اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-01-19 03:30:42
ومن قال أن المبدع يكتب لنفسه؟
ينفخ فينا نارنا، وتلتهب مشاعرنا، عندما ينفض رماد الذاكرة وأحداث الأمس من أرواحنا بفنه. تلك كتابة عبدالله الخضير (الغربة بطعم كرتلة)… يأخذك معه بين دموعه وضحكاته، بين منعطفات طريقه وانكسارات روحه… كتابات امتزجت بكل ما فيها. حواس.
(كارتالا) هي تجربة تتشكل إطاراتها من خلال الصراع الداخلي والخسارة والذاكرة. يأخذك مع حركة مكانه في تماهٍ تام مع نصه السردي، فيظهره اغترابًا مألوفًا وقصة مريحة! هذه هي قيمة الأدب وإلا ماذا؟!
لقد أصبح من الشائع في أدب الرحلات أن يكون – ولو بدرجات متفاوتة – سجلاً للملاحظات الملموسة لأسلافنا المسافرين عن البلدان التي زاروها، وتاريخهم، وعادات شعوبهم المختلفة، ومعتقداتهم المختلفة، والصعوبات التي واجهوها أو وما واجهوه من غرائب وعجائب، وانطباعاتهم عن كل ذلك، ونقلهم لها في أشكال سردية لتبقى رافداً ثقافياً. سجل إثنوغرافي مهم.
إلا أن رحلة (كرطلة) التي كتبها الخضير بعد بعثه إلى جزر القمر، لم تكن تشبهها أو معظم ما يقرأ في أدب الرحلات الحديث والمعاصر. بل زادت ذلك كله برفع نصها -خطاباً وقصة- إلى مستوى الشعر. ليحمل معه الوصف الشعري المعبّر والتمثيلي للمكان، والذي تهيمن عليه قيمته في العمل الأدبي، وهذا يتوافق مع مفهوم (باشلار) و(لوتمان) وغيرهما عن شعرية المكان، ثم يليه الوصف الطبوغرافي للمكان. وهنا يجد القارئ نفسه في هذا المنفى المريح، مستمتعًا بنصها السردي. والتي تميزت بالعديد من تقنيات السرد والجماليات الأدبية والفنية التي أعطت لوصف الرحلة روحا وشعرا رفعته إلى ما هو أبعد من مستوى الوصف الجغرافي المعتاد في الرحلات.
شعر الخضير في (كرطلة) بتجربته، بما فيها من قلق وترقب ومعاناة نفسية، واغتراب، واغتراب، في علاقة متبادلة تربط وعيه بالمكان الذي يزوره ويقيم فيه، لتكوين علاقة عاطفية يغذي كل منهما الآخر؛ علاقة تتميز بحركة مكان كان في السابق صامتا في معظمه، يتحرك فيها القارئ بأحاسيسه وأحاسيسه -من خلال حركة الزمن الداخلي للمسافر- في فضاءات مختلفة. فضاء الوطن والانتقال والغربة والغربة، يشعر فيه بقلق الغربة ووحدة الغربة وتأثير الأحداث والانتقال على عالم الراوي الداخلي المتأصل في كل مشهد وحدث تفاعل معه شخصيا، مثل: الاستعداد للسفر، والانتقال، وفقدان الأم، والشعور بالغربة والشعور بالغربة، والمعاناة من المرض من جهة، وغيرها من المشاهد. وعرضت المواقف في وصف مصور رصد فيه الخضير الجوانب الثقافية والاجتماعية والحضارية والجغرافية للجزر من جهة أخرى.
ومن خلال كل ذلك، حمل «كارتالا» كجنس أدبي رحلاتي، إبداعًا فنيًا ومشاهد مجازية متخيلة أبرزت جودة كتابته السردية، فانتقل عبر عناصر الاستعارة والخيال إلى حرفية الأدب، متجاوزًا ما كان. شائع في معظم أدب الرحلات القديم والحديث، والذي اتسم أسلوبه بالمعلومات والتقارير.
الكتب مثل المدن، في بعضها تجد شيئاً من نفسك. لذلك أنت تسعى إليه وهو يسعى إليك. تدخلها، منغمسًا فيها، متأثرًا بجمال معمارها وحضارتها، ولا ترغب في الخروج منها. وكذلك رحلة (كارتالا). تدخلها مذهولاً من شعرها وسحر حديثها، ويصعب عليك فراقها. إنه أكثر من مجرد حديث عن إرسال موظف إلى جزر القمر. فمن ناحية، إنها تجربة إنسانية. شعور يمتد إلى الأجيال القادمة، ومن ناحية أخرى، رهان على الابتكار في أدب الرحلات ووثيقة تشهد عليه.


