اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-06 13:11:00
إعادة تموضع الجيش: بين استعادة احتكار العنف واستمرار تراجع الأزمة أبرزها صعود الفريق ياسر العطا إلى منصب رئيس الأركان، وهي لحظة كاشفة تتجاوز مجرد إعادة توزيع إداري للمناصب، لتفتح الباب أمام قراءة أعمق لطبيعة التحولات داخل المؤسسة العسكرية، وللرسائل التي يسعى الفريق عبد الفتاح البرهان إلى إرسالها داخلياً وخارجياً. في سياق حرب معقدة وتوازنات سياسية هشة للغاية. لكن قراءة هذه التعديلات تبقى منقوصة إذا اختزلت في ثنائية مبسطة: هل يقترب الجيش من الإسلاميين أم يبتعد عنهم؟ والسؤال الأدق ليس: «إلى أي معسكر ينتمي العطا؟»، بل: ما هي الوظيفة السياسية والمؤسساتية التي يؤديها تعيينه في هذه اللحظة؟ الفريق العطا: من الضابط الذي قبل التقاطعات إلى الرجل الذي أعاد الانضباط قبل الحرب، الفريق ياسر العطا لم يكن منتميا إلى الحركة الإسلامية الصلبة داخل الدولة. بل ارتبط اسمه بلجنة تفكيك نظام الإنقاذ، وظهر في مواقف أقرب إلى الخطاب المدني الناقد للنظام السابق. حتى أنه أشاد علنًا بالقادة المدنيين، واصفًا إياهم بالوطنيين المخلصين. وهذه الخلفية تجعل من الصعب تصنيفه على أنه “تحول أيديولوجي” بسيط تجاه الإسلاميين. لكن ما يأتي بعد الحرب ليس امتداداً لما قبلها. أعادت الحرب تحديد الأدوار داخل المؤسسة العسكرية، بحيث لم يعد المطلوب ضباطًا يتمتعون بقدرات سياسية، بل ضباطًا قادرين على إعادة ضبط المؤسسة في لحظة انهيار محتمل للدولة. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم صعود العطا على أنه انتقال من منصب «الضابط السياسي» إلى منصب «الضابط الوظيفي» الذي مهمته الأساسية استعادة تماسك الجيش وضبط علاقته مع حلفائه، وليس الانحياز الأيديولوجي لهم. بعبارة أخرى، العطا اليوم ليس “مدنياً سابقاً” ولا “إسلامياً لاحقاً”، بل هو أداة لإعادة التموضع ضمن مشروع عسكري يسعى إلى استعادة احتكار الدولة للعنف المنظم. هل رئيس الأركان ترقية أم إعادة تموضع؟ تعيين الفريق العطا رئيساً للأركان يثير مفارقة تحليلية مهمة: هل يشكل هذا المنصب ترقية أم تخفيضاً في سلم السلطة؟ ومن منظور الوثيقة الدستورية، قد يبدو التعيين أقرب إلى التخفيض، إذ تمنح العضوية في مجلس السيادة لحاملها منصبا ضمن القيادة العليا للقوات المسلحة، ويصفه مجلس السيادة بالقائد الأعلى لها. وبالتالي، يمكن قراءة الانتقال من منصب سيادي إلى منصب تنفيذي عسكري على أنه نزول في التسلسل الهرمي للسلطة. ومع ذلك، فإن هذه القراءة الرسمية تتجاهل التحول الأعمق الذي فرضته الحرب. وتآكل الثقل الفعلي للمناصب السيادية ذات الطابع السياسي، على عكس صعود مراكز صنع القرار العملياتية داخل المؤسسة العسكرية. وفي هذا السياق يصبح رئيس الأركان أحد أهم مناصب النفوذ الفعلي، وليس مجرد منصب تنفيذي. باختصار: يبدو تعيين الفريق العطا بمثابة تخفيض للرتبة إذا قرأ وفق منطق الوثيقة الدستورية، لكنه يتحول إلى ترقية إذا قرأ وفق منطق إعادة تشكيل مركز السلطة في زمن الحرب والمرحلة الانتقالية. الإسلاميون: من الحلفاء إلى الاحتواء في هذا السياق، تطرح مسألة علاقة الجيش بالإسلاميين، خاصة في ظل الحديث عن حل كتيبة البراء بن مالك. وسواء تم تأكيد القرار رقم 271 لسنة 2026 بصيغته المتداولة أو يعكس اتجاها عاما، فإن أهميته السياسية لا تكمن في «القطيعة» مع الإسلاميين، بل في إعادة تعريف العلاقة معهم. فالجيش، في لحظة حرب، لا يستطيع الاستغناء عن التعبئة التي توفرها بعض الشبكات الإسلامية، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع تحمل تكلفة الارتباط بها أمام المجتمع الدولي، خاصة في ظل العقوبات الأميركية التي استهدفت قيادات إسلامية وكيانات مرتبطة بها. ولذلك، فإن العلاقة تتجه على الأرجح نحو صيغة وسطى: الاستفادة من الدعم التكتيكي، مع تفكيك الاستقلال التنظيمي للتشكيلات الإسلامية وإخضاعها لسلطة الجيش. وهذه ليست رسالة براءة كاملة، بل هي رسالة أكثر واقعية: الجيش لا ينكر وجود هذه القوات، لكنه يصر على أنه الجهة الوحيدة التي تسيطر على القرارات العسكرية. رسالة «إعادة التموضع» إلى الرباعية: جيش يمكن التعامل معه من وجهة نظر المجتمع الدولي، وخاصة دول الرباعية. ولا يبدو أن البرهان يحاول إقناع العالم الخارجي بأن الجيش تحول إلى مؤسسة مدنية أو محايدة بالكامل. ومثل هذه الرسالة لن تكون مقنعة في ضوء الحقائق الميدانية المعروفة. أما الرسالة الأقرب إلى الواقع فهي أكثر واقعية: فالجيش هو الطرف الوحيد القادر حاليا على السيطرة على السلاح، واحتواء الإسلاميين، ومنع تفكك الدولة، وبالتالي لا يمكن تجاوزه كشريك في أي مسار انتقالي. وهذه رسالة «طلب اعتراف مشروط»، وليست «طلب الشرعية الكاملة». وهي تقوم على معادلة ضمنية: إذا كان الهدف الدولي هو وقف الحرب ومنع الانهيار، فإن التعامل مع جيش متماسك أفضل من التعامل مع مشهد متفكك ومتعدد الميليشيات. صقور الحرب وحدود الاستمرار لكن هذا التموضع يحمل تناقضاً جوهرياً. وفي حين تعمل هذه التعديلات على تعزيز قدرة الجيش على إدارة الحرب، إلا أنها لا تحل معضلة الحكم. وقد يكون “صقور الحرب” قادرين على تحسين موقفهم التفاوضي، لكنهم يواجهون قيوداً موضوعية: اقتصاد منهك لا يستطيع تحمل استمرار الحرب. مجتمع يعاني من ارتفاع التكلفة الإنسانية. الحاجة الملحة للاعتراف الدولي والتمويل. ولذلك فإن قدرة هؤلاء «الصقور» على الاستمرار في الحكم ليست مفتوحة زمنياً، بل هي محدودة بقدرتهم على التحول من إدارة الحرب إلى إدارة التسوية. غياب «الثنائي السيادي»: إعادة التوزيع أم تمهيد الطريق للتحول المؤسسي؟ ويثير غياب الإشارة الواضحة لبعض الأعضاء العسكريين في مجلس السيادة، مثل الفريق شمس الدين الكباشي والفريق إبراهيم جابر، تساؤلات مشروعة. لكن هذا الغياب وحده لا يكفي للتوصل إلى نتيجة نهائية. بل يمكن قراءتها ضمن ثلاث فرضيات: إعادة توزيع الثقل داخل القيادة لصالح مركز أكثر تماسكاً حول البرهان والبراهين؛ وتراجع دور بعض الشخصيات التي كانت تؤدي وظائف سياسية أو تمثيلية. احتمال أضعف ولكنه موجود: الإعداد التدريجي لتقليص دور مجلس السيادة نفسه. وإذا اتجهت الأمور نحو تقليص أو حل مجلس السيادة، فإن ذلك قد يشكل رداً غير مباشر على مطالبة الرباعية بعدم الاستمرار في بنية الحكم المرتبطة بالحرب، مع الحفاظ على دور عسكري انتقالي في الخلفية. البرهان: بين البقاء المؤقت وإعادة تحديد الدور يبقى السؤال الحاسم: ما هو مصير البرهان نفسه؟ والإجابة الأكثر واقعية ليست ثنائية “البقاء أو الرحيل”، بل إعادة تحديد الدور. ومن المرجح أن يكون هناك قبول ضمني، حتى بين بعض الجهات الدولية الفاعلة، للوجود المؤقت للبرهان، ليس بصفته رئيساً سياسياً دائماً، ولكن كضامن عسكري لعملية وقف إطلاق النار وإعادة تنظيم المؤسسة الأمنية. وفي هذا السياق، قد لا يكون السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمراره في منصب سيادي سياسي تقليدي، بل أن يتولى دورًا في هيئة عسكرية انتقالية أو مجلس أمني/دفاع يشرف على المفاوضات مع الدعم السريع، بالتوازي مع مسار مدني للانتقال السياسي. نحو مفاوضات مزدوجة: واقعية سياسية محتملة يؤدي هذا إلى نموذج تفاوضي يبدو أكثر واقعية من غيره: مسار عسكري عسكري لوقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية؛ مسار عسكري مدني لتحديد شكل المرحلة الانتقالية؛ التقاء المسارين في صيغة واحدة متكاملة. وفي هذا السياق، تصبح فكرة «ضمانات مقابل العدالة المؤجلة» محوراً أساسياً: تقديم ضمانات للعسكريين لمنعهم من عرقلة المرحلة الانتقالية، مقابل الحفاظ على مبدأ العدالة لضحايا الحرب وعدم تحويل التأجيل إلى إفلات دائم من العقاب. الخلاصة: إعادة التموضع، وليس التحول النهائي. وفي الختام، فإن التعديلات الأخيرة لا تعني أن الجيش السوداني أصبح كتلة مهنية بحتة منفصلة عن كل الضغوط، ولا تعني أنه وقع بالكامل تحت سيطرة الإسلاميين. وهو على الأرجح بصدد عملية إعادة تموضع معقدة يسعى من خلالها إلى: تعزيز تماسكه الداخلي؛ تعديل علاقته بحلفائه؛ تحسين موقفه التفاوضي؛ ويقدم نفسه كشريك لا غنى عنه في المرحلة الانتقالية. أما الفريق ياسر العطا، فهو يجسد هذا التحول بوضوح: ليس كممثل لمعسكر سياسي محدد، بل كرجل مرحلة تحاول فيها المؤسسة العسكرية الانتقال من فوضى الحرب إلى هندسة التسوية. ويظل التحدي الأكبر قائما: هل يمكن لهذا التموضع أن يفتح الطريق فعلا لانتقال مدني حقيقي، أم أنه سيؤجل الأزمة دون حلها؟ هذا هو السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة القادمة. melshible@hotmail.com The post إعادة تموضع الجيش: بين استعادة احتكار العنف واستمرار انطفاء الأزمة appeared first on سودانايل.




