اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-13 19:40:00
البروفيسور: حسن بشير محمد نور تشهد الأزمة السودانية واحدة من أعقد الأزمات السياسية والإنسانية والأمنية في المنطقة، ليس فقط بسبب طبيعة الحرب وتعدد الأطراف المحلية، ولكن أيضا نتيجة تشابك وتناقض المصالح الإقليمية والدولية المحيطة بالسودان. لقد أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن معظم المبادرات والمساعي الإقليمية والدولية لم تنطلق من فهم عميق لجذور الأزمة السودانية بقدر ما انطلقت من حسابات النفوذ والمصالح والتوازنات السياسية قصيرة المدى، مما ساهم في تعقيد الأزمة بدلا من حلها. وكانت هناك العديد من المبادرات بين مختلف المنابر الإقليمية والدولية، وتناوبت اللجنة الرباعية والخماسية والعديد من المنظمات الإقليمية والدولية. لكن القاسم المشترك بينها هو السعي إلى تسويات سريعة وهشة بين الأطراف المشاركة في الحرب والانتهاكات الجسيمة، دون معالجة حقيقية لأسباب الانهيار الهيكلي للدولة السودانية أو تطوير مشروع وطني شامل لإعادة بنائها. وبدلاً من إقامة سلام عادل ومستدام، تم التعامل مع السودان في كثير من الأحيان على أنه قضية إدارة أزمة وليس حلاً لها. إن الأزمة السودانية معقدة للغاية، وبالتالي لن تتمكن أي دولة أو مجموعة دول أو منظمات إقليمية ودولية من المساهمة في حلها ما لم تتبنى النهج الصحيح الذي يتعامل مع جذور المشكلة، وليس مظاهرها فقط. إن النهج الصحيح لا يقوم على إيجاد تسوية سياسية مؤقتة بين مراكز القوى المسلحة، بل على حماية وحدة السودان وسلامة أراضيه، والحفاظ على أمنه القومي، والحفاظ على موارده ومصالحه الاستراتيجية، بالتزامن مع بناء نظام حكم مدني ديمقراطي قائم على الشرعية الشعبية وسيادة القانون والمؤسسات. كما أن أي مشروع جدي للحل يجب أن يرتكز على تحقيق العدالة وتجنب الإفلات من العقاب، باعتبار أن تجاهل الجرائم والانتهاكات المنتشرة خلال الحرب يمثل وصفة أكيدة لإعادة إنتاج العنف والانهيار. ويؤكد التاريخ الحديث في المنطقة والعالم أن التسويات التي تقوم على الالتفاف على العدالة وتدوير النخب المسلحة ودمجها في ترتيبات سياسية هشة سرعان ما تنهار، مما يدخل البلاد في دورات جديدة من الصراع أكثر عنفا وتعقيدا. لا يمكن تحقيق السلام الحقيقي في السودان دون مشروع وطني واسع لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، يشمل إصلاح مؤسسات الحكم، وإعادة هيكلة الاقتصاد السوداني، واجتثاث الفساد، وإصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية، وإطلاق عملية المصالحة الوطنية على أساس الحقيقة والعدالة والإنصاف. ويجب أن يتم ذلك أيضاً من خلال مشاركة واسعة من مختلف المكونات السياسية والمدنية والمجتمعية السودانية، مع إقصاء كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات من المشاركة السياسية حتى استكمال مسارات العدالة والمحاسبة. إن أخطر ما يهدد السودان والمنطقة اليوم هو التوجه نحو فرض التسويات على أساس موازين القوى والسلاح والمصالح الخارجية الضيقة، وليس على مصالح الشعوب واستقرار الدول. مثل هذه التسويات، حتى لو نجحت في وقف مؤقت لإطلاق النار أو تقاسم السلطة، فإنها ستظل تسويات مشوهة وهشة وقصيرة الأجل، لأنها تتجاهل الأسباب الحقيقية للحرب والانهيار، وتؤسس أيضا لثقافة الإفلات من العقاب، وتحول العنف إلى وسيلة مشروعة للوصول إلى السلطة وتحقيق مكاسب سياسية. ولا يقتصر خطر هذه التسويات على السودان وحده، بل يمتد إلى محيطه الإقليمي بأكمله. ويمثل السودان بحكم موقعه الجغرافي وموارده وحدوده المفتوحة عنصرا محوريا في أمن واستقرار المنطقة. إن أي تفكك طويل الأمد للدولة السودانية أو تحولها إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح سيكون له تداعيات خطيرة على الأمن الإقليمي وحركة التجارة والهجرة وانتشار الجماعات المسلحة والاتجار بالأسلحة والبشر، فضلا عن تعميق الأزمات الاقتصادية والإنسانية في المنطقة. كما أن بعض المشاريع السياسية الإقليمية التي تنظر إلى السودان على أنه منطقة نفوذ أو مصدر للموارد أو ساحة لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية تتعامل مع الأزمة السودانية بمنطق المصالح الضيقة، وليس بمنطق استقرار الشعوب وحقها في بناء دولها الوطنية المستقرة. وهذا النهج قصير النظر لا يهدد السودان وحده، بل يهدد مستقبل المنطقة برمتها، لأن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يبنى على إضعاف الدول، وتفكيك المجتمعات، وتأجيج الصراعات الداخلية. وقد لا تحظى مثل هذه الرؤية بقبول العديد من دوائر صنع القرار الإقليمية والدولية في ظل واقع دولي مضطرب ومليء بالتناقضات، ناهيك عن دولة تعاني من الإرهاق والفشل المؤسسي مثل السودان. لكن مسار الأحداث على مدى السنوات الماضية أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن تجاهل جذور الأزمة، والرهان على التسويات المؤقتة، والسعي إلى إعادة تدوير الأزمة بدلاً من حلها، كلها خيارات أدت إلى مزيد من الانهيار والتفكك. وها هي الدولة السودانية تتهاوى أمام أعين العالم والمجتمع الدولي يكتفي بالبيانات والمؤتمرات العديدة ويدير الأزمة عن بعد. بل إن بعض الأطراف وجدت في المأساة السودانية فرصة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وتجارية على حساب معاناة ملايين السودانيين الذين يواجهون الحرب والنزوح والجوع والانهيار الكامل للخدمات العامة. السودان اليوم لا يحتاج إلى تسوية سياسية جديدة هشة، بل إلى مشروع تاريخي لإعادة بناء الدولة الوطنية على أسس العدالة والمواطنة والديمقراطية والتنمية المتوازنة. كما يتطلب إرادة وطنية مستقلة تدرك أن مستقبل البلاد لا يمكن بناؤه بصفقات مؤقتة أو الاعتماد على الخارج، وأن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا بمخاطبة جذور الأزمة وتحقيق العدالة والحفاظ على كرامة الشعب السوداني وحقه في دولة مستقرة وعادلة قادرة على حماية مصالحه ومستقبله. mnhassanb8@gmail.com الكاتب




