليد طلب إضافي في الأسواق المحلية. وتشير الأدبيات المتعلقة بمضاعف الإنفاق الاجتماعي في البلدان المنخفضة الدخل إلى أن هذا المضاعف يتراوح عادة بين 0.6 و1.5 اعتمادا على كفاءة الاستهداف ومعدل التسرب والواردات. أي أن كل أونصة قد تولد نشاطاً اقتصادياً إضافياً إذا تمت إدارتها بكفاءة. ومع ذلك، هذه تقديرات نظرية لا تزال تتطلب قياسًا ميدانيًا دقيقًا. ويتعلق التأثير الثاني برأس المال البشري. ولا ينبغي النظر إلى الإنفاق على الصحة والتغذية والتعليم باعتباره عبئا استهلاكيا، بل باعتباره استثمارا يراكم القدرة الإنتاجية للمجتمع في المستقبل. وصحيح أن عائداتها لا تنعكس بشكل مباشر في معدلات النمو السنوية، ولكنها تتجلى تدريجياً في تحسين فرص العمل، وانحدار الفقر البنيوي، وارتفاع متوسط الدخل في الأمدين المتوسط والطويل. ومع ذلك، لا يحدث هذا المسار تلقائيًا؛ وهنا يطرح السؤال الجوهري: هل لدينا أدوات قياس واضحة ترصد الانتقال من منطق «الحماية الاجتماعية» إلى منطق «تعزيز الإنتاجية»؟ هل انخفض الفقر متعدد الأبعاد في المناطق المستفيدة؟ هل تحسنت مؤشرات التعليم والتغطية الصحية بطريقة مستدامة؟ والأهم من ذلك، هل انعكس ذلك فعليا على دخول الأسر بعد سنوات من الاستفادة، أم أن التأثير ظل محصورا في التحويلات الظرفية؟ إن ما تقوم به “تآزر” حتى الآن من توسع غير مسبوق في التغطية الاجتماعية يعد إنجازاً كمياً واضحاً. لكن مستقبل تدخلها يجب ألا يبقى مقتصراً على منطق التوسع، بل يجب أن ينتقل إلى منطق تعظيم العوائد. ويتطلب ذلك ربط جزء من التحويلات ببرامج التكامل الاقتصادي الفعلية، وتطوير أدوات تقييم دورية لقياس الأثر على الفقر والدخل وتحسين الظروف المعيشية. لذا فإن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لابد أن يتمثل في تحويل جزء من هذا الإنفاق الاجتماعي المناصر للفقراء إلى قدرة إنتاجية. تحويل “تآزر” من شبكة أمان إلى رافعة للنمو الشامل والمستدام الذي يلبي طموحات التنمية ويحقق الأهداف الاجتماعية. إذا أرادت تآزر تحويل الدعم المؤقت إلى قدرة إنتاجية مستدامة، فعليها اتباع خطوات أساسية: أولاً، تحديد الطلب الفعلي: قبل توزيع الأصول الإنتاجية، يجب أن تبدأ بإعداد خريطة تحدد الطلب والحاجة (ما يتم استهلاكه فعلياً) على المستوى المحلي (محافظة/بلدية). فإذا لم يكن التوزيع مبنياً على طلب حقيقي في السوق، وكان استجابة لفرصة قائمة بدلاً من البحث عن أي نشاط مهما كان، فهو محكوم عليه بالفشل والاختفاء. ثانياً، ضمان الاستمرارية في المرحلة الأولى: لا يكفي منح الأصل فقط، بل يجب توفير المرافقة المستمرة والمتابعة الدقيقة والتدخل المبكر لتصحيح الأخطاء لضمان نجاح السنة الأولى الحاسمة. ثالثاً: ترسيخ الانضباط المالي تدريجياً: وذلك من خلال توجيه جزء بسيط من الدخل المتولد نحو الادخار الدوري، ولو رمزياً، لخلق عادة مالية تعزز الاستدامة الاقتصادية للأسر المستفيدة. بعد سنوات لعبت فيها برامج المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء “تآزر” دور شبكة الأمان الاجتماعي، أصبح من الضروري إعادة النظر في معيار التقييم، بحيث لا يقاس النجاح بحجم الإنفاق أو عدد المستفيدين، بل بمدى قدرة هذه البرامج على تقليص قاعدة الاعتماد عليها تدريجيا. لقد تم إنشاء شبكات الأمان للتخفيف من حدة الهشاشة وامتصاص الصدمات، وليس لتحويل المساعدات إلى حالة دائمة أو أسلوب حياة مستمر. وفي الختام، فإن الرهان لا يكمن في توسيع دائرة التغطية، بل في إعادة توجيه البوصلة: من الحماية الممولة سنويا إلى التمكين الذي يولد دخلا مستداما. ومن التحويلات التي تنعش الاستهلاك مؤقتا، إلى الاستثمارات التي تعمل على تجميع الأصول وتنمية المهارات وفتح منافذ فعلية للسوق. عندها فقط يتغير “التأثير المضاعف” من فرضية اقتصادية إلى واقع يقاس بارتفاع الدخل، وتراجع الفقر البنيوي، وتوسيع قاعدة الإنتاج. عندما يُعاد تعريف النجاح داخل “تآزر” من السؤال: كم عدد الأسر المستفيدة؟ إلى سؤال أعمق: كم عائلة خرجت من دائرة الإعالة ولم تعد بحاجة للتحويلات المالية؟ ويمكن القول، حينها، إنه انتقل فعلياً من منطق الحماية إلى منطق التمكين، ومن إدارة مظاهر الفقر إلى معالجة أسبابه.




