اخبار البحرين – وطن نيوز
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-03 23:38:00
أمل محمد أمين يكاد لا يخلو قانون أو حضارة إنسانية من الدعوة للتعاون ومد يد العون للمحتاجين. إلا أن الإسلام جعل العمل التطوعي والإحسان للناس عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله عز وجل، وربطها بالإيمان الصادق والأخلاق الحميدة. ولكننا نلاحظ في مجتمعاتنا اليوم مفارقة مؤلمة: رغم كثرة النصوص الشرعية التي تحث على الجهد والعطاء، إلا أن الكثير من الناس يفشلون في أداء هذا الدور، معتقدين أن العمل التطوعي مسؤولية المؤسسات الخيرية وحدها أو أنه يحتاج إلى وقت طويل أو موارد مالية كبيرة، في حين أن الحقيقة أن أبواب الخير أوسع بكثير من هذه التصورات. قال الله تعالى: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”.[المائدة: 2]وقال الله تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره». [الزلزلة: 7]. كما قال الله تعالى: “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون”. [آل عمران: 92]. وتؤكد هذه الآيات أن الخير لا يقاس بحجمه، بل بإخلاص النية والإخلاص فيه، وأن كل عمل نافع مهما بدا صغيرا، فإن مكانته عند الله عز وجل. وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس». وقال أيضًا: “تبسمك في وجه أخيك صدقة”، وقال: “في كل كبد رطبة أجر”، وهذه أحاديث تؤكد أن التطوع لا يقتصر على التبرعات المالية، بل يشمل كل عمل يعود بالنفع على الآخرين أو يخفف عنهم معسرًا. وعلى المستوى العالمي، أصبح العمل التطوعي ركيزة أساسية في نهضة المجتمعات وتقدمها. في أوقات الكوارث الطبيعية والحروب والأوبئة والأزمات الاقتصادية، يتقدم الملايين من المتطوعين لتقديم المساعدات الإنسانية، والمشاركة في عمليات الإنقاذ، وتوزيع الغذاء والدواء، وتقديم الدعم النفسي للجرحى، والمساهمة في إعادة إعمار المناطق المتضررة. كما يشارك المتطوعون في حملات التبرع بالدم، ومكافحة الفقر، ورعاية كبار السن، وتعليم الأطفال، وحماية البيئة، والحفاظ على الحياة البرية، وتنظيف الشواطئ والمتنزهات، وزراعة الأشجار، ودعم الأشخاص ذوي الإعاقة، وتقديم الخدمات الصحية المجانية في المناطق النائية. لم يعد مفهوم التطوع يقتصر على الجهد البدني، بل ظهر ما يعرف بالتطوع الرقمي، حيث يقدم المتخصصون خبراتهم عبر الإنترنت في مجالات التعليم، والاستشارات القانونية، والدعم النفسي، والترجمة، وتصميم المواقع، والتوعية الصحية، والتدريب المهني، وصناعة المحتوى. هادف، مما جعل العمل التطوعي أكثر انتشاراً وتأثيراً في العصر الحديث. تختلف المؤسسات التطوعية حول العالم حسب طبيعة رسالتها وأهدافها. هناك مؤسسات إنسانية وإغاثية تقدم المساعدة وقت الكوارث والأزمات، مؤسسات صحية تهتم بعلاج المرضى والتوعية بالأمراض، جمعيات تربوية تدعم الطلاب ومحو الأمية، مؤسسات بيئية تعمل على حماية الموارد الطبيعية ومواجهة التغير المناخي، جمعيات ثقافية تنشر المعرفة وتحافظ على التراث، مؤسسات شبابية تستثمر طاقات الشباب في خدمة المجتمع، بالإضافة إلى مؤسسات متخصصة في رعاية الأيتام والمسنين وذوي الإعاقة والأسر المحتاجة وحماية الحيوانات وتعزيز حقوق الإنسان، تمكين المرأة وتنمية المجتمع المحلي. ورغم أهمية هذه المؤسسات والجهود الكبيرة التي تبذلها، إلا أن العمل الخيري لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الانضمام إليها. كل شخص قادر على أن يكون متطوعاً بطريقته الخاصة، حتى لو لم يكن يحمل بطاقة عضوية في أي جمعية أو منظمة. فالصلاح يبدأ من الفرد، ثم يمتد إلى الأسرة، ثم إلى المجتمع بأكمله. وكما أن الإنسان يغرس شجرة في الطريق أو البستان، فهو له أجرها ما دام الناس والطيور والحيوانات ينتفعون بظلها وثمرها. يمكنه وضع براد ماء أو توزيع زجاجات الماء البارد على العمال في أيام الحر الشديد، أو إطعام محتاج، أو إطعام حيوان جائع، أو التبرع بدمه لإنقاذ حياة مريض، أو زيارة مريض في المستشفى وتخفيف آلام الوحدة، أو مساعدة كبير في السن في قضاء حوائجه، أو إفساح الطريق للأشخاص ذوي الإعاقة، أو إزالة حجر أو حطام من الطريق، أو تعليم طفل مجانا، أو التبرع بكتاب، أو البسمة في وجه الناس، أو نشر كلمة طيبة تبعث الأمل. النفوس. كما يمكن للموظف أن يتقن عمله في خدمة المجتمع، ويمكن للطبيب أن يخصص جزءا من وقته لعلاج غير القادرين، ويمكن للمعلم أن يقدم دروسا مجانية، ويمكن للطالب أن يساعد زملائه، ويمكن لرجل الأعمال أن يدعم المبادرات المجتمعية، ويمكن لرب الأسرة أن يغرس في أبنائه ثقافة العطاء منذ الصغر. إن هذه الممارسات اليومية البسيطة، عند دمجها، تخلق مجتمعًا متعاطفًا ومترابطًا، وتعيد للناس روح المسؤولية المشتركة. ولذلك فإن العمل التطوعي ليس رفاهية، ولا وظيفة موسمية مرتبطة بشهر رمضان أو المناسبات الخاصة، بل هو أسلوب حياة يعكس رقي الإنسان ووعيه وانتمائه لوطنه وأمته. إن الأمم التي ينتشر فيها العمل التطوعي هي دول أقوى وأكثر تماسكا وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات، لأن شعوبها تدرك أن بناء المجتمع مسؤولية الجميع، وليس مسؤولية الحكومات أو المؤسسات وحدها. وعلى كل قلب أن يدرك أن أعظم رسالة يمكن أن يحملها الإنسان هي أن يبقى أثره الطيب بعد رحيله؛ بكلمة صادقة، أو شجرة مثمرة، أو قنينة ماء تروي ظمأنا، أو زيارة ترفع معنويات مريض، أو يد ممدودة لمساعدة محتاج، أو ابتسامة تبعث الأمل. الخير لا يتطلب منصبًا أو ثروة أو عضوية في مؤسسة خيرية. بل يتطلب قلبًا حيًا يؤمن بأن كل معروف مهما كان صغيرًا هو لبنة في بناء مجتمع أكثر رحمة وإنسانية، وسببًا لنيل رضاء الله عز وجل وأجره العظيم.




