اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-04 22:00:00
المشكلة ليست في أن لدينا نموذج جيد للرعاية الصحية، ولكن في أن المريض يشعر أن هذا النموذج قد غير حياته بالفعل. إن التاريخ الصحي للعديد من البلدان مليء بالاستراتيجيات التي بدت أنيقة على الورق، ولكن عدداً قليلاً منها كان قادراً على عكس التجربة الإنسانية عندما يمرض. وهنا بالتحديد يبدأ الاختبار الحقيقي لنموذج الرعاية الصحية السعودي. الوقاية من المرض. منذ إطلاق التحول الصحي، لم يكن الهدف بناء المزيد من المستشفيات، أو إعادة توزيع الصلاحيات بين الجهات، بل إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والنظام الصحي. ولم يعد النجاح يقاس بعدد الأسرة أو المباني أو حتى بحجم الإنفاق، بل بقدرة النظام على الحفاظ على صحة الإنسان قبل أن يحتاج إلى العلاج، ومرافقته خلال رحلة علاجه إذا مرض. ومن هذا المنطلق جاءت فكرة نموذج الرعاية الصحية السعودي. وهي في تقديري واحدة من أكثر الأفكار نضجاً في تاريخ القطاع الصحي السعودي. إن الانتقال من نظام ينتظر المرض داخل المستشفى إلى نظام يسعى للوقاية منه في المجتمع، وجعل الرعاية الأولية هي نقطة البداية، وربط جميع الخدمات برحلة المريض بدلاً من حدود المؤسسات، كلها اتجاهات تتماشى مع أفضل الممارسات العالمية. كما أن إعادة توزيع الأدوار بين الجهة المنظمة ومقدمي الخدمات وجهات التمويل يمثل خطوة مهمة نحو بناء نظام أكثر وضوحا في المسؤوليات وأكثر قدرة على التطور في المستقبل. لكن جودة الفكرة وحدها ليست كافية. لا ينجح التحول الصحي عندما تتغير الهياكل التنظيمية، بل عندما تتغير تجربة المريض. المواطن لا يهمه اسم الجهة التي تدير المستشفى بقدر ما يهمه إيجاد موعد في الوقت المناسب، وطبيب لديه معلوماته، وخدمة مستمرة لا تبدأ من الصفر في كل زيارة، ورعاية تحفظ كرامته وتختصر معاناته. ولذلك يحق لنا اليوم، وبعد سنوات من التنفيذ، أن نتوقف ونتساءل: ماذا تعلمنا؟ الثقافة المؤسسية أول ما تعلمناه هو أن الوقاية لا تزال بحاجة إلى التحول من شعار استراتيجي إلى ثقافة مؤسسية. لا تزال معظم الموارد والاهتمامات المجتمعية موجهة نحو علاج المرض بدلاً من الوقاية منه. ولا يمكن لأي نظام صحي، مهما كانت كفاءته، أن يستمر في مواجهة العبء المتزايد للأمراض المزمنة إذا ظل الاستثمار في الوقاية أقل من الاستثمار في العلاج. الدرس الثاني هو أن الرعاية الأولية لا تصبح محور تركيز النظام بمجرد النص عليها في الاستراتيجيات. فهو يحتاج إلى طبيب أسرة مؤهل، وفريق صحي متكامل، وصلاحيات واضحة، وثقة المجتمع. عندما يفضل المواطن تجاوز المركز الصحي والذهاب مباشرة إلى المستشفى، فهذا أمر يستحق الدراسة، لأنه يعكس فجوة يجب التعامل معها بواقعية، وليس بالإنكار. الدرس الثالث هو أن التكامل أصعب بكثير من الرقمنة. الملف الإلكتروني مهما كانت جودته لا يكفي وحده لبناء رحلة علاجية متكاملة. التكامل الحقيقي يعني أن المسؤولية تكون واضحة منذ دخول المريض إلى نهاية علاجه، وأن يشعر أن النظام بأكمله يعمل كفريق واحد، وليس كمؤسسات منفصلة تتبادل الإحالات. النظام المؤسسي كما كشف التطبيق عن تفاوت ملحوظ بين بعض التجمعات الصحية. وهذا ليس بالأمر المستغرب في المراحل الأولى من أي تحول وطني بهذا الحجم، ولكن لا ينبغي له أن يستمر طويلا. إن نجاح النموذج يجب أن يكون نتاجاً لنظام مؤسسي، وليس انعكاساً لقدرات القادة المتميزين في مواقع محددة. ويجب سرعة نقل التجارب الناجحة إلى بقية المجتمعات، حتى لا يصبح مكان إقامة المواطن عاملاً مؤثراً في جودة الرعاية التي يتلقاها. إحدى القضايا التي تستحق مناقشة أكثر تعمقا هي مسألة مؤشرات الأداء. ولا خلاف على أهميتها، لكن المؤشرات قد تصبح مضللة إذا تحولت إلى هدف في حد ذاتها. ومن السهل تحسين بعض الأرقام التشغيلية، ولكن من الأصعب تحسين النتائج الصحية الحقيقية. والسؤال الذي يجب أن يكون حاضرا دائما هو: هل أصبح الناس أكثر صحة؟ هل ذكرت المضاعفات؟ هل تحسنت نوعية الحياة؟ هل انخفضت الحاجة إلى التنويم المغناطيسي المتكرر؟ وهذه مؤشرات تعكس نجاح أي نظام صحي. ومن ناحية أخرى، سيكون من الظلم تجاهل ما تم تحقيقه. وشهدت المملكة تقدماً واضحاً في الصحة الرقمية والخدمات الافتراضية وعدد من مسارات الرعاية المتخصصة والعاجلة، وأصبحت بعض الخدمات أسهل وأكثر سهولة مما كانت عليه قبل سنوات. وهي إنجازات تستحق التقدير، لأنها تؤسس لمرحلة أكثر تقدما. لكن المرحلة القادمة ستكون مختلفة. فما كان مقبولاً في سنوات التكوين لن يكون كافياً في سنوات النضج. وسينتقل التقييم تدريجياً من السؤال: ماذا أنجزنا؟ إلى سؤال أصعب: ما الذي تغير في حياة الناس؟ بناء الثقة. ومن هنا أرى أن الأولويات في المرحلة المقبلة تتمثل في خمسة محاور واضحة: تمكين الرعاية الأولية باعتبارها القلب الحقيقي للنظام، والانتقال إلى قياس النتائج الصحية وليس النشاط فقط، والاستثمار في الكوادر والقادة التي يتطلبها النموذج الجديد، وتقليص الفجوة بين المجموعات الصحية، وحماية البعد الإنساني حتى لا يطغى الجانب الإداري على جوهر الرسالة الصحية. التحول الصحي، في النهاية، ليس مشروع إعادة هيكلة المؤسسات، بل هو مشروع إعادة بناء الثقة بين الإنسان والنظام الصحي. فإذا شعر الطبيب أنه أصبح أكثر قدرة على أداء مهمته، وشعر المريض أن رحلته أصبحت أسهل وأكثر أمانا، فإننا نكون قد اقتربنا من تحقيق الهدف الذي انطلق من أجله هذا التحول. وبعد سنوات من التنفيذ لم يعد السؤال: هل نموذج الرعاية الصحية السعودي فكرة صحيحة؟ الجواب على ذلك محسوم تقريبا. والسؤال الحقيقي هو: هل أصبح هذا النموذج جزءًا من تجربة المريض والطبيب اليومية؟ وعندما تختفي الفوارق بين المناطق، وتصبح الوقاية هي الخيار الأول وليس الأخير، ويشعر المواطن أن النظام يعرفه قبل أن يعرف نفسه، عندها فقط يمكن القول إن التحول الصحي لم ينجح في إعادة تنظيم المؤسسات فحسب، بل نجح في تحقيق هدفه الأهم.. جعل الإنسان مركز الرعاية، وليس مجرد متلقي لها.* الرؤية. إبراهيم الحافيظي استشاري – مدير صحة عسير الأسبق



