اخبار السعودية – وطن نيوز
عاجل اخبار السعودية – اخبار اليوم السعودية
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2024-02-09 03:43:33
انفتح الوعي العربي على أطروحات عدد من المفكرين الشرقيين والمغاربة، والتي بنيت عليها المشاريع الإصلاحية منذ بداية القرن العشرين حتى نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ورغم قسوة الكلاسيكية الخطاب في نقده للفلسفة والفكر، وتكفير بعضهم، وهجرة البعض قسرا من وطنهم، وعندما انتصر الواقع لأطروحاتهم خرجوا إلى عالم الغيب، وأغلب مقاعد بقي المفكرون شاغرين. ومن خلال محور تعويض المفكرين تحاول «عكاظ» معرفة حقيقة الفكر ومستقبله في ظل غياب المفكرين الذين يحملون راية التجديد ونقد التراث من داخله، كما أكد رئيس الفلسفة ويرى المجتمع الدكتور عبد الله المطيري أن السياق العام اليوم مختلف، والسياق الإعلامي في ظل الانفجار المعلوماتي وتعدد قنوات التعبير التي لا نهاية لها يجعل من الصعب للغاية تركيز اهتمام الجمهور على شخصية واحدة أو عدد. الشخصيات كما كان الحال في السابق، مؤكداً أن الأعمال والشخصيات موجودة، لكن معادلة الوصول إلى الفضاء العام تغيرت. وأشار المطيري إلى زيادة ناجمة عن التعمق المتزايد في الاهتمامات والتخصصات المعرفية، في مساحة تدفع المؤسسات إلى إنتاج المعرفة في اتجاه التخصصات الدقيقة، لافتا إلى حالة الزهد في المشاريع الكبرى التي غالبا ما تدعمها مؤسسات أحلام أيديولوجية تأخذ طابع العمومية. واعتبر المطيري الزهد أمرا طبيعيا في ظل انهيار الأيديولوجيات، أو على الأقل انهيار الأيديولوجيات الكبرى ذات الطابع الاجتماعي الشامل.
ويقول الكاتب صبحي موسى إنه ليس من السهل أن يحمل راية الفكر بنفس مستوى المكانة التي يحملها الدكتور حسن حنفي، ونصر حامد أبو زيد، وجابر عصفور، وحمدي زقزوق، وعلي مبروك، وسيد القمني، ولكن هناك هي أسماء موجودة دائما تحت الجلد، ولا تظهر إلا في… أوقات الضرورة أو عندما يستدعي الظرف التاريخي والاجتماعي ذلك، مضيفا أن هذا لا يعني أنها لم تكن موجودة من قبل، إلا أنها مخفية عن الرأي، أو أن الإعلام لا يحرص أو يهتم بإظهاره، بسبب الثقة في النخب الثقافية، بينما يسعى الإعلاميون إلى تثبيت أنفسهم كمفكرين بديلين، وهو ما عده. ومن أخطر ما يواجه الوطن العربي ما يخلق حالة من التعتيم على أصحاب الرأي والفكر، ويتطلب البحث واستعادة أسماء الراحلين، وكأن البلاد عقيمت وغير قادرة على ولادة غيرها. واعتبر العواصم العربية مراكز حضارية وثقافية وفكرية مركزية عبر التاريخ، بحكم عبقرية المكان وانتصار الجغرافيا. ويرى موسى أن الفضاء العربي غير مؤهل لولادة مفكرين يواصلون التفكير التنويري، خاصة أولئك الذين يعتمدون على أدوات البحث المنهجي الأكاديمي، لأن الكثير من الناس يخشون ردود أفعال كتلك التي أصابت حامد أبو زيد وعبد الصبور شاهين في زمن صدور كتاب (أبي آدم).
وأوضح أن الفيلسوف المصري مراد وهبة لا يزال حيا ويحمل راية الفكر التنويري، مضيفا أن عددا من الشباب يلعبون دورا حيويا. ومن بينهم حامد عبد الصمد المقيم في ألمانيا، والدكتور أشرف منصور أستاذ الفلسفة بجامعة الإسكندرية، والدكتور حسن حماد أستاذ الفلسفة بجامعة بنها. وتفرغ لتقديم عشرات الندوات التنويرية من خلال صالون (علمانيين)، الدكتور حسن الببلاوي، والباحث في علم الاجتماع عمار علي حسن، والباحث السياسي نبيل عبد الفتاح.
بينما أرجع الباحث الفلسفي حمد الراشد غياب المفكرين إلى عدة أسباب: منها تراجع المنظومات الكبرى في الفلسفة على مستوى العالم، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وشيوع تفضيل النظريات والأفكار الفردية. إما مستقلة، أو داخل كل مدرسة؛ مما أدى إلى تراجع حركة النهضة التي بدأت في مصر ولبنان، بالإضافة إلى تحول القراءات والاهتمامات من العميقة إلى السريعة والسطحية. بسبب الوسائط الرقمية وطغيان مد الاستهلاك في كافة مجالات الحياة والثقافة والفكر، وتراجع ترجمة الأعمال الفلسفية؛ مما أدى إلى تراجع القيم الإنسانية المشتركة وضعف التواصل بين المفكرين العرب، وركود العقل والوعي مقارنة بالجوانب المحسوبة داخل المنظومة الثقافية، وحصر الفكر الفلسفي في الأوساط الأكاديمية التي لا تهتم إلا بالتعليم والتثقيف. الشهادات بدلاً من الاهتمام بالتنوير ولا أهتم بتوسيع دائرة الفكر، والدعم المالي والإعلامي المحدود الذي لا أستطيع القيام به. الطموحات لتحقيق أهداف الفكر والفلسفة، وهذه الأهداف بدأ تحقيقها من خلال الجهود الفردية ووفق الفرص المتواضعة والمتاحة، مؤكدا أن الأسباب السابقة أدت إلى الانخفاض الحالي في عدد الفلاسفة العرب وعدم استبدالهم الشخصيات العظيمة التي برزت في عصر النهضة والتي ركدت ولم تستمر كما ينبغي. وأضاف الراشد: رغم تعدد الأسباب إلا أن هناك بيئات يتحرك فيها الفكر وينمو من جديد. وانتقلت الفلسفة من حاضناتها في مصر ولبنان إلى العراق والسعودية والمغرب وغيرها، وهو ما يعيدنا إلى الأمل.
بينما يؤكد الباحث الفلسفي هشام السلامي أن التحول الكبير الذي طرأ على الساحة الفكرية له أسباب؛ ومنها الظرف التاريخي الذي يعيش فيه المفكر والفيلسوف. إن العديد من التحولات المهمة في تاريخ الأفكار جاءت نتيجة لبعض الأحداث الخارجية. وأوضح السلمي أن أحد أسباب النهضة الأوروبية عبر مراحلها الفكرية هو الاستجابة لدعوات إحياء التراث اليوناني واليوناني بعد هجرة العلماء والمفكرين عقب سقوط القسطنطينية، فنُقلت المخطوطات التراثية إلى إيطاليا و ومن هناك إلى أوروبا في رحلة فكرية مؤثرة.
وقال: في عصرنا الحديث والمعاصر، تلقى الفكر صدمات من الحضارة الغربية، بدءاً بالحملة الفرنسية الغاشمة على مصر، والتي كشفت عن الركود العلمي والفكري الذي يعيشه العالم العربي بعد أن كان مصدراً للفكر المؤثر في العالم العربي. العالم منذ قرون. ومن مظاهر الانتكاسة نكسة يونيو 1967 التي غيرت مسار المفكر العربي محمد عابد الجابري وغيره من الفلاسفة والمفكرين ودفعتهم إلى تقديم مشاريع فكرية ومراجعات وقراءات جادة لتراث أمتنا.
وتساءل السلمي: هل توقفنا عن المشاريع الفكرية المعاصرة في انتظار حافز جديد يحث العقل على الانخراط في القضايا الفكرية التي تهمنا؟ خاصة أننا أمام ثقافة عالمية وانفتاح وإرادة سياسية تدعم الترجمة والاستفادة من الإنتاج البشري، ويرى السلمي أن الرهان على العقدين المقبلين.
أحمد بوقري: لكل زمن رموزه ولحظته الفكرية
مفكرون وفلاسفة كبار مثل عبد الرحمن بدوي، فؤاد زكريا، حسن حنفي، نصر حامد أبو زيد، زكي نجيب محمود، محمود أمين العلم، كريم مروة، عبد الله القاسمي، وغيرهم كثيرون جاءوا من لحظة تاريخية مختلفة ومضطربة . لقد جاءوا إلى الساحة الفكرية والسياسية العربية من مرحلة الضرورة. التاريخية التي يتطلبها النهوض العقلي والاجتماعي والتنموي العربي والنهوض بقواه ومستوياته السياسية وأنظمته والعمل معهم أو التوسل إليهم نحو تضييق الفجوة الحضارية بين الواقع العربي المتعثر والتطور الحضاري المتسارع في المجتمعات الغربية وتحقيق حلم التغيير. كان همّ هؤلاء المفكرين العملاقين هو إحياء المجتمعات العربية الغارقة في ظلمات جهلها، وتمزق نسيجها الاجتماعي والفكري، وتخلف وعيها بالعصر، من خلال إحداث صدمة التنوير والثورة في آن واحد. الزمن، وتمكين دور المثقف التقدمي في الحياة العربية على كافة المستويات والأصعدة. وهؤلاء كانوا أصحاب المشاريع الفكرية والأدبية الكبرى الطموحة. حلم، رغم أن معظمه لم يتحقق أو فشل الكثير منه، إلا أنه كان المقدمة الأولى التي لا يزال لها تأثير ضمني على الوضع الثقافي الراهن وعلى العقل العربي اليقظ.
هذا الهوس الإشكالي والضرورة التاريخية لحلم التحول دفعا كل هذه الفئة المفكرية إلى توسيع مهمتها الفكرية والأدبية، وإلى مد نطاقها إلى الأفق العلمي، كما وجدنا في زكي نجيب محمود وفؤاد زكريا وغيرهما. واتخذ كل منهم صفة المثقف الموسوعي الشامل الذي يتولى مهامه البحث عن سبل التقدم. الحضارة بكل آفاقها واتجاهاتها وأهدافها، والتي تتوهم أنها تمتلك كل الحلول وكل الحقائق.
إن هذه الظواهر الفكرية الكبرى، التي لن تتكرر بخصائصها الجوهرية ومكوناتها ورؤاها ونظرتها الشاملة في عصرنا المعاصر وفي هذا العصر السيبراني التقني، قد انتهت أو تضاءلت إلى ما يسمى الآن بـ”المثقف التقني” الغارق. في عزلته التي أصبحت تعني تمثيل الظاهرة الثقافية الخارجية وتداعياتها، ودراسة منحنياتها، وتتبع آفاقها، واللهاث. فهو ليس منتجاً وراء معطياتها ووعودها، أكثر من اهتمامه بالبحث الإبداعي المستقل، أو البحث عن دور تنويري أو ثوري في وضعه الاجتماعي الشامل وهو منغمس في وقته الخاص؛ بمعنى أن المثقف العربي الجديد أصبح يهتم بالتخصص ودراسة الحالة أو الظاهرة بتفاصيلها وشظاياها وتأثيراتها على المستوى الشخصي الذاتي أو في مجال دلالاتها الصغيرة والمحدودة. وهو لا يهتم بالدور التنويري المجتمعي بقدر ما يهتم بالدور القصير النظر والوصفي والتشخيصي، على عكس مثقف عصر النهضة وما بعده الذي كان على قدر كبير من الشمولية والمعرفية والأدبية والفنية والتاريخية والتاريخية. التوسع السياسي الذي جعل من كل مفكر ظاهرة متعمقة ومكتفية بذاتها.
لذا، لكي ندرك أن انحسار هذه الظواهر الفكرية الكبرى، بكل ما واجهته من معارضة وصدامات في ذلك الوقت، من اتجاهات وشرائح اجتماعية وفكرية وسياسية ودينية متناقضة ومعادية؛ يجب علينا أن ندرك ونحلل الوضع الحالي الذي نعيشه، بحيث لا يعني ذلك غياب ظهور الظواهر الفكرية أو الأدبية أو الفلسفية، لكنها في يقيني تأتي كظواهر متخصصة محدودة تهتم أكثر بالموضوع. منه مع الموضوع، والمضي في السياق الزمني للتطور الثقافي والتنموي، والمساهمة – بلا شك – في إحداث التغييرات. ضرورية، لكنها قد لا تترك أثراً تاريخياً كبيراً ومواجهاً كما تركه مفكرون وفلاسفة ومثقفو عصر النهضة العظماء… فلكل زمن لحظته الفكرية والفلسفية التي تليق به.


