اخبار البحرين – وطن نيوز
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-01 15:52:00
بقلم: عيسى الحمادي نرى في هذا الزمان قوماً اتخذوا الدين حجاباً، ومن الخطاب السياسي المخفي في الباطن بأهداف خفية، جسراً إلى القلوب. فإذا جد الجد، واشتد الكرب، وتبين مكان الحق من الباطل، وقفوا بين الموقفين: لا أيدوا، ولا أنكروا، ولا شرحوا، في موقف لا يقبل التردد. وهذا القول للتوضيح، والتأويل قطعا، وليس اتهاما لطائفة معينة، ولا هو تخصيص لطائفة على أخرى. بل هو خطاب يمتد من المغرب العربي إلى شرقه، ومن شماله إلى جنوبه. ويتناول كل من يبايع مرشداً خارج الوطن، ويقدمه على وطنه، ويخضع له على واجب الانتماء. وسواء ارتدى ثوب التنظيم، أو ادعى الانتماء إلى منهج آخر، فالسبب واحد، وإن اختلفت الأسماء، والنتيجة واحدة، وإن تعددت الرايات. ومن أروع ما يقال عنهم، وما يقال عنهم، أنهم كانوا يعلمون الشباب مقولة يرددونها دائمًا في معسكراتهم: “اتقوا”، كأنها سيف مصقول، أو درع تلبس، قصد بها تهيئة النفوس للقاء العدو. والثبات عند اللقاء؛ فإذا اقترب العدو اشتد البلاء، وظهرت الحقائق، رأيت الشعار مرفوعاً، وصاحبه مصداً، وأرى القول جريئاً، والفعل ضعيفاً؛ حتى بدا للناظر أن الغلظة كلمة عندهم تقول لم تبلغ خلقا، وأن ما أمروا به غيرهم لم يستطيعوا أن يفعلوه في أنفسهم، فكان الشباب الوطني المخلص، بعيدا عن الخضوع لهم عند الاختبار، أخشن من شوارب كلماتهم، وأصدق من لحى أفعالهم، وصامدا في الدفاع عن وطنهم قولا وفعلا من أقوالهم. ولم ينكر أحد وجع فلسطين، ولم يخفف الألم. ألمها، وجرحها جرح في صدر كل عربي، ونزيفها نزيف في ضمير كل مسلم. لكن ما يثير الدهشة تماما هو أن قضيتها يتم الاتجار بها، وأن صوتا عاليا يطلق من أجلها، ولحملات جمع الأموال التي يقال إنها لأهلها. فإذا وقع العدوان على أوطانهم خفتت الأصوات، وانطفأ البيان، وغيب الوضع، وكأن الدماء توزن، أو تقسم القضايا، أو ينقسم الحق على الأهواء؛ ولا يجوز أن يقال: عدو عدوي صديقي، ولا أن أتردد في تصنيفه كعدو، بحجة ارتباطه بالدين، فهو يعتدي على الوطن، ويستهدف الأرض، وينتهك الأمن. ثم إذا نظرت إلى أصل فكرهم وجدت أنه أقرب إلى كشف سرهم، وأقرب إلى بيان غرضهم؛ إنهم لا يعطون وزناً للدولة الوطنية، ولا يرون أن لحدود الأمم أهمية. بل يجعلون الولاء للمرشد المقتدى به، ولو كان خارج الوطن، ويقدمون طاعته على طاعة أوطانهم، سواء كان ذلك على شكل تنظيم سياسي ديني ثيوقراطي ظاهري، أو على شكل ثورة ثيوقراطية طائفية تفرق ولا توحد، ويخفيها الدين. وكأنهم يجتمعون على مبدأ واحد، وهو طرح الفكرة أمام الأمة. وإذا نظرت إلى ولائهم وجدت أنه ولاء معلق، غير مستقر، ومشروط، وليس مطلقا. فهي تخضع للفكر وللمرشد، لا للدولة، على عكس ما عرف عن منهج السلف الصالح كقدوة ومنهج، وليس كتنظيم حديث تحت أي غطاء، من وجوب الجماعة، ووجوب السمع والطاعة لولي الأمر في الحق، والنهي عن الخروج وشق الصف. وإذا تأملت مواقفهم حين وقع العدوان، رأيت أشياء غريبة تثير الدهشة؛ تصدر البيانات على استحياء، ثم يتبعها اختفاء وكأن لا صوت ولا بيان. لم تذكر حملات إعلامية، ولا دعوات صادقة تؤكد الوقوف مع الوطن، ولا مؤتمرات تندد بالعدوان، ولا أغاني تمجد جنود الخليج البواسل، وما يقومون به من دفاع وصون. وكأن الوطنية عندهم مؤجلة، والمناصب مؤجلة، والواجب موقوف. ومن جهة أخرى، لو قيل لهم: أين أنتم، ماذا كنتم تزعمون؟ أين كنت تربى؟ قالوا: الحكمة تقتضي، والمصلحة تدعو، وما هي في الواقع إلا سياسة تدار، وأهداف تخفى، وأهداف تمر تحت عباءة الدين. لكن الإنصاف، وهو ميزان البيان، يقتضي أن يقال: إن منهم جمعيات بمسميات متعددة، وأفراداً، مخلصون في حسهم الوطني، وثابتون في موقفهم، فكانوا صادقين وصلبين مع وطنهم، ظاهراً وباطناً، ولم يناوروا ولا يناوروا؛ نحن معهم، ندعم صدقهم، ونشيد بصمودهم. وأما من تلاعب في وفائه، وتظاهر بموالاته، وكشف ما لم يخف، وقال ما لم يفعل، فذلك الذي نرفض قوله، ونكشف أمره. فإن صدق الوفاء لا يجتمع مع تقلب الهوى في أوقات البلاء.


