السودان – إنهم لا يشبهوننا – سوداني

أخبار السودان13 أبريل 2026آخر تحديث :
السودان – إنهم لا يشبهوننا – سوداني

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-12 11:51:00

د. محمد عبد الله في مثل هذه المحافل، حيث تمتزج حرارة اللحظة بثقل الأسئلة، لا تحتاج الكلمات إلى جهد كبير لتكشف عما وراءها. وهناك خرجت العبارة وكأنها عادية، لكنها لم تكن كذلك. وسط الجدل الذي أثاره حديث أحد المتحدثين في تجمعات الأهالي في منطقة دلقو المحص، ظهرت عبارة قصيرة، لكن لها معنى ثقيل: “ليسوا مثلنا”. عبارة قد تبدو للوهلة الأولى عابرة، أو حتى وصفًا بريئًا للفرق، لكنها في الواقع تحمل دلالات تتجاوز بساطتها اللفظية، لتلامس منطقة حساسة جدًا في الضمير الجمعي السوداني. وبعيداً عن تفاصيل القضية نفسها، وما رافقها من شد وجذب، واختلاط الروايات والمواقف، فإن التوقف عند هذه العبارة تحديداً يكشف عن ظاهرة لغوية وثقافية تتكرر، بل وتترسخ أحياناً، في الخطاب العام. ما يثير القلق في الأمر ليس استخدامه فحسب، بل ما هو أكثر لفتاً للنظر: اندفاع البعض للدفاع عنه وتبريره، بل وحتى تطبيعه، تحت شعار «الاختلاف الطبيعي» بين الناس. ولا شك أن الاختلاف حقيقة إنسانية لا يمكن إنكارها. نحن مختلفون في العادات والتقاليد واللهجات وحتى الأصول والأديان. وهذا التنوع ليس عيبا، بل هو في جوهره مصدر غنى، متى أحسن التعامل معه. لكن المشكلة لا تكمن في الاعتراف بالاختلاف، بل في الطريقة التي يتم بها استحضار هذا الاختلاف، وفي السياق الذي يقال فيه. اللغة في النهاية ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي حاملة للمعاني، ومرآة للنوايا، ومؤشر للمواقف الكامنة. عبارة مثل “ليسوا مثلنا” قد تقال في سياق الاحتفاء بالتنوع، أو الوصف المحايد للاختلافات، لكنها عندما تستخدم في موقف الإقصاء، أو في لحظة توتر اجتماعي، أو في مواجهة فئة ضعيفة أو نازحة، فإنها تفقد حيادها وتتحول إلى أداة تمييز، بل إلى خطاب إقصائي واضح، مهما حاول البعض تجميله. والخطر هنا لا يكمن فقط في الكلمة نفسها، بل في الأبواب التي تفتحها. ويخبرنا التاريخ، القريب والبعيد، أن مثل هذه التصريحات، عندما تُترك دون مساءلة، تتحول تدريجياً إلى بديهيات، ثم إلى ممارسات، وربما إلى سياسات. وهنا ينتقل الأمر من مجرد زلة لسان، إلى بنية فكرية تنتج التمييز وتعيد إنتاجه. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن «السيطرة على اللغة» لا يصبح ترفاً فكرياً ولا دعوة إلى الرقابة الصارمة، بل ضرورة مجتمعية وأخلاقية. إن المجتمعات التي تسعى إلى التماسك والاستقرار لا تترك لغتها فضفاضة، بل تعمل على صقلها وتصحيحها بما يتوافق مع قيمها المعلنة. وهنا يبرز دور القانون، ليس كأداة للقمع، بل كإطار رقابي يحدد الخط الفاصل بين حرية التعبير وخطاب الكراهية. وكما تجرم القوانين في العديد من الدول التعبيرات التي تحرض على العنصرية أو التمييز، فإن هناك حاجة ملحة لإدراج مفاهيم مماثلة في السياق السوداني، بما يتناسب مع خصوصيته ويمنع الخطاب العام من الانزلاق نحو المزيد من التشرذم. ولا يقل دور المناهج التعليمية أهمية عن دور القانون. المدرسة ليست مكانًا لتعليم المعرفة فحسب، بل هي أيضًا مساحة لتكوين الوعي. فإذا لم يتعلم الطفل منذ الصغر أن الاختلاف لا يعني التمايز، وأن التنوع لا يبرر الإقصاء، فإننا نكون قد تركناه فريسة للخطابات الجاهزة التي قد تصبح مستوعبة في اللغة اليومية دون أن تلفت انتباهه. أما الإعلام فهو الساحة الأكثر تأثيرا والأسرع انتشارا. فالكلمة التي تقال في منبر عام، أو تبث على شاشة، لا تبقى داخل حدودها، بل تتكرر في البيوت، وتعاد صياغتها في المجالس، وقد تتحول إلى رأي عام. ولذلك فإن مسؤولية الإعلام لا تقتصر على نقل الحدث، بل تشمل تنقية الخطاب وتقديم نماذج لغوية تعكس روح التعايش وليس النزعة الإقصائية. إن معركة اللغة هي في جوهرها معركة وعي. ليس كل قول يقال بقصد الإساءة، ولكن ليس كل ما لا يقصد به الإساءة يعفى من المساءلة. عندما تخرج الكلمات إلى الفضاء العام، فإنها تصبح جزءًا من نسيج جماعي، تتأثر بها وتتشكل في ضوئها. ربما نحن مختلفون، نعم. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نتشابه؟ بل: كيف نتعامل مع هذا الاختلاف؟ هل نجعله جسرا للتعارف أم جدارا للانفصال؟ بين «نتشابه» و«لا نشبه» مساحة واسعة يمكن أن تبنى فيها أوطان، أو تهدم أخرى. العامل الحاسم في هذا الأمر هو الكلمة. muhammedbabiker@aol.co.uk

اخبار السودان الان

إنهم لا يشبهوننا – سوداني

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#إنهم #لا #يشبهوننا #سوداني

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل