اخبار الكويت- وطن نيوز
اخر اخبار الكويت اليوم – اخبار الكويت العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2025-11-20 21:24:00
من المتع في هذا العالم اليوم قضاء الكثير من الوقت مع الأحفاد والحفيدات والانخراط معهم في تفاصيل المدرسة وأحاديث الحياة العامة. ولا تخلو هذه المتع من عنصر المفاجأة، مع سؤال مفاجئ مثل ذلك الذي طرحته عليّ حفيدتي عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها عندما كنت أساعدها في دروس الدين: “بابا جاسم، لماذا نزلت الرسالة الإسلامية هنا في هذه المنطقة؟” ولماذا ظهرت في مناطق أخرى مثلا؟ “بابا جاسم سريع البديهة، ولكن ليس إلى درجة أن لديه إجابة سريعة على موضوع وجودي تتشابك فيه مفاهيم الدين والحضارة والمجتمع. لماذا كنا موطن الدين الحنيف؟ وبما أنني لست راسخا في العلوم الشرعية أو الفلسفة التاريخية، كان علي أن أبحث عن إجابة من حيث التفسيرات التاريخية والمناهج المنطقية وليس من حيث الجزم أو الانحياز لما يراه البعض حقائق ثابتة. قبل الإسلام، وبالمقارنة مع الأمم الأخرى، كنا أقل رائعة فيما يتعلق بالازدهار والتوسع الحضاري للموضوع، ففي عصور ما قبل الإسلام كان لأهل هذه الأرض مكانة تجارية وقوة اقتصادية من خلال السفر في الشتاء والصيف، وكانت لديهم قدرات تنظيمية لمواسم زيارة الكعبة، ورافق ذلك فراغ روحي تملأه المعتقدات الوثنية، ولكن الحضارة بمعناها الواسع، أي وجود العوامل الطبيعية المساعدة مثل الأنهار والأراضي الزراعية، وتنظيم الحركة والاستيطان، وإقامة التجمعات السكانية. العيش عند مصادر الماء والغذاء التي تطورت فيما بعد إلى مدن، وتشكيل السلطات المدنية التي تحولت فيما بعد إلى مركزية، وإتقان الطب والفن والهندسة والعمارة، وهي العوامل التي تعبر عن صورة المجتمعات… كانت حاضرة أكثر من غيرها. كما لعبت السلطة الدينية في مجتمعات ما قبل الإسلام الأخرى دورا في مواكبة الحضارة إلى جانب سلطة الحكم، وتمثل ذلك في ما تبقى من الآثار والمعابد… هذه الصورة الحضارية بكل تفاصيلها تابعنا مساراتها من الصين شرقا إلى المكسيك في غربًا، مرورًا ببلاد الهند والسند ومصر وبعض الدول الأوروبية، وقبل الوحي بمئات وآلاف السنين، كانت الحضارات كالسومرية واليونانية والفرعونية والصينية والهندية والفارسية والرومانية وغيرها، لا تزال محفوظة في متاحف العالم وكتب التاريخ شاهدة على «أدلتها»، وما زال العلم -في حالة الحضارة اليونانية على سبيل المثال- حتى هذه اللحظة يتفاعل مع قيمها الفلسفية في تفكير أولي، و لا على وجه اليقين، فهل كان من الممكن أن تتجلى رسالة دينية بشكل عام في إحدى تلك الحضارات دون أن تصطدم بها أو تفقد زخمها الدعوي نتيجة التنافس مع واقع قائم قوي؟ البعد الذي كان موجوداً اختلط بهم وكان جسراً لانتشارهم، والموضوع يحتاج بطبيعة الحال إلى مجلدات، فهو في نقطة تقاطع رئيسية بين الدين والرسائل والحضارات والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، ومن هنا أعتقد -والله أعلم- أن وصول الإسلام إلى شبه الجزيرة كان أيضاً غرضاً ثقافياً وليس دينياً فقط، فقد غير الأنماط السائدة في عصور ما قبل الإسلام وتوسع وانتشر كمؤسس لحضارة عظيمة ذات قيم لم تتعارض معها. ما كان سائداً بسبب تواضعها مقارنة بالأمم التاريخية السابقة، لكنها سرعان ما ذابت ما كان موجوداً وأعطته الصورة التي جعلته ينتشر ويتوسع في حضارات كانت تتباهى بصعوبة تغييرها، ونحن الآن أمام حضارة إسلامية عابرة للجغرافيا، الوحيدة في العالم التي تنسب إلى دين وليس إلى منطقة أو أرض، حضارة أشاعها سيد الأنبياء وأشرفهم على رب العالمين محمد صلى الله عليه وسلم. السلام الذي أقام الدولة الأولى في المدينة المنورة ونشر القيمة الروحية بالتوازي مع القيمة المادية… وزواج القيمتين غطى النقائص التي كانت المجتمعات تحتاج إلى تطويرها، ولم يرتبط نزول الإسلام في هذه المنطقة بحضارة قائمة محددة لأنه دين لكل العالمين، بدأ من منطقة تمتعت ببيئة شبه نقية لأنها لم تشهد تراكم رواسب حضارية عالمية تاريخية، وانطلق عصر حضاري ذهبي مع تكوين الدولة الأولى، ثم تطورت وتوسعت السلطة، وتنظيم الدولة. انتشار التجمعات في أماكن الطعام والماء، وتأسيس الحكم، ثم فتح الباب أمام طوفان العلم بكل جوانبه، ثم زرع العمران والإسهامات التاريخية العظيمة التي لا تزال شواهدها موجودة في بلاد الغرب والشرق التي شهدت الفتوحات… قبل أن يقضي أمراء الطائفة “المسلمون” على ذلك ويسجل التاريخ أن حضارة عظيمة ساهم “أبناؤها” في هدم بعض أسسها، كما حيرتني حفيدتي ودفعتني للبحث والتعمق قبل أن أجيب وأعمل وبقدر استطاعتي، أعتقد أن رأيي خطأ وقد يكون صحيحا، وأن رأي غيري هو صواب وقد يكون خطأ، ولكنها أيضا دعوة للآخرين – لعدم الخلط بينهم كما فعلت حفيدتي – بل للمساهمة في الإجابة على سؤال البعد المكاني لنزول الرسالة، والسبب والهدف، والأهم من ذلك مساعدتي في تبسيط الإجابات لجيل جديد تطارده… الأسئلة. ويبقى ما أقوله وغيره جهداً إنسانياً لا يحيط بالمصير.




