اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-01-12 03:03:51
إن الحكم الذي يتشكل في ذهن القارئ حول الكتاب ينشأ دائما من الانطباع الذي تتركه الجملة الافتتاحية لديه، إذ أن أثرها يحثه على أن يظل متسقا مع شعوره تجاهه حتى يتجاوز حدا معيناً في القراءة يحرره من ثقلها. التأثير وتمنحه القدرة على الحياد فيما قرأه. كل واحد منهم يحقق هدفه.
ولذلك فإن قيمة الجملة الافتتاحية لا تنبع من كونها أداة خفية لجذب القارئ وطريقة مثالية لإدخاله في الفوضى التي لا مفر منها إلا بالاستسلام لها وحدها. بل يمتد إلى كونه إحدى الحيل التي ينوي الكاتب استخدامها لإثارة حماس القارئ وإبعاده عن رتابة الحياة وحداثتها، وعنوان آخر يرسم من خلاله المؤلف يعبر عن ملامح رؤاه وحداثته. يتجه نحو وصف أكثر دقة لآرائه. ولذلك فإن تأثير الجملة الافتتاحية لا يقتصر على قدرتها على إغراء القارئ ولفت نظره، بل يتعدى ذلك إلى بناء علاقة شيقة ووثيقة مع عقل القارئ وتحوله فيما بعد إلى كلمة عملاقة في جملة. الذي يمتد لصفحات طويلة. لن يتوقف القارئ عن الكتاب قبل أن يتذوقه تماما، وهو ما يدركه عادة المؤلف اليقظ، فيعتني به اهتماما كبيرا.
هناك حالات لا حصر لها من الجمل التمهيدية التي تحمل تألقاً وسحراً فريداً، ولعل من بينها تلك التي بدأ بها الكاتب والروائي الأرجنتيني (ألبرتو مانغويل) كتابه الرائع بعنوان (الفضول)، فهي لم تبدو مجرد مجرد رواية. جملة أنيقة ترتدي ثوباً رائعاً لامعاً، لكنها بدت وكأنها سؤال حلو ودقيق يغطي المناطق الرخوة من ذهن القارئ بصلابة تمكنه من حمل المعنى مهما كان ثقله.
يمثل ألبرتو ظاهرة كتابة استثنائية. بالإضافة إلى كونه قارئًا نهمًا، ومطلعًا، ومطلعًا، ليس هناك من تكلف نفسه عناء الكتابة عن (القراءة)، الحدث الأهم في حياة كل قارئ مثل مانغويل. ولذلك فهو يدرك ما تفرضه جملة افتتاحية كهذه، ويدرك ما تفترضه. لمعت فجأة في ذهن الكاتب، تحثه على أن يبدأ الصفحة الأولى من كتابه بها، ولكن مانغويل؛ إن من يبرع في ابتكار جمل فريدة ومؤثرة تتجاوز مجرد تجسيد المعنى والتعبير عنه إلى إدهاش القارئ والتأثير على مشاعره، يدرك أيضاً أن ذلك ليس نتيجة وميض إلهام أو صدفة شهم، بل نتيجة سنوات من المثابرة والإخلاص وسنوات من القراءة. إن القراءة كعمل إبداعي تتطلب امتلاك العديد من الأدوات لإتقانها، كما أن تطويرها يحتاج إلى إتقان واجتهاد واجتهاد، كما تفعل الكتابة.
ومن الواضح أن ذهن القارئ يميل إلى اعتبار الكتاب متعة ذات دلالات واضحة وإغراء للاستمتاع، ويرى المزيد منها أمرا لا مفر منه سيشبع فيما بعد بعض جوعه ورغبته في الحفاظ على حاجته. مستوى معرفي مرتفع، وأمام كتاب شعبي تبدو لغته آسرة وعميقة، تتضاعف تلك الرغبة، وينمو ذلك الجوع حتى… لا تصبح الكتب مجرد أداة معرفية. بل تصبح رئة أخرى يتنفس من خلالها القارئ وطريقة مثالية ليعيش حياة مثالية. لا شيء يتنبأ بالمتعة التي تنتظره سوى جملة تمهيدية مصاغة بعناية وإتقان.
كان مانغويل، الذي كان جيدًا في إبقاء القارئ مرتبطًا بجمله، يعتقد أن ما تحققه الجملة الافتتاحية هو شيء يستحق اهتمام كل كاتب، لذلك كان بحاجة إلى استعارة عبارة غوته “لا أحد يتجول تحت أشجار النخيل دون عقاب”، لأن فهو يدرك أن افتتاح روايته (ستيفنسون تحت أشجار النخيل) بجملة استهلاكية مثل «روبرت لويس ستيفنسون غادر منزله ليمشي على الطريق الطويل الذي تمهده أقدام المتنزهين»، لا يحقق طموحه في جذب الجمهور. القارئ، ولا يشبع رغبته في السيطرة على قلبه. وقد فعل ذلك أكثر من مرة من أجل تجاوز الجمل الاستهلاكية والدخول إلى قلب القارئ، ومن ثم ممارسة مهارته. وسحره؛ وهي خدعة تختصر مهمة البحث عن جملة مذهلة شبيهة بتلك التي بدأ بها مقالته عن النقطة التي أدرجها في كتابه الشهير (فن القراءة)، وجاءت على نحو كان “تافهة مثل ذرة غبار، مجرد نقرة قلم أو قصاصات ورق على لوحة المفاتيح”، بينما افتقرت روايتاه إلى ذلك. (العاشق المهتم بالتفاصيل) و (العودة) مثلا.
بين البداية والاستهلاك، يبقي مانغويل قلمه عائما وعقله يحوم في سبيل تحقيق ما ينبغي أن يدهشنا، وكثيرا ما يبدأ كتاباته به.
