السعوديه – الخداع يخرج الحداثي من فخ الزمانية إلى خطاب إنساني دائم – أخبار السعودية

أخبار السعوديةمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
السعوديه – الخداع يخرج الحداثي من فخ الزمانية إلى خطاب إنساني دائم – أخبار السعودية

اخبار السعودية – وطن نيوز

عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-15 00:41:00

في عالم الشعر الحداثي، حيث لا تقال الكلمة لكي تُفهم ببساطة، بل لكي تُعاش بكل تعقيداتها، فإن «الخداع» أو ما يعرف بالمراوغة هو ركيزة أساسية في بنية القصيدة الحداثية. لأنه ببساطة فن عدم قول شيء ما مباشرة، أو جعل النص ينزلق من بين أصابع القارئ كلما ظن أنه قد فهم خيوط معناه النهائي. والخداع في الشعر ليس خداعاً للقارئ، بل هو استراتيجية فنية تعتمد على الابتعاد عن التصريح كما في الشعر التقليدي. وفي الحداثة يتهرب الشاعر من خلال: 1- اللغة الممكنة: وذلك باستخدام مفردات يمكن تفسيرها بأكثر من مفردة. 2- كسر التوقعات: البدء بفكرة ثم الانحراف بها فجأة نحو مسار غير منطقي أو سريالي، مما يحدث صدمة عاطفية وفكرية. ويولد هذا الأسلوب تفاعلاً عميقاً، ويجبر المتلقي على إعادة قراءة النص ليكتشف معانيه الخفية، أو يتأمل صوره المبتكرة. ويعتبر جون كوهين الخداع أو الإزاحة أساس الشعرية الحديثة، كما قدمها في كتابه (بنية اللغة). الشعرية) لأن الشعر انحراف عن معيار النثر العادي ولا بد من كسر أفق الانتظار وإحداث صدمة معرفية وجمالية تتجاوز المألوف وتولد لغة شعرية مجنونة أو مبتكرة تخرج عن الأسلوب التقليدي. وللأمانة فإن مؤلف (نظرية الصدمة) في سياق الحداثة الشعرية العربية هو الشاعر والناقد السوري (علي أحمد سعيد)، وقد بلورها أساساً في كتابه الشهير (صدمة الحداثة). الحداثة في تقاليده ليست مجرد تجديد شكلي، بل هي صدمة تهدم الأشكال التقليدية والقوالب الفنية التقليدية. إنه فعل حرية يتجاوز ما هو الثابت والمتغير في الثقافة؟ بهدف خلق لغة شعرية جديدة، والخروج من منظومة التابعين إلى آفاق الإبداع. 3- التكثيف والغموض: تقليل الروابط المنطقية بين الجمل مما يجعل المعنى يخدع القارئ ويختبئ خلف البياض. ولم يلجأ الشعراء مثل (أدونيس ومحمود درويش وأنسي الحاج وبدر شاكر السياب والماغوط) إلى هذا الأسلوب عبثا، بل كانت لديهم دوافع قوية، أولها: الهروب من الرقابة، في ظل ظروف سياسية واجتماعية ضاغطة أصبح فيها الخداع قناعا يحمي الشاعر، فهو ينقل أفكاره الثورية أو النقدية عبر الرموز والإشارات بدلا من المباشرة والمباشرة. ثانياً: فشل اللغة العادية في تحقيق الغرض. ويرى الحداثيون أن اللغة اليومية المستهلكة لم تعد قادرة على استيعاب تجاربهم الوجودية المعقدة، لذا لا بد من خداع اللغة القديمة لخلق لغة جديدة. ثالثاً: التمرد على الصور النمطية من خلال تدمير القوالب الشعرية الجاهزة (العمودية والبلاغية) التي كانت تعطي الإجابات المباشرة والجاهزة. لماذا يريد الشاعر أن يراوغ قارئه؟ ويبدو أن الأهداف أعمق مما تبدو للقراء والمتلقين المبتدئين. يريد الشاعر إشراك القارئ وتحويله من مجرد متلقي سلبي إلى متلقي شريك في خلق النص. عندما يراوغ النص قارئه، يضطر الأخير إلى بذل جهد عقلي لتفكيكه. وبذلك يصبح القارئ منتجاً ويساهم في ديمومة النص. تموت النصوص الواضحة بمجرد فهمها، لكن تلك التي تكون خادعة ومراوغة تكتسب تجديدا، وفي كل قراءة ترتدي ثوبا مميزا، لأن المعنى فيها ليس ثابتا، بل عملية تشبه الحياة الحديثة المعقدة. وتعريفات متناقضة، وغير واضحة؛ وشعر المختالة هو انعكاس لهذا الفقد وتجسيد لهذا القلق الوجودي الذي يعيشه الإنسان المعاصر. باختصار: الخداع لعبة ذكاء وجمال تحول القصيدة إلى متاهة ممتعة، ليس هدفها تضليل القارئ، بل منحه حرية التأويل. يعتبر الشاعر محمود درويش (سيد الخداع الجمالي)، حيث انتقل من مرحلة الشعر المباشر في بداياته (سجل أنا عربي) إلى مرحلة الحداثة العالية التي أصبحت فيها القصيدة كيانا مراوغاً يرفض أن يكون مجرد نشر سياسي، ولهذا لجأ إلى الخداع في شعره الثوري؛ ومن خلال دمج صورة المرأة مع صورة الأرض، قد يعتبر القارئ العادي القصيدة غزلا، لكن المتأمل يكتشف أنه يخاطب أمة. والخداع هنا يجعل من الثورة عملاً إنسانياً عاطفياً، وليس مجرد شعارات خشبية. توقف درويش في قصائده الثورية المتأخرة عن تسمية الأشياء بأسمائها، فجعل الخداع يكمن في الصراع بين الحب (ريتا) والحرب (البندقية)، ووظف الخداع في الرمزية الأسطورية، فاستعار شخصيات مثل: (أوديسيوس، الهنود، السيد). المسيح) ليضفي على القضية بعدا إنسانيا عالميا، وبعدا ملحميا آخر عندما تحدث عن وطنه على لسان ضحية أخرى، رافضا التوقعات والأجوبة القاطعة. إذا انتهت القصيدة الثورية التقليدية بالنصر، فإن القصيدة الحداثية تنتهي بالسؤال. تجدر الإشارة إلى أن خداعه لم يقتصر على المعنى فقط، بل شمل اللغة أيضا، إذ استخدم محمود درويش كلمات بسيطة جدا: (خبز، قهوة، لوز، ياسمين، برتقال)، لكنه وضعها في سياقات خادعة غيرت معناها تماما، فرائحة القهوة ليست مجرد مشروب، بل هي تشبث بالحياة وخلق الذات وسط القصف. لقد تحول الشخص العادي البسيط إلى ثوري مقدس من خلال الخداع. باختصار: الخداع في الشعر الحداثي ليس مجرد «هروب» من المعنى، بل هو استراتيجية هجومية لإعادة بناء العلاقة بين الكلمة والشيء. وهو ما يجعل اللغة تعمل بأقصى طاقتها من خلال مظاهر وآليات تمنح النص حياة سرية تتجاوز القراءة الأولى، وتحول الشعر إلى شعر واللغة إلى فن. وبدونها تتحول القصيدة إلى مجرد كلام، ومعه تصبح اللغة كيانا. بعيد المنال، لا يمكن ترويضه، تماما مثل الحقيقة.

تويتر اخبار السعودية

الخداع يخرج الحداثي من فخ الزمانية إلى خطاب إنساني دائم – أخبار السعودية

اخر اخبار السعودية

اخبار السعودية 24

اخبار السعوديه

#الخداع #يخرج #الحداثي #من #فخ #الزمانية #إلى #خطاب #إنساني #دائم #أخبار #السعودية

المصدر – https://www.okaz.com.sa