اخبار البحرين – وطن نيوز
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-04 18:03:00
بقلم: عيسى بن عبد الرحمن الحمادي عندما تتموج خرائط المنطقة بأخبارها المضطربة، وتضيق آفاقها بغبارها المتراكم، وترتفع في أرجاءها أصوات التهديدات، ورعود بلا مطر، وبروق بلا هدى، وصواعق بلا مدى؛ وحين تستمر إيران في عدوانها القديم ومسارها المرير، فإنها لا تكل من العدوان، ولا تنغمس في التدخل، ولا تتوقف عن التحريض، وكأن جوارها ساحة مؤامرات، والسيادة جدار خرق، والقانون سلسلة يجب كسرها، والمواثيق حبر للضياع. ومن ثم لن يكون الحديث عن مجلس التعاون عن فتح قاعات، أو تلاوة بيانات، أو التقاط صور، أو عبارات منمقة. بل هي قصة بيت إذا قرع بابه، قام أهله، وصف إذا نادى قوى بنيانه، وحصن إذا اقترب منه الخطر زاد علوه، ومصير إذا أحاطت به المصائب، اجتمعت عليه القلوب قبل العبارات، وتقدمت العزم على العبارات، وتثبت المواقف قبل المقالات. مجلس التعاون بيت خليجي لا تعصف به الريح فتقوضه، بل تختبره وتكشف أصله. فالأخطار لا تهدده وتضعفه، بل تزاحمه وتبرز فضيلته. ولا يصيبه الشدائد فيصغره، بل يذيبه ويزيد قوته ونبله. ولا تزال التهديدات تربكه، بل توقظه وتجعل جانبه أكثر تماسكاً، وموقفه أكثر ثباتاً، وطريقه ثابتاً ومستقيماً. دول مجلس التعاون الخليجي ليست جيراناً يرسمهم الحبر، ولا اجتماعاً دعت إليه الضرورة ثم تشتته العادة، ولا أسماء تجمعت في بيان ثم تفرقت في الميدان. بل هم أهل وطن واحد، وصداقة ساحل واحد، وصلة قرابة لا تقطعها حدود، ورابطة مصير لا تضعفها المواثيق. فيه الملك يحفظ، والعز يؤيد، والوفاء يشهد، والعزيمة ترتفع، والحكمة تهدي، والعزيمة تثبت. الأعلام كثيرة لكن الأصل ليس واحدا، العواصم مختلفة لكن النبض لا يختلف، البلدان متنوعة ولكن الديار ليست متفرقة. فإذا انتهكت سيادة إحداهما، فليس ذلك تعديا على حدود مقررة، بل تعديا على عهد معلوم. وإذا فزع أمن إحدى دولها، فهذا ليس خبرا عابرا، بل هو إنذار يرن في الآذان، يوقظ الجماهير، ويحشد الهمم، ويقوي الهمم. لقد خاب أمل من يظن أن لدول الخليج العربي أبوابا بعيدة، أو يظن أنها حلقات رخية، أو يتصورها قلوبا مغلقة. لأن الزمن أخوة ومودة، وإذا أصبح الزمن خشناً وقوة وعدة، وإذا اقترب الطماع وجده بنياناً لا يزعجه الكيد، ووصفاً لا تمزقه الدعاية، ودرعاً لا تلين حوافه، ووقفة لا تصدأ في غمده، ولا ترتعد اليد، ولا يساوم على سيادة يحفظها الحق، ويحرسها العهد، وتحكمها وحدة المصير. ومن هذا المبدأ الراسخ جاء البيان الوزاري المشترك لاجتماع مجلس التعاون لدول الخليج العربية والولايات المتحدة الأمريكية، ليس كخبر يضاف إلى الخبر، ولا كورقة تضاف إلى الأوراق، ولا كلغة دبلوماسية تقال ثم تطوى. بل كشاهد على موقف بنيانه مستوي، وتفسيره واضح، وبرهانه قوي. وكان البيان واضحا في تعبيره، مستقيما في مرجعيته، واضحا في معناه، مؤكدا أن أمن دول المجلس ليس محل تملق، وسيادتها ليست محل مساومة، واستقرار شعوبها ليس ساحة للتجربة، ولا مادة للمغامرة. وحين يؤكد البيان رفض التهديدات الإيرانية، والحفاظ على أمن المنطقة، وحماية حرية الملاحة، ومواجهة كل ممارسة تمس الأمن أو تعبث بالاستقرار، فإنه لا يعلن موقف طوارئ، بل يكشف عن قاعدة ثابتة: أن الخليج العربي إذا تكلم عن أمنه لم يتلعثم، وإذا وقف عن سيادته لم يتردد، وإذا اتحد على حقه لم يترك للباطل بابا ليدخل، ولا للعدوان ظلا يستر به، ولا للفتنة منفذاً تتسلل منه إلى الصفوف. هذا الموقف الخليجي لم يكن نتيجة ساعة عابرة، ولا نتيجة ظرف وشيك، ولا صدى لقاء محدود. بل هو امتداد لنهج أرسته القيادة، ومسار أكدت عليه المواثيق، ووعي سبق الأحداث قبل أن تكشفه الشدائد. وفي مقدمة ذلك الكلمات السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، عاهل البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وهي تأكيد رصين على أن مجلس التعاون ليس إطاراً للمجاملة، ولا منبراً للتداول، ولا جسراً تعبره المصالح إذا شاءت ثم ترحل. بل هي ركيزة الأمن التي لا يمكن إهمالها، وركيزة الاستقرار التي لا يمكن التنازل عنها، وطريق التكامل الذي لا يمكن تأجيله. ونظر جلالته إلى الخليج العربي بعين القائد الذي يرى ما وراء اللحظة، ويدرك ما تحت السطح، ويقرأ من حركة الأيام ما لا تستطيع العيون السريعة قراءته. وأكد أن وحدة الصف ليست اختياراً بين خيارات، بل ضرورة تمليها الجغرافيا، وتعززها الأخوة، وتحرسها الحكمة، ويعززها المصير المشترك إذا اقترب الخطر اشتد الأمر، وانكشف وجه الطامعين من وراء حجاب الكلام وشعار السلام. إن الكلمات السامية لجلالة الملك المعظم حفظه الله، فيما يتعلق بالخليج العربي وفي عدة مناسبات، كانت كلمات بصيرة، وليست عبارات مناسبة، ومقاييس حكمة، وليست زخارف الكلام. وفيه تتكرر الدعوة إلى الوحدة، ليس تكرارا للكلمة، بل بوصلة الضرورة، وتتجدد الإشارة إلى التكامل، لا مجاملة للمجلس، بل حفاظا على المصير. وعندما تحدث جلالته عن الترابط كان يقصد الترابط المترابط وليس الملامسة للحدود. وحين دعا إلى التقارب كان يعني التقارب في اتخاذ القرار، وليس التقارب مع الجوار. وحين أكد على الاتحاد، لم يجعله أمنية مؤجلة في كتاب السياسة، وإنما جعلها حاجة حاضرة في ميزان الأمن، وضرورة قائمة في منطق التاريخ، وطريقة تحافظ بها الشعوب على مكتسباتها، وتحافظ الدول على سيادتها، وتستجيب المنطقة لكل طامع أرادها، بالكلمة منقسمة، والعلم منتشر، والقرار مباح. ومن هنا كان صوت البحرين على هذا الطريق صوت الولاء الذي لا يتغير والوعي الذي لا يتزعزع. والعزم الذي لا يتزعزع. يقرأ الخليج العربي وطناً لا ممراً، وعمقاً لا هامشاً، ومصيراً لا مصلحة عابرة، وطريقاً إذا سار الأخوة معاً، ضاقت طرق الوهم على الطامعين، واتسعت آفاق الأمن والمجد والقوة لشعبه. ولهذا فإن إبراز وحدة الموقف الخليجي في هذه المرحلة ليس عملاً إخبارياً محدود التأثير، ولا واجباً إعلامياً عابراً، ولا تكراراً لبيان صدر وصدر؛ بل هو حفظ للوعي من الالتباس، وحفظ للحقيقة من الالتباس، وتثبيت للصورة في وجه من يريد لها أن تشوه وتخدع. عندما يكون الإعلام صادقا في رسالته، فهو ليس ناقلا لما حدث فحسب، بل كاشفا لما وراءه، وتوضيحا لما يحيط به، وحارسا لمعنى الدولة في زمن كثرت فيه الالتباسات، وكثرت فيه المنابر، واختلطت فيه الأخبار بالهدف، والقول بالأهواء، والصدق بالمبالغة. ومن هنا لا بد من ظهور صفوف الخليج كما هي: صف لا تقسمه الدعاية، ووعي لا تخدعه الشعارات، وموقف لا تشوبه الأصوات، وإرادة تعرف أن من أهمل أمنها فقد أهمل قرارها، ومن تنازل عن سيادتها فقد تنازل عن وجودها، ومن ترك قصته لخصومه يسلمهم بعض أسلحته قبل أن تبدأ المواجهة. في مواجهة التهديدات الإيرانية، الخليج العربي لا يحتاج إلى ضجيج عالٍ، بل إلى موقف حازم؛ ولا إلى عاطفة تختفي، بل إلى توازن يدوم؛ ولا إلى لغة تستمد حدتها من الغضب، بل إلى قرار يستمد قوته من الحق، وسنده من القانون، وكرامته من السيادة. إيران، بعدوانها وتدخلاتها وتحريضها المستمر، لا تختبر صبر دولة معينة، بل تختبر صلابة نظام. وهو لا يقيس حدود أرض وحدها، بل هو يقيس حدود الإرادة الكاملة. فهي لا تواجه بياناً سياسياً فحسب، بل تواجه وعياً خليجياً يعرف أن أمنه لا يقبل التجزئة، وأن سيادته غير مستعارة، وأن استقراره لا يترك رهينة عميل مأجور، أو خطاب أزمة، أو مغامرة لا تعرف في السياسة إلا حافة الهاوية. ومن ثم فإن الرد الأكثر بلاغة على العدوان ليس رفع الصوت، بل الوقوف على الخط؛ ليس في كثرة التهديدات، بل في وضوح الوضع. الأمر لا يتعلق بمواكبة الفوضى، بل بتثبيت استقرار الدولة والحفاظ على السيادة وحراسة الملاحة وحماية الناس، ليبقى الخليج العربي مستقرا في قراره، عزيزا في جواره، محميا في أراضيه، لا تربكه المكائد، ولا تخيفه الشدائد، ولا تعصف به عواصف العدوان ولا صدمات الخيانة.




