السعوديه – الممر رقم “14” – أخبار السعودية

أخبار السعوديةمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
السعوديه – الممر رقم “14” – أخبار السعودية

اخبار السعودية – وطن نيوز

عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-01 00:31:00

الممر رقم (14) هو الأخير في دار رعاية المسنين، وفيه تنتهي الحياة قبل أن يتوقف النبض، وفي نهايته تقع الغرفة رقم (014-4). لم تكن مجرد غرفة منعزلة في نهاية الممر، بل كانت منفىً مملاً لأي امرأة عجوز كثيرا ما تتصادم مع أقرانها في المنزل. إنه “منفى داخل منفى”. وكانت عمتي (أمينة) غامضة متناقضة، امرأة متوسطة الطول؛ إنها رشيقة ولها وجه مشرق ومتناسق بشكل مثير للدهشة. كل شيء في وجهها صغير ومرسوم بعناية، من أنفها الرقيق إلى شعرها الطويل حتى الكاحل. لو نظرت إليها وهي صامتة لظننتها ملاكاً لطيفاً أو طفلة ضائعة، لكن هذا التناغم الرائع لم يكن إلا مفارقة روحها العاصفة، ولسانها القاسي الذي لا يعرف الهدنة، وعقلها المتعب الذي تغلب عليه (اندفاعة) عفوية جعلتها لا تدرك حدوداً للانبساط أو العنف. زوّجوها في صباها لرجل (أصم)، وكأنهم يريدون أن يعادلوا ضجيجها بصمته! كان زوجها الأصم -كما كانوا يسمونه- يعيش في عالم من الطمأنينة، وهي تملأ البيت صراخاً واحتجاجاً… وأنجبت منه ولدين، لكن الأمومة لم تخفف من حدتها أو تهدئ من انفعالاتها. وفي أحد الأيام، وفي لحظة غضب عارم، هاجمت والدة زوجها، التي ظلت تصفها بـ”الغبية”. كان الطلاق نهاية منزل لم يعرف السلام قط. وأخذ ابناها منها. أن يتربوا في بيت عمهم بعيدًا عن أمهم (وهم)، وأما هي؛ وبقيت طرداً بشرياً مكتظاً بالألغام متناثراً لأيام… ستة أشهر للأخ الأكبر، ومدة إقامة مماثلة للأصغر! أمضت أمينة عشرين عاماً مغتربة بين سقفين باردين. كانت حقيبتها جاهزة دائما، حقيبة مغترب مغطاة ببرودة الحماقة وتهمة الجنون. كان عقلها مثقوباً ولم تولد فكرة أو تقترح حلاً، بل كان قلبها بوصلة تشير دائماً نحو طفليها اللذين سلبا منها؛ لأنها مجنونة؟! كانت تبتسم للجدران، وتزرع في صمتها وعداً مؤجلاً: «بكرة يكبروا ويأخذوني». كبر الطفلان، وأصبح الجميع يتوهم أن السفينة وصلت إلى بر الأمان، وأن لحظة الانتظار قد حانت. وفي اجتماع عائلي قصير، ألقى الأعمام عليهم العبء عندما قيل لهم: “الآن بعد أن كبرت، عليك أن تتحمل مسؤولية والدتك”. وهنا بدأت تتكشف خيوط المأساة الحقيقية. تحولت حياة أمينة إلى صراع مرير بين ولدين، حاول كل منهما إخراج جمرة من منزلها. دخلت بيوتاً كثيرة، لكنها دخلتها مثل «الإعصار»، ولم تسلم زوجة الابن من لسانها المؤذي، ولا من تدخلاتها العنيفة والعفوية. فأصبحت كالبحر الهائج لا يعرف الهدوء حتى أصبحت البيوت على حافة الطلاق. وكانت ابنة عمها و(والدة زوجة ابنها الأصغر) حصنها الأخير وملجأها الآمن. اعتنت بها ببر لا مثيل له، وتحملت إهاناتها وصراخها. تكريما لرابطة الدم، وعلى أمل استقرار حياة ابنتها مع زوجها. وبوفاة تلك السيدة الرحيمة أسدل ستار الفصل الثالث وما قبل الأخير على حياة أمينة. ثم تكشفت مأساة جديدة عندما وقف الابنان وجهاً لوجه، عاجزين أمام رعاية الأم أمينة التي لا هوادة فيها. واتفقوا في جلسة مفاوضات باردة على أن دار رعاية المسنين هي المكان الوحيد الذي يتسع لصراخها وحماقاتها التي لا تنتهي! حاولت التدخل تنفيذاً لوصية والدتي الراحلة، فعرضت على زوجي أن نرحب بها في منزلنا. فكان رده قاسيا: عمتك بالعين والراس… تريد أجرها أفهم ذلك… لكنك تتحمل عبء بقائها معي! لا أحد يتحمل حماقتها.. عصبيتها.. وكأن عقلها سلة مثقوبة، ما تعلمته بالأمس تنساه اليوم.. امتدت المفاوضات بيننا، فحول البيت إلى ساحة توتر، وكان قراره حاسما: “هل تريدين جلب مجنونة إلى بيتي؟ لن أتحمل صراخها. من سيحمي أطفالي من تصرفاتها المتقلبة؟ أنا لست مسؤولا عن عواقب مرضها”. حاولت تهدئته: «هي خالتي وهي لوحدها…»، لكنه قاطعني بقرار بارد: «اختر… إما هدوء بيتك وراحة زوجك، أو حضن عمتك… فالطلاق سيكون خيارك في هذه الساعة. لست مضطرة للتضحية براحتي من أجل قريب لك لا يُسأل عنه! أولادها. آخر زيارة لي لها كانت قبل وفاتها بيومين… أتذكر أنني مشيت نحو منفاها الأخير في النهاية». الممر الرابع عشر… أمام غرفتها (014-4) وقفت… فتحت الباب على استحياء، وكانت تجلس كعلامة استفهام منسية! امتلأ وجهها بمرارة السنين، منكسة رأسها تعبث بأطراف فستانها، وعندما فتح الباب فجأة، رفعت عينيها المملوءتين بالدموع لترى أمل، ابنة أخيها، التي لم تتوقف عن زيارتها رغم أن الجميع ابتعدوا عنها وتوقفوا عن زيارتها صافحتها وأمسكت معصمي بقوة، وانفجرت في بكاء طفولي متقطع، يتخلله تنهدات طفولية. اقتربت منها، وحاولت مواساتها، وهي ترتعش مثل طائر جريح: «البرد هنا يسحق العظام يا فتاة.. ليس برد الشتاء، بل برد القلوب هو الذي حرمني. حتى الأطرش الذي تزوجته كان يهدئني بصمته، لكن هؤلاء يقتلونني بكلامهم المسموم. أمل خذيني معك وفقك الله… لا تتركيني هنا فالوحدة أكلت قلبي. أريد أن أنام في بيت فيه رائحة عائلتي». كان قلبي يتألم من الألم. مسحت رأسها وهي تحاول أن تبتلع ألم النظر إلى حالتها. وعندما كنت على وشك المغادرة، تشبثت بي ورفضت أن تتركني. وعندما تدخل المشرفون ودخلوا بيني وبينها، أمطرتني بسيل من الشتائم: «جيتي يا بنت نورا لتشفيني؟ لماذا أتيت؟!” ألقت علي السؤال كالحجر. بدأت عاصفة عنفها بشتم الأطفال والإخوة والممرضين والمشرفين. أدرت ظهري للغرفة، فتبعني صوت القفل الحديدي وهو يضرب بابها رقم (4-014). مشيت في الممر (14) الذي كان طويلاً على عكس ما اعتدت عليه. وفي نهاية الممر، كانت مشرفة الممر تدون ملاحظاتها ببرود، بينما كان صراخ عمتي خلفي يعلو ويشتد كلما ابتعدت. الممر الأخير (14) في دار رعاية المسنين هو المكان الذي تنتهي فيه الحياة قبل أن يتوقف النبض، وفي نهايته الغرفة رقم (014-4). لم تكن مجرد غرفة منعزلة في نهاية الممر، بل كانت مخرجًا مملًا لأي امرأة عجوز كثيرًا ما تشتبك مع أقرانها في المنزل؛ لقد كان “سجنًا داخل سجن”. كانت عمتي (أمينة) لغزًا متناقضًا، امرأة متوسطة الطول؛ نحيف، ذو وجه متناغم بشكل ملحوظ؛ كان كل شيء في وجهها صغيرًا ومرسومًا بعناية، بدءًا من أنفها الرقيق وحتى شعرها الطويل الذي يصل إلى الكاحل. لو نظرت إليها في صمت لظننتها ملاكاً لطيفاً أو طفلة ضائعة، لكن هذا التناغم البديع كان مجرد مفارقة لروحها العاصفة، ولسانها الحاد الذي لا يعرف الحقيقة، وعقلها المرهق الذي يطغى عليه دافع عفوي جعلها لا تدرك حدود الانفتاح أو العنف. لقد زوجوها في شبابها لرجل (أصم) وكأنهم يريدون أن يوازنوا بين ضجيجها وصمته! كان زوجها كما يلقبونه يعيش في عالم من السكون، وهي تملأ البيت صراخاً واعتراضات… وأنجبت له ولدين، لكن الأمومة لم تخفف من حدتها أو تهدئ من عواصفها. وفي أحد الأيام، وفي لحظة غضب عارم، هاجمت حماتها التي لم تكف عن وصفها بـ (المجنونة)، وأصبح الطلاق نهاية أسرة لا تعرف السلام. أخذ منها أبناؤها ليتربوا في بيت عمهم بعيداً عن (جنون) أمهم، أما هي فبقيت قنبلة بشرية تقذفها الأيام… ستة أشهر مع الأخ الأكبر، ونفس الشيء مع الأصغر! عشرين عاماً أمضتها أمينة في المنفى بين سقفين باردين، حقيبتها جاهزة دائماً، حقيبة مغترب ملفوفة ببرد الحماقة والتهمة بالجنون… كان عقلها مثقوباً، لا تلد أفكاراً ولا تقترح حلولاً، لكن قلبها كان بوصلة موجهة دائماً نحو صغيريها اللذين سلبا منها؛ هل لأنها كانت مجنونة؟! ابتسمت للجدران وزرعت في صمتها وعداً مؤجلاً: «بكرة يكبروا.. ويأخذوني». كبر الأولاد، وقد أوهم الجميع أنفسهم أن السفينة وصلت إلى ميناء الأمان، وأن لحظة الانتظار قد حانت. وفي لقاء عائلي قصير، ألقى الأعمام عليهم العبء عندما قالوا: “الآن كبرت.. فتحمل مسؤولية والدتك”. وهنا بدأت خيوط المأساة الحقيقية تنسج مع بعضها البعض. تحولت حياة أمينة إلى صراع مرير بين ولدين، يحاول كل منهما إزاحة (عضوة) وجودها في منزله. دخلت بيوتاً متعددة، لكنها دخلتها كالإعصار، ولم تسلم المطابخ من لسانها الحاد ولا من تدخلاتها العنيفة والعفوية؛ فأصبحت كالبحر الهائج لا يعرف الهدوء حتى أصبحت البيوت على حافة الطلاق. كانت ابنة عمها و(أم زوجة ابنها الأصغر) حصنها الأخير وملاذها الآمن، ترعاها بلطف نادر، وتنهي إهاناتها وصراخها؛ احتراما لروابط الدم والأمل في حياة مستقرة لابنتها مع زوجها. وبوفاة تلك السيدة الرحيمة أسدل الستار على الفصل الثالث وقبل الأخير من حياة أمينة؛ لتكشف عن مأساة جديدة عندما وقف الولدان وجهاً لوجه عاجزين أمام رعاية أمهما العفوية المضطربة أمينة، واتفقا في جلسة تفاوض باردة على أن دار رعاية المسنين هي المكان الوحيد الذي يتسع لصراخها وحماقاتها التي لا تنتهي! حاولت التدخل، بناءً على نصيحة والدتي المتوفاة، واقترحت على زوجي أن نستقبلها. كان رده قاسياً: “عمتك مرحب بها… أفهم أنك تريد مساعدتها… لكن هل يمكنك تحمل عبء عيشها معنا!” أنا لست مسؤولاً عن عواقب مرضها! مشيت نحو منفاه الأخير في نهاية الممر الرابع عشر… أمام غرفتها (014-4) وقفت… فتحت الباب على استحياء، كانت تجلس كعلامة استفهام منسية! كان وجهها يفيض بمرارة السنين، وهي تحني رأسها، وتعبث بأطراف فستانها. وعندما فُتح الباب فجأة، رفعت عينيها المغرورقتين بالدموع لترى «أمل» ابنة أخيها التي لم تتوقف عن زيارتها رغم تخلي الجميع عنها ومللهم من زيارتها. بمجرد أن رأتني أصافحها، أمسكت بمعصمي بقوة وانفجرت في نوبة من النحيب الطفولي يتخللها عويل طفولي. اقتربت منها أحاول مواساتها لكنها تجفل كالطير الجريح: البرد هنا ينخر في العظام يا حبيبتي.. ليس برد الشتاء، بل برد قلوب تخلت عني. حتى الرجل الأصم الذي تزوجته أعطاني السلام بصمته، لكن هؤلاء يقتلونني بكلامهم المسموم. أمل، خذيني معك، بارك الله فيك.. لا تتركيني هنا، الوحدة أكلت قلبي. أريد أن أنام. بيت ريحته أهلي تعالي يا بنت نورا تشمت فيي ليه جيت؟!». ألقت علي السؤال كالحجر. أطلقت العنان وشتمت الأطفال والإخوة والممرضين والمشرفين. أدرت ظهري للغرفة، فتبعني صوت ارتطام القفل الحديدي ببابها رقم (4-014). مشيت في الممر رقم (14)، الذي بدا طويلاً بطريقة لم أكن معتادًا عليها؛ وفي نهاية الممر، كان مشرف الممر يدون ملاحظاته ببرود، بينما كان صراخ عمتي خلفي يعلو ويشتد كلما مشيت.

تويتر اخبار السعودية

الممر رقم “14” – أخبار السعودية

اخر اخبار السعودية

اخبار السعودية 24

اخبار السعوديه

#الممر #رقم #أخبار #السعودية

المصدر – https://www.okaz.com.sa