اخبار البحرين – وطن نيوز
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-20 23:07:00
سماهر سيف اليزل في ظل الظروف الراهنة، ومع تصاعد التوترات وما يرافقها من صافرات الإنذار وأصوات الانفجارات، لا تعيش كل العائلات التجربة ذاتها. هناك بيوت يتحول فيها الخوف إلى تجربة يومية مزدوجة، حيث لا يقتصر القلق على الهروب من الخطر، بل يمتد إلى كيفية احتواء طفل لا يفهم ما يحدث، أو لا يستطيع التعبير عنه. تعيش عائلات الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد ومتلازمة داون هذا النوع من القلق المعقد، حيث تصبح اللحظة التي من المفترض أن تكون سريعة وحاسمة مليئة بالتفاصيل المعقدة والعواطف غير المتوقعة. وفي هذا السياق، قال خبير واستشاري التربية الخاصة الدكتور أسامة أحمد مدبولي: «الأزمات تكشف هشاشة التفاصيل الصغيرة داخل الأسرة، وتظهر حجم التحديات التي يواجهها أولياء أمور الأطفال ذوي اضطرابات النمو، خاصة في البيئات غير المستقرة». ويضيف: “عندما تنطلق صفارة الإنذار، قد يبحث الطفل العادي عن والديه، بينما قد يضع الطفل المصاب بالتوحد يديه على أذنيه ويصرخ، أو يهرب فجأة، أو يتجمد في مكانه. هذه ليست ردود أفعال عشوائية، بل هي انعكاس مباشر للحساسية المفرطة وصعوبة فهم الحدث”. ويشير إلى أن العديد من الآباء ينتابهم شعور بالعجز في تلك اللحظات، خاصة عندما يفشلون في تهدئة الطفل بسرعة، أو عندما تتفاقم حالته بدلا من تهدئته. تروي إحدى الأمهات تجربتها قائلة: “مع انطلاق صفارة الإنذار الأولى، بدأ طفلي بالصراخ بشكل هستيري، وكان يضع يديه على أذنيه ويركض في أرجاء المنزل، لم أستطع أن أشرح له ما يحدث، فقط احتضنته وحاولت تهدئته بأي شكل من الأشكال”. وفي تجربة أخرى، يذكر أب أن ابنه حاول الهروب من المنزل فور سماعه الصوت، موضحاً أن “الطفل كان يهرب من الإحساس المزعج، وليس من الخطر نفسه، لأنه لا يدرك اتجاه الأمان”. ووصفت أم أخرى لحظة انهيار حسي عاشتها ابنتها، قائلة: “صافرة الإنذار كانت مؤلمة لها، بدأت تبكي بشدة وتضرب رأسها، ولم أجد حلا سوى استخدام سماعات عازلة واحتضانها في مكان هادئ حتى تهدأ تدريجيا”. ولا تنتهي هذه المشاهد اليومية عند صوت المنبه، إذ يوضح مدبولي أن «بعض الأطفال يدخلون في حالات التكرار القهري للكلمات، أو التعلق الزائد بأحد الوالدين، أو الاضطرابات». وفي النوم، كلها مؤشرات على استمرار تأثير الصدمة. بين الواجب الوطني… والقلق الذي لا يفارق قلوب الوالدين. ولا تتوقف التحديات عند حدود التعامل داخل المنزل. بل تتفاقم لدى شريحة من أولياء الأمور الذين يعملون في الخطوط الأمامية، سواء في القطاع الصحي أو الأجهزة الأمنية، حيث يجدون أنفسهم أمام معادلة قاسية للغاية. ويقول مدبولي: «هناك أولياء أمور يخرجون لأداء واجبهم الوطني في أصعب الظروف، بينما يتركون خلفهم أطفالًا مصابين بالتوحد أو متلازمة داون، وهم يدركون تمامًا أن أطفالهم قد لا يفهمون سبب غيابهم المفاجئ، أو قد يواجهون نوبات خوف دون وجودهم». ويضيف: “هذا النوع من الضغط النفسي معقد، لأن ولي الأمر لا يكون حاضرا بشكل كامل جسديا أو نفسيا، فهو يلعب دورا وطنيا من جهة، ويحمل الاهتمام الدائم بأسرته من جهة أخرى”. وتشير بعض التجارب إلى حجم هذا التحدي؛ تروي أم تعمل عن بعد أنها اضطرت إلى إيقاف اجتماع عمل بشكل مفاجئ أثناء انطلاق صفارة الإنذار، بسبب حالة الذعر التي أصابت طفلها، وتضيف: “لم يكن لدي خيار. كان علي أن أكون أماً أولاً، لكن الضغط كان كبيراً في محاولة التوفيق بين العمل واحتواء الوضع”. ويشير مدبولي أيضًا إلى أن إغلاق بعض المراكز المتخصصة أثناء الأزمات يزيد العبء على الأسرة، موضحًا أن «هذه المراكز تمثل عنصر دعم أساسي، وغيابها يضع الوالدين على عاتقهما مسؤولية التعامل الكامل مع الطفل دون توجيه مباشر، مما يزيد من الإرباك والضغط». نفسياً: سلوك مختلف… حين يتحول الصوت إلى ألم. ويوضح مدبولي أن فهم طبيعة الأطفال المصابين بالتوحد ومتلازمة داون هو المفتاح الحقيقي للتعامل معهم في الأزمات، لافتا إلى أن اختلاف ردود الفعل يرجع لأسباب علمية واضحة. ويقول: “إن الأطفال المصابين بالتوحد غالباً ما يعانون من الحساسية المفرطة للأصوات والضوء، وصعوبة فهم الأحداث المفاجئة، بالإضافة إلى ضعف في التواصل والتعبير، وحاجة قوية للروتين. ولذلك فإن الصوت المفاجئ مثل صفارة الإنذار قد يتحول إلى تجربة حسية مؤلمة بالنسبة لهم”. ويتابع: “أما الأطفال المصابون بمتلازمة داون، فقد يبدون أكثر هدوءا، لكنهم قد لا يدركون خطورة الوضع، أو قد يتأخرون في الاستجابة، وقد يتبعون أي شخص من باب الثقة، مما يشكل خطرا إضافيا”. ويؤكد أن بعض السلوكيات مثل الضحك غير المبرر أو الغضب أو رمي الأشياء ما هي إلا محاولات للتعبير عن التوتر، وليست سلوكيات متعمدة أو “سيئة” كما قد يظن البعض. كيف نتصرف؟… الأمان يبدأ بهدوء الكبار. وعن آليات المواجهة، يؤكد مدبولي أن أول ما يحتاجه الطفل هو أن لحظة الخطر ليست التعليمات، بل الشعور بالأمان. يقول: “إذا كان صوتك مرتفعاً أو كانت حركاتك متوترة فإن القلق سينتقل مباشرة إلى الطفل، لذلك يجب أن تتحدثي بصوت هادئ، أو تستخدمي كلمات بسيطة، أو حتى مجرد الإيماءات في بعض الحالات”. ويضيف أن العلاج يختلف من طفل إلى آخر، إذ قد يفضل بعض الأطفال المصابين بالتوحد التحدث بشكل أقل والاعتماد على التوجيه الجسدي اللطيف، بينما يستجيب الأطفال المصابون بمتلازمة داون بشكل أفضل للتعليمات المباشرة والواضحة. كما يؤكد على أهمية اتخاذ خطوات عملية أثناء الإنذار، موضحاً أنه يجب على أولياء الأمور الانتقال فوراً إلى مكان آمن دون نقاش. الإمساك بالطفل جيداً لتجنب الهروب، والتقليل من المحفزات الحسية كالضوء والصوت، واستخدام سماعات عازلة عند الحاجة، وتوفير عنصر مألوف يمنح الطفل الطمأنينة، مع تجنب العقاب أو الضغط تحت أي ظرف من الظروف. ويؤكد أن «الهروب من أخطر التصرفات في هذه اللحظات، لأن الطفل قد يكون يهرب من الصوت وليس من الخطر، لذا لا ينبغي تركه بمفرده أبداً». التدريب المسبق… نصف الأمان. ويؤكد مدبولي أن الاستعداد قبل الأزمة لا يقل أهمية عن التعامل معها خلالها، موضحا أن «اللحظة الحقيقية ليست من الممكن التعلم، لذا يجب تدريب الطفل مسبقا على سيناريوهات بسيطة». ومن الأساليب الفعالة تمثيل المواقف الافتراضية بهدوء، واستخدام الصور والبطاقات التوضيحية، وتكرار التدريب بشكل منتظم، وتعزيز الطفل عند الاستجابة الصحيحة. كما ينصح بتجهيز المنزل، من خلال تخصيص غرفة آمنة، وتركيب الأثاث، ووضع الأدوات الخطرة بعيداً، وإعداد حقيبة الطوارئ التي تحتوي على احتياجات الطفل الأساسية. بعد الخطر… آثار لا ترى بالعين المجردة. وينبه مدبولي إلى أن انتهاء التحذير لا يعني نهاية التأثير، لافتا إلى أن «بعض الأطفال قد يعانون من اضطرابات في النوم، أو قلق». التغيرات المستمرة أو السلوكية وهنا يأتي دور الأسرة في استعادة الروتين تدريجياً وتوفير الطمأنينة ومراقبة أي مؤشرات تتطلب تدخلاً متخصصاً. وفي ختام تصريحه يؤكد د. أسامة مدبولي: «قد لا يفهم الطفل معنى القصف أو الخطر، وقد لا يستطيع التعبير عما يشعر به، لكنه يفهم بوضوح شيئًا واحدًا.. هل هو آمن أم لا. وهذا الشعور يخلقه من حوله، من صوت والديه، من هدوءهما، وقدرتهما على احتوائه. في الأزمات قد لا نملك السيطرة على كل شيء، لكن يمكننا أن نكون مصدر الأمان.. وهذا هو الدور الأهم للعائلة”.



