اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-22 12:29:00
الأستاذ الدكتور السير السيد أحمد العراقي (1944-2026) رحيل مؤرخ في عصر المهجر أحمد إبراهيم أبو شوك قبل أن تكتمل فرحة حصول كريماتي لينا على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي في جامعة برينستون، فجعنا بنبأ وفاة أستاذي الدكتور السير السيد أحمد العراقي في القاهرة، يوم الاثنين 18 مايو، 2026. وهكذا تتعايش لحظات الفرح والحزن في حياة الإنسان وكأنها وجهان. ذكريان متتاليتان لذكرى واحدة. أول لقاء لي مع الأستاذ السر كان في الفصل رقم (1) بقسم الجغرافيا بكلية الآداب جامعة الخرطوم، حيث درست معه مقرر “تاريخ العرب حتى قيام الدولة الأموية” (ح201)، في الفصل الدراسي الأول من العام الجامعي 1983/1984، ثم درست عليه في مقررات أخرى ضمن مقرر التاريخ الإسلامي. منذ تلك السنوات الأولى، كان بمثابة مثال للأستاذ المتميز؛ وهو شديد المعرفة، هادئ الطبع، مشرق الروح، يجمع بين المعرفة والتواضع، ويعطي طلابه من إنسانيته بقدر ما يعطيهم من علمه. وبعد تخرجي من جامعة الخرطوم عام 1987، والتحقت ببرنامج الماجستير في التاريخ والحضارة بجامعة أم درمان الإسلامية، كان للدكتور العراقي حضور آخر في مسيرتي الأكاديمية، حيث درسنا أحد مواد البرنامج، وبقي اسمه حاضرا في الذاكرة كأستاذ ترك أثرا عميقا في نفوس طلابه قبل عقولهم. ورغم أن التواصل بيننا كان ينقطع أحياناً بسبب مشاغل الحياة والمسافات الطويلة والسفر حول العالم، إلا أن خيوط الصداقة لم تنقطع أبداً. وآخر لقاء لي به كان أثناء تدشين كتاب “تاريخ ملوك سنار والحكم التركي المصري في السودان (1504-1872)” لأحمد بن الحاج أبو علي (كاتب الشونة)، والذي حققه وقدمه وعلق عليه الأستاذ الدكتور يوسف فضل حسن، في قاعة الشارقة بالخرطوم يوم 29 نوفمبر 2018. يومها احتضنتني نفس الأستاذ الذي عرفناه: السير السيد أحمد العراقي، عالم رصين، طيب القلب، مخلص لعلاقاته الإنسانية، يقدر معنى الرفقة العلمية، ويحافظ على المودة والصحبة في أرقى صورها الإنسانية. الأصول والتكوين اسمه الكامل هو سر الخاتم، السيد أحمد محمد عثمان العراقي، والأسماء في السودان غالباً ما تحمل دلالات اجتماعية وثقافية، وأحياناً صوفية. ومن قرأ هذا الاسم المكون من أربعة أحرف يمكن أن ينسب صاحبه منذ الوهلة الأولى إلى الطريقة الختمية. ويجمع الاسم بين اسم السيد محمد عثمان الميرغني ولقبه الشهير “سر الختم”. ويرجع ذلك إلى البيئة الاجتماعية والثقافية التي نشأ فيها السر. فمن ناحية تمتد جذور عائلته إلى قرية نوري بالولاية الشمالية، موطن خلفاء الطريقة الختمية وبعض عشائر آل الأرقاب. ومن ناحية أخرى، ارتبطت الأسرة بمدينة كسلا، حيث ولد السر عام 1944 ونشأ فيها. وتقديرًا لهذه العلاقات الروحية والجغرافية ألف كتابًا بعنوان: “كسلا الحضارة والتاريخ”. بدأ السير سيد أحمد العراقي تعليمه الابتدائي والمتوسط في مدارس كسلا، والتعليم الثانوي في مدينة الأبيض، ثم التحق بفرع جامعة القاهرة. الخرطوم، حيث حصل على ليسانس الآداب في التاريخ عام 1968. وبعد تخرجه عمل مدرساً للتاريخ بالمدارس الثانوية (1968-1977)، ثم مشرفاً فنياً للتاريخ بوزارة التربية والتعليم. واصل خلال عمله التدريسي والوزارة مسيرته الأكاديمية، حيث حصل على درجة الماجستير في التاريخ عام 1974، ثم توجت جهوده الأكاديمية بالحصول على درجة الدكتوراه في الفلسفة في التاريخ بجامعة الخرطوم عام 1981. وقد مكنه هذا المؤهل الأكاديمي العالي من الالتحاق بقسم التاريخ والحضارة بجامعة أم درمان الإسلامية عام 1982، حيث تدرج في السلم الأكاديمي حتى حصل على رتبة أستاذ (1995)، كما شغل منصب رئيس قسم التاريخ والحضارة بجامعة أم درمان الإسلامية عام 1982. وحدة التعليم الإضافي بالجامعة. تعاون وقتها مع أقسام التاريخ بكلية الآداب وكلية التربية بجامعة الخرطوم. وبعد ذلك هاجر إلى المملكة العربية السعودية حيث عمل في جامعة الملك سعود (1989-2003). وبعد سنوات طويلة من الغربة، عاد إلى جامعة أم درمان الإسلامية في العقد الأول من الألفية الثالثة، حاملا معه تجربة علمية وإنسانية ثرية، بقي أثرها في نفوس طلابه ومحبيه. الإنجازات والأثر العلمي يتميز الدكتور السير السيد أحمد العراقي باتساع اهتماماته العلمية في مجال التاريخ الإسلامي والحضارة العربية الإسلامية، مع اهتمام خاص بتاريخ العرب في صدر الإسلام، وتاريخ الدولتين الأموية والعباسية، فضلاً عن اهتمامه بتاريخ الفكر والحضارة الإسلامية وارتباطهما بالتطورات السياسية والاجتماعية في العالم العربي والإسلامي. وكان يميل في معالجاته التاريخية إلى ربط الحدث السياسي بسياقه الثقافي والفكري، معتبراً أن التاريخ ليس مجرد سرد وقائع، بل هو قراءة لتحولات المجتمع والإنسان والثقافة. كما امتد مجال تخصصه الأكاديمي إلى مجال التاريخ الأفريقي، وخاصة تاريخ الممالك والسلطنات الإسلامية في أفريقيا، ودور الطرق الصوفية والعلماء وشبكات التواصل الثقافي في نشر الإسلام واللغة العربية والثقافة الإسلامية في القارة الأفريقية. نظر إلى السودان باعتباره فضاء حضاريا تتلاقى فيه التأثيرات العربية والإفريقية والإسلامية، ولذلك اهتم بدراسة التفاعلات الحضارية والهجرات والحركات التجارية والدعوة الإسلامية التي ساهمت في تكوين مجتمعات أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وتميزت كتاباته ومحاضراته بالنزعة العلمية الصلبة، التي جمعت بين دقة المؤرخ واتساع آفاق الباحث، مع الحرص الواضح على قراءة التاريخ الأفريقي والإسلامي بعيدا عن الرؤى الاختزالية أو التفسيرات الاستعمارية. ضيقة، مع التركيز على المساهمة الثقافية لأفريقيا في التاريخ الإسلامي والإنساني. ومن أهم مؤلفاته العلمية: نظام الحكم في الخلافة السكتية، الخرطوم: دار النشر جامعة الخرطوم، 1983. تاريخ وحضارة كسلا: الخرطوم: دار إريثريا للنشر والتوزيع، 2023. أضواء على تاريخ التعليم في السودان: الأثر الروحي والثقافي والسياسي (1504-1956). “ملامح الحضارة الإسلامية في ساحل شرق أفريقيا في العصور الوسطى”، مجلة الدراسات الأفريقية، العدد 2، 1986، ص 83-106. “ملامح تطور الحضارة الإسلامية في وسط وغرب السودان”، البيادر، نادي أبها الأدبي، العدد 12، 1994، ص 73-96. “الثقافة الإسلامية تطورها وازدهارها في شرق أفريقيا في العصور الوسطى”، مجلة المؤرخ المصري، العدد 19، 1998، ص 71-101. “حركة الشيخ عثمان بن فودي الإصلاحية في دول غرب أفريقيا في القرن التاسع عشر (1804 – 1903م)” بايارد، عدد 10، 1993، 79-93. “سلطنة كيلوا الإسلامية: تاريخها وحضارتها 975-1515م”، البيادر، العدد 14، 1995، ص 61-80. “انتشار اللغة العربية في بلدان غرب أفريقيا عبر التاريخ” مجلة الدراسات الأفريقية، العدد 1، 1985، 101-116. “إسهامات العلماء السودانيين في كتابة التاريخ”، مجلة التنوير، العدد 12، 2012، ص 217-245. “إسهامات العلماء السودانيين في كتابة التاريخ: الأستاذ محمد إبراهيم أبو سليم أنموذجاً”، مجلة القلزم للدراسات الوثائقية، العدد 2، 2022، ص 43-48. رحم الله أستاذنا الجليل الدكتور السير السيد أحمد العراقي، وجعل العلم النافع والتعليم الصادق الذي قدمه في ميزان حسناته، وجازاه عن طلابه ومريديه خير الجزاء، وألهم أهله الكرام ومحبيه وطلابه الصبر والسلوان وحسن العزاء. كانت وفاته مؤلمة للقلب. لأن الفقيد لم يكن مجرد أستاذ جامعي يؤدي رسالته الأكاديمية في الفصول الدراسية، بل كان واحدا من هؤلاء المعلمين الذين تركوا أثرا عميقا في نفوس طلابهم، بعلمه الراسخ، وشخصيته الكريمة، وتواضعه النادر، وحرصه الصادق على الحفاظ على العلاقة الإنسانية بين الأستاذ وطلابه. وكان حضوره هادئاً ومهيباً في الوقت نفسه، يبث الطمأنينة في المجالس، ويعطي من حوله شعوراً بالوقار والألفة. ويبقى عزاؤنا أن أمثال الدكتور السر ليسوا غائبين تماما. ويواصل العلماء الحقيقيون حياتهم بعد رحيلهم في ذاكرة طلابهم، وفي الأثر العلمي والإنساني الذي تركوه وراءهم. إنهم يعيشون في الكلمات التي علموها، والقيم التي غرسوها، والمحبة الصادقة التي استقرت في قلوب من عرفوهم وتعلموا منهم. ولعل أجمل ما تركه الأستاذ السير في العالم ليس الكتب وحدها، بل تلك السيرة الطيبة التي تجعل طلابه يتذكرونه بالدعاء والوفاء كلما مر ظله على ذاكرتهم. رحم الله الدكتور السير سيد أحمد العراقي رحمة تليق بقلبه الطيب، ونبل خلقه، وعطائه العلمي والإنساني الممتد. ahmedabushouk62@hotmail.com الكاتب




