اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-18 11:31:00
المدنية خيار الشعب: بين واقعية الشراكة وحتمية الدولة المدنية (رد هادئ على مقترح مولانا سيف الدولة حمدنا الله) عبده الحاج – كارولاينا الشمالية 17 مايو 2026 في مقابلة حديثة معه طرح سيف الدولة حمدنا الله (شخصية وطنية ومكانة قانونية وأحد الرموز المرتبطة بضمير الثورة السودانية) رؤية تقول إن التغيير في السودان يبدو صعباً للغاية دون الشراكة مع المؤسسة العسكرية. وهذه الرؤية تستحق التأمل والمناقشة الموضوعية. اختلاف الرؤى مع مكانته لا ينتقص من مكانته أو التقدير الذي يستحقه، بل يفتح الباب أمام حوار وطني نحن بأمس الحاجة إليه اليوم. ولا يمكن إنكار أن أصحاب هذا الاقتراح يرتكزون على واقع معقد للغاية. فالدولة منهكة، والسلاح منتشر، وميزان القوى مختل، بينما تبدو القوى المدنية مشتتة، ومتشاكسة، وسيئة التنظيم. ولذلك تبدو فكرة «الشراكة» للبعض أقرب إلى الواقعية السياسية منها إلى القناعة المبدئية. لكن التغيير الحقيقي لا يعني دائما اختيار الطريق الأسهل أو الأقصر، بل اختيار الطريق الأكثر أمانا والأكثر قدرة على بناء مستقبل مستقر. ولا تقتصر الرؤية الاستراتيجية على التعامل مع الواقع كما هو، سواء كان هذا الواقع نتيجة تطور طبيعي أو صناعة سياسية مقصودة، ولكنها تحمل معها أيضاً دروس الماضي والهدف المستقبلي الذي نريد الوصول إليه. والسؤال الذي يجب أن يطرح ليس فقط: كيف نوقف الانهيار الآن؟ ولكن أيضاً: ما هي الدولة التي نريد أن نبنيها بعد أن تتوقف الحرب؟ هل نعالج الأزمة بما يمنع تكرارها أم نعيد إنتاج أسبابها تحت عناوين جديدة؟ لكن المشكلة هي أن العديد من الحلول التي تبدو واقعية على المدى القصير تتحول مع مرور الوقت إلى إعادة إنتاج للأزمة نفسها. في تقديري أن الأزمة السودانية الحالية، وحالة (حتمية الوصاية العسكرية)، ليست قدرا طبيعيا، بل هي نتيجة مسار طويل ساهم خلاله المشروع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين (بمسمياتها المختلفة)، بشكل مباشر وغير مباشر، في إعادة هندسة الدولة والمجتمع من خلال تفريخ المليشيات، وخلق مراكز قوى مسلحة موازية، وربط النفوذ السياسي بأدوات العنف. وقد سعى هذا المشروع إلى فرض «ساحة المعركة» وطبيعتها بما يضمن فرص بقائها واستمرارها. وكانت النتيجة النهائية ترسيخ فكرة أن السودان لا يمكن أن يحكم إلا تحت وصاية حامل السلاح، وأصبح الجيش مختطفاً لصالح مشروع سياسي وتنظيمي، ولم يعد يعبر بشكل كامل عن قومية الدولة السودانية وتنوعها. ومن هنا تكمن خطورة تقديم (الشراكة مع المؤسسة العسكرية) كمسار دائم أو قسري للتغيير. والمشكلة ليست فقط في منح المقاعد العسكرية في السلطة، بل في تحويل السلاح ذاته إلى مصدر للشرعية السياسية. وإذا أصبح امتلاك القوة العسكرية سبباً للمشاركة في الحكم، فإننا نفتح الباب أمام كل ميليشيا أو جماعة مسلحة للمطالبة بحصتها من السلطة «كأمر واقع». وهكذا تصبح الدولة رهينة لمنطق القوة، وليس لمنطق التفويض الشعبي، وتتحول السياسة إلى تفاوض بين البنادق، وليس بين البرامج والرؤى الوطنية. إن القبول بالشراكة مع حاملي السلاح يضفي عملياً الشرعية على (فيتو السلاح)، ويجعل أي حكومة مدنية رهينة لاحتمال الابتزاز أو الانقلاب كلما تعارضوا. وتتوافق قراراتها مع مصالح مراكز القوة العسكرية. إن استمرار القيادة العسكرية داخل السلطة السياسية يعني عملياً استمرار هيمنة المؤسسات العسكرية والأمنية على قطاعات واسعة من الاقتصاد خارج نطاق سلطة الدولة ووزارة المالية، وهو ما يفقد أي حكومة مدنية قدرتها الحقيقية على الإصلاح والتطوير وتقديم الخدمات. إن الاستمرار في النظر إلى حامل السلاح باعتباره صاحب حق تلقائي في السلطة، في ظل هذا العدد الهائل من الميليشيات والتشكيلات المسلحة المتفرقة، لا يؤدي إلا إلى شرعنة الصراع المسلح وتحوله إلى وسيلة مشروعة للصعود السياسي. وهذا من أخطر الأمور التي يمكن أن تواجهها أي دولة. لأنه ينقل المجتمع من ساحة التنافس السلمي بين الأفكار والبرامج إلى ساحة التنافس بين أدوات العنف. ويظل الصراع المسلح، مهما كانت شعاراته، صراعا مكلفا يدفع ثمنه المدنيون والدولة والأجيال القادمة، بينما يظل صراع الأفكار، مهما اشتد، أقل تكلفة وأكثر قابلية للحل والتطوير. ولذلك فإن التخلص من شرعية السياسة المسلحة لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة وطنية ملحة قبل أن يصبح السلاح هو اللغة الوحيدة المتبقية في المجال العام. علاوة على ذلك، فإن أي شراكة مختلة ستؤدي، بشكل أو بآخر، إلى تعطيل مشاريع العدالة الانتقالية والمساءلة، وإلى إطالة أمد ظاهرة تعدد الجيوش، لأن بقاء القادة العسكريين في السلطة السياسية يرتبط، في النهاية، باستمرار احتكار أدوات العنف. لقد أثبتت التجربة السودانية مراراً وتكراراً أن الشراكات غير المتوازنة لا تنتهي غالباً إلى تقوية المدنيين، بل إلى إضعافهم ثم ابتلاعهم والانقلاب عليهم. ولذلك فإن الإصرار على قيام حكومة مدنية بكامل الصلاحيات ليس ترفاً سياسياً، أو شعاراً عاطفياً، بل هو شرط ضروري لبناء الدولة الحديثة المستقرة. وهذا لا يعني إطلاقاً أن من كان جندياً لا يصلح لشغل منصب عام. وللجندي، كغيره من المواطنين، الحق في ممارسة السياسة والترشح لأي منصب إذا اختاره الشعب. لكن ذلك يفترض أولاً خروجه الكامل عن المؤسسة العسكرية وتخليه عن قوة السلاح والنفوذ المرتبط به. ولا يجوز الجمع بين (السلطة التنفيذية) و(الوظيفة العسكرية) في وقت واحد، كما لا يجوز للقاضي أن يمارس السياسة أثناء وجوده في هيئة القضاء، أو أن يستخدم الموظف العام سلطته الوظيفية لخدمة مشروع. سياسي. الهدف إذن ليس استبعاد العسكريين السابقين، بل إنهاء هيمنة العسكريين العاملين على القرارات السياسية، سواء جاءت تلك الهيمنة عبر انقلابات مباشرة، أو عبر شراكات غير متوازنة، أو عبر واجهات مدنية لا تملك سلطة اتخاذ القرار الحقيقية. ورغم كآبة المشهد، قدمت ثورة ديسمبر دليلا واضحا على أن الوعي الشعبي السوداني تجاوز هذه المعادلة القديمة. والشباب الذين خرجوا وهم يهتفون: (حرية، سلام، عدالة.. الحضارة خيار الشعب) لم يتراجعوا عن هذا المبدأ رغم القتل والحرب والهزائم. ولا يزال قسم كبير منهم يعتقد أن المخرج الحقيقي من الأزمة السودانية لا يتمثل في إعادة إنتاج الشراكات القديمة، بل في بناء دولة مدنية حقيقية تقوم على المؤسسات والقانون الدستوري والمواطنة. لكن هنا يبرز السؤال الأهم: إذا رفضنا الشراكة السياسية مع العسكريين، فما هو البديل الواقعي للتعامل مع تعدد الجيوش وانتشار الأسلحة؟ الجواب يبدأ بالتمييز بين أمرين مختلفين تماماً: رفض الشراكة السياسية مع حامل السلاح لا يعني تجاهل الواقع الأمني، بل يعني التعامل معه كملف مهني يخضع للسلطة المدنية، وليس حقاً سياسياً دائماً لمن يملكه. قوة. المخرج العملي من الأزمة ليس بالشعارات وحدها، بل عبر مشروع وطني تدريجي لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية. ويبدأ ذلك أولاً بوقف حقيقي وملزم لإطلاق النار، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، ثم إنشاء عملية شاملة لإصلاح القطاع الأمني والعسكري في ظل سلطة مدنية انتقالية تتمتع بشرعية واسعة. كما يجب إعادة المؤسسة العسكرية إلى مكانتها الطبيعية كمؤسسة وطنية مهنية لا تتدخل في السلطة السياسية المباشرة، بحيث تصبح القرارات السيادية والعسكرية خاضعة بالكامل لسلطة مدنية منتخبة أو مفوضة. شعبيا. ولا بد أيضاً من تصحيح النظرة إلى الجيش نفسه، فالمؤسسة العسكرية، في الدولة الحديثة، ليست كياناً فوق الدولة ولا شريكاً دائماً في حكمها، بل هي إحدى مؤسساتها المهنية، مثل القضاء والخدمة المدنية والشرطة وغيرها من أجهزة الدولة، ذات وظائف محددة تتعلق بحماية الحدود والأمن القومي، لكنها لا تملك ولاية سياسية للحكم أو الوصاية على المجتمع. يعد الخلط بين وظيفة الجيش ودور السلطة السياسية أحد أهم أسباب عدم الاستقرار في السودان منذ الاستقلال. إن الدولة الحديثة لا تقوم على توازن الأسلحة، بل على احتكار الدولة للعنف المشروع في ظل سلطة مدنية خاضعة للمساءلة. وفي هذا السياق تبرز أهمية الاستفادة من الكفاءات الوطنية ذات الخلفية العسكرية، لا سيما الضباط وضباط الصف والجنود المتقاعدين الذين لديهم خبرة مهنية حقيقية في إعادة بناء المؤسسات النظامية، ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه الإخوة في القيادة المركزية العليا من الضباط وضباط الصف والجنود المتقاعدين من الجيش والشرطة والأمن، بخبرتهم التخصصية ورؤيتهم العلمية والعملية في الملفات. قضايا معقدة للغاية، مثل جمع الأسلحة، وإنهاء تعدد الجيوش، وبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والتخلص من المتفجرات ومخلفات الحرب، وإعادة تشكيل قوات مسلحة وطنية ومهنية بعقيدة جديدة تحمي الدستور والحدود، وليس السلطة السياسية. هؤلاء لا يقدمون أنفسهم كبديل عسكري جديد، بل كخبراء وطنيين (مدنيين، ذوي خلفية عسكرية) يمكنهم مساعدة دولتهم المدنية في بناء مؤسسة عسكرية وطنية حديثة ومهنية تخضع للدستور وقوانينه. وفي الوقت نفسه، فإن أي عملية إصلاح حقيقية لا يمكن أن تقوم على عقلية الانتقام أو الإقصاء الجماعي، بل على العدالة وسيادة القانون. إن نجاح التحول المدني يتطلب تقديم ضمانات للمؤسسة العسكرية النظامية بأنها ستكون جزءاً من الدولة الجديدة كمؤسسة وطنية مهنية، وليست هدفاً للتصفية السياسية أو التفكيك الانتقامي. أما الدور الإقليمي والدولي، فيجب أن يكون داعماً، وليس وصياً، من خلال وقف تدفق الأسلحة، ودعم جهود وقف الحرب، وتمويل برامج إعادة الإعمار وإعادة الإدماج، ودعم التحول المدني دون فرض أجندات خارجية أو إعادة إنتاج توازن القوى المسلحة داخل الدولة السودانية. لقد جرب السودان طويلاً حالة السيطرة والوصاية وأنصاف التدابير، ولم يحصد سوى الانقلابات والحروب والانقسامات والانهيار، وربما حان الوقت لتجربة المسار الآخر.. طريق الثقة في المكونات المدنية، وبناء دولة المؤسسات والقانون، وجيش وطني محترف يحمي الوطن.. ولا يحكمه. نحن لا نحرص على أن يموت الشباب من أجل حلم الدولة المدنية، بل نحرص بشدة على أن يعيشوا من أجل بناء هذه الدولة… ويستمتعوا بها. القضية ليست تمجيد التضحية من أجل التضحية، بل إنهاء الدورة التاريخية التي ظلت تستهلك دماء السودانيين جيلا بعد جيل، دون أن تمنحهم دولة مستقرة وعادلة. إن الهدف الحقيقي لأي مشروع وطني مسؤول هو حماية الحياة وبناء وطن لا يطلب فيه من كل جيل جديد أن يدفع ثمن الحرية بدمائه مرة أخرى. قد يرى مولانا سيف الدولة في مقترحه واقعية سياسية يفرضها توازن القوى الحالي، وربما أكون في هذا المقال أكثر التزاما بما (يجب) وليس بما (يكون)، لكن المؤكد هو أن هذا النقاش مهما اختلفت الآراء فيه، يجب أن يبقى نقاشا وطنيا محترما من أجل بناء سودان تحكمه المؤسسات، وليس البنادق. مؤلف




