اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-01-26 02:14:02
منذ بداية هذه الألفية وأنا أحاول العمل على تعزيز أدوات التلقي لدى القارئ العربي الذي تستهدفه النصوص، لأن النقد الأكاديمي غالبا ما يبقى رهينة ساحات النقاش الجامعي ومنتديات النخب الأكاديمية. كما أنها تميل إلى التنظير أكثر من سعيها إلى تقديم تطبيقات إجرائية على النصوص الشعرية أو الشعرية. يمكن للسرد العربي أن يساهم في تزويد القارئ العربي بآليات استقبال نقدي حديثة، كما أنه، أعني النقد الأكاديمي، لا يساهم في ملء فراغ التطبيق النقدي، الفراغ الذي خصصته الجامعات نفسها بإصرارها على تدريس العلوم. الخطابة العربية وكأنها تراث مقدس، إصرار لا يفسر، وتنحاز إليها الجامعات في الوطن العربي، إلا لأربعة أسباب أعتقد: الأول: أن القائمين على إقرار المناهج فيها يربطون اللغة العربية البلاغة وعلومها مع القرآن الكريم وعلومه، وبدرجة أقل بينها وبين الشعر العربي القديم، فهذا جعل البلاغة جزءاً من تراث مقدس، وإن لم يكن ذلك التراث البلاغي فعالاً، والثاني هو ; فقر أساتذة الجامعات، بالإضافة إلى كسلهم البحثي فيما يتعلق بالاتجاهات النقدية اللغوية. مثل هذه التوجهات كانت، وستظل، بالنسبة لبعض الأكاديميين في العالم العربي علماً مجهولاً، وبالنسبة للبعض الآخر مجرد مشروع خاص، لا يهدف إلى تغيير أي شيء على مستوى أقسام الكليات. كليات اللغة العربية أو الآداب، فيبقى الوضع على ما هو عليه: جامعة تعلم أقسامها طلابها الطبطبة والجناس والتورية، ثم يطلق أساتذتها مناظرات خاصة في المحافل الثقافية يحضرها من لا يحتاج إليها لمراجعة الترجمات والترجمة. تقديم الأبحاث للحصول على الدرجة العلمية والتقدم الوظيفي، لا أكثر. ثالث هذه الأسباب: يعود ذلك إلى ضعف حركة الترجمة من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية، وتحديداً ترجمة التطبيقات النقدية، للاستفادة منها ومن إنجازاتها في رفع ثقافة المبدع والناقد العربي. ، والمتلقي. رابعا: يرجع إلى حد كبير إلى طرفي المعادلة: المبدع الذي ينتج العمل الأدبي ونظيره المتلقي الذي يتلقى ما ينتجه الكتاب بطريقة ميكانيكية تحول النصوص إلى مجرد تقاليد، أنتجها الكتاب في على ضوء المثال السابق، أما من جانب القراء فيستقبلون في ظل تجارب عائمة غائمة تختلف من متلقي إلى آخر. ومن النتائج الأخرى لهذه العملية المكررة أن الجوائز الأدبية والمؤسسات الثقافية والإعلامية نجحت في توجيه القراء نحو الأعمال الأدبية التي قد لا يكون مبرر الفوز بها أو تقديمها مبررا إبداعيا. بل إنتشرت الانتقادات الصحفية والانتقادات من قبل كتاب الأعمدة، والتي هي في معظمها مجرد عروض تخضع لآليات. «سوق الكتاب» لا يدرك القارئ العادي وجوده، ناهيك عن أسراره ونزعته التسليعية، ولا يدرك جوانبه المادية التي يتم بناؤها عن قصد، أو حتى عن غير قصد، بين الناشر والصحف وكتاب اليومية. أو أعمدة أسبوعية.
بل إن تكرار عملية إنتاج النص، وفق نماذج عالمية أو محلية، وقراءته في ضوء الآلية نفسها، جعل القراء العرب يتجهون إلى معيار واحد للحكم على النصوص. إنها “المتعة” ولا شيء غير ذلك. وانتشرت النصوص الممتعة وتزايد القراء لتمضية الوقت، فيما واصل مجموعة من الكتاب والقراء من الوطن العربي السعي للحفاظ على كل من أسلوب الكتابة القديم وطرق تلقيه، مما جعل من غير المستغرب العثور على آثار قصيدة عربية كتبت في الألفية الثالثة، فالشاعر حارس للتراث، والمتلقي تلميذ. بلاغي؛ وما زال يعتقد أن الابتكار في الكتابة الأدبية ليس إلا اعتداء صارخا على التراث المقدس لهذه الأمة.
وفي ضوء ما سبق، كنت قد بدأت العمل عام 2002 على النص الروائي «سحابة الرصاص» للشاعر السعودي الراحل علي الدميني، وفق النظرية السيميائية. كانت تلك محاولات أولية لم يكن مقدرا لها أن ترى النور، لكنها كانت تدريبات مكثفة أحسست من خلالها بالمسار الذي أدى إلى كتابي. الأول في النقد؛ “فقه الفوضى” 2005 دراسة تفسيرية في رواية “الجنة الخراب” للروائية السعودية ليلى الجهني، ثم جاء بعده بخمس سنوات كتاب “إله الدمار” دراسة نفسية تفسيرية في رواية ” الإرهابي 20” للروائي السعودي عبدالله ثابت. لكن بعد نشر الكتابين، بدأت أشعر أن هناك حاجة ملحة لصياغة إطار نظري لمشروعي الموجه نحو القارئ، فكان كتاب “عصر القارئ” عام 2011 هو الكتاب في المقدمة وشرحت له مشروعي في النقد التطبيقي، إذ لا بد من التوجه نحو تطبيق النظريات النقدية الحديثة على النصوص العربية، وتبسيط هذه التطبيقات حتى تكون في متناول القارئ العادي. القراء العرب هم ضحايا أقسام البلاغة والنقد في الجامعات العربية، التي تواصل تزويدهم بأدوات الاستقبال التقليدية التي تكون شكلية عموماً، مقابل نصوص لم تعد تنطبق عليها هذه الأدوات.
إن ما دفعني لكتابة “عصر القارئ” يعود، أولا وقبل كل شيء، إلى يقين خاص بضرورة دعم القارئ العربي بالأدوات الحديثة لتلقي النص. إننا نعيش في “عصر القارئ” كما يقول رولان بارت، وبدون أن يمتلك القارئ الأدوات المناسبة للتواصل مع النص الحديث، فإنه لن يكون قارئا إيجابيا يساهم في إعادة إنتاج معنى ما يقرأ، لا سيما أن من أبرز سمات النص الحداثي هي السمة المتعلقة بقدرته على تعدد المعاني، ومع تعدد قراءه تتعدد معانيه، على أن يكون هؤلاء القراء ممن يمارسون دورهم في إنتاج النص الحداثي. معنى النص وفهم دلالته في ضوء قدراتهم الأدبية. متنوعة، وفي ظل المهارات والمعارف التي تدعمهم بها موسوعاتهم، على الرغم من اختلافهم.
لا مفر، وهذا هو الحال، من تدريب القراء على تشكيل أساليب نقدية فعالة في مواجهة النصوص بدلا من تركها للناشرين العرب لتشكيل وعيهم، من خلال كتاب أعمدة الصحف والمقالات المتواطئين في التسويق أكثر مما يهتمون به. تقديم أطروحات نقدية جادة ومؤثرة، أو أن يتخلف القارئ عن الركب. الجائزة العربية للأفضليات هي جوائز عربية، وحتى دولية، هي تلك الأفضليات التي لا تخضع بالضرورة لمعايير نقدية. فكم من ديوان شعر نال جائزة وهو لا يستحقها، وكم من رواية نالت جائزة وكان مستواها صادما.
