اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-26 12:59:00
الدكتور محمد عبد الله في أواخر القرن العشرين، قدم الطبيب والمفكر المالطي إدوارد دي بونو نهجا بسيطا وعميقا في نفس الوقت. ولاحظ أن الناس، عندما يواجهون مشكلة معقدة، غالبا ما يقعون في فخ التفكير الأحادي؛ البعض لا يرى سوى المخاطر، والبعض الآخر لا يرى سوى الآمال، والبعض الآخر تحكمه العواطف أو الأيديولوجية. ومن هنا جاءت فكرته الشهيرة المعروفة باسم “القبعات الست”، وهو أسلوب يدعو إلى النظر إلى القضية الواحدة من زوايا متعددة: الحقائق، والمشاعر، والنقد، والتفاؤل، والإبداع، ومن ثم إدارة عملية التفكير نفسها. لو تأمل إدوارد دي بونو المشهد السوداني اليوم، فربما رأى أن المأزق يتجاوز الحرب والاقتصاد والسياسة إلى شيء أعمق: الطريقة التي ننظر بها إلى هذه الكارثة نفسها. إن الأمم، كالأفراد، تتعثر ليس فقط بسبب ما يحدث لها، بل أحيانا بسبب الزاوية التي تنظر منها إلى ما يحدث. السودانيون، في مواقفهم المختلفة، يرتدون قبعات مختلفة في الوقت نفسه، ويتحدثون بلغات ذهنية مختلفة، حتى أصبح الاتفاق على وصف الواقع نفسه مهمة شاقة. القبعة البيضاء: ماذا تقول الحقائق؟ عندما نرتدي القبعة البيضاء، نضع العواطف والاتهامات جانباً، ونسأل ببساطة: ماذا نعرف؟ نحن نعلم أن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 تحولت إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم. ونزوح ملايين النازحين داخل البلاد وخارجها، وانهيار واسع النطاق للبنية التحتية، وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وتعطل الخدمات الأساسية في مناطق واسعة. ونعلم أيضاً أن الاقتصاد، الذي كان يعاني أصلاً من اختلالات مزمنة، دخل مرحلة أشد من الانكماش والتفكك. هذه ليست وجهة نظر طرف في الصراع، بل هي حقائق يصعب على أي رواية سياسية تجاوزها. إن الحقائق، مهما كانت مؤلمة، تظل نقطة البداية الوحيدة لأي تفكير جدي في المستقبل. ريد هات: كيف يشعر السودانيون؟ الحقائق وحدها لا تحكي القصة بأكملها. وهناك خوف من أن يعيش في منازل لم تصلها القذائف بعد. هناك حزن شديد في نفوس من فقدوا أبنائهم أو بيوتهم أو ذكريات العمر. كما أن هناك غضباً متراكماً، غضباً من النخب السياسية، ومن العسكريين، ومن المجتمع الدولي، ومن القدر أحياناً. في مثل هذه اللحظات، يصبح من الخطأ التعامل مع الناس وكأنهم جداول إحصائية. لا تتأثر المجتمعات بالأرقام وحدها، بل بالمشاعر أيضًا. إن أي مشروع سلام يتجاهل الألم الجماعي محكوم عليه بالفشل، مهما بدا منطقيا على الورق. القبعة السوداء: ماذا يمكن أن يحدث إذا استمر المسار الحالي؟ هنا تأتي القبعة التي يسيء الكثيرون فهمها. القبعة السوداء ليست قبعة التشاؤم بل هي قبعة الحذر. إنه السؤال الذي لا يريد أحد أن يسمعه: ماذا لو استمرت الأمور على ما هي عليه؟ وإذا استمرت الحرب، فإن خطر تفكك مؤسسات الدولة سيزداد. وإذا استمر الانهيار الاقتصادي، فستتحول الهجرة من خيار إلى ضرورة لأعداد أكبر من الشباب والمتخصصين. وإذا استمر الاستقطاب السياسي الحاد، فقد يصبح بناء الثقة الوطنية أكثر صعوبة بمرور الوقت. إن التفكير في أسوأ الاحتمالات ليس استسلاماً لها، بل هو محاولة لتجنبها قبل أن تصبح واقعاً دائماً. ويعلمنا التاريخ أن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجيا عندما تعجز عن رؤية المخاطر التي تواجهها. القبعة الصفراء: أين تكمن الفرص؟ قد يبدو الحديث عن الفرص في خضم الحرب نوعاً من السذاجة، لكنه في الحقيقة ضرورة. السودان، رغم كل ما حدث، لا يزال يمتلك ثروات طبيعية هائلة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وكتلة بشرية شابة، وجاليات واسعة في الخارج تحافظ على روابط قوية مع الوطن. لقد خرجت دول كثيرة من حروب أهلية أكثر تدميرا مما يشهده السودان اليوم. ولم يكن سر نجاحها أنها تجنبت الكارثة، بل أنها امتلكت القدرة على إعادة تعريف نفسها بعد الكارثة. إن المأساة الحالية، رغم قسوتها، قد تكون فرصة لإعادة التفكير في شكل الدولة، وطبيعة العلاقة بين المركز والمناطق، ودور المؤسسة العسكرية، ومفهوم المواطنة نفسه. القبعة الخضراء: ما هي الأفكار التي لم نجربها بعد؟ وهنا يبدأ التفكير الإبداعي. لا يتم حل الأزمات الكبرى دائمًا بالأدوات التي خلقتها. لعقود من الزمن، ظل السودان يمر بنفس الدورة: انقلاب، ثم انتقال، ثم أزمة، ثم اتفاق، ثم انقلاب جديد. ولعل الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن الأدوات القديمة ستؤدي إلى نتائج مختلفة. وماذا لو تم نقل بعض صلاحيات الدولة بشكل حقيقي إلى الأقاليم؟ ماذا لو تم تصميم عقد اجتماعي جديد على أساس التنوع السوداني بدلا من محاولة استيعابه بالقوة؟ وماذا لو أصبح الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا جزءاً من مشروع إنقاذ وطني لا يقل أهمية عن إعادة الإعمار المادي؟ هذه ليست حلولاً جاهزة، لكنها أسئلة ضرورية. غالبًا ما يبدأ الإبداع السياسي بسؤال لم يجرؤ أحد على طرحه. القبعة الزرقاء: كيف ندير التفكير في المستقبل؟ القبعة الزرقاء هي قبعة القيادة الفكرية. فهو لا يبحث عن الإجابات بقدر ما ينظم عملية البحث عنها. المعضلة السودانية ليست نقص الآراء؛ وقد يكون للبلد آراء أكثر مما تحتاج. المشكلة الحقيقية هي غياب الإطار الشامل الذي يسمح بتحويل هذه الآراء إلى مشروع وطني قابل للحياة. إن ما يحتاجه السودان اليوم ليس مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، على الرغم من أهميته، بل اتفاق على كيفية التفكير في المستقبل. إن الدول التي تنجو من الأزمات الكبرى هي تلك القادرة على تجاوز التساؤل: «من المسؤول؟» على السؤال: “ماذا نفعل الآن؟” الخلاصة: إذا طبقنا منهج إدوارد دي بونو في التعامل مع السودان، سنكتشف أن كل قبعة تكشف جانبا من الحقيقة، لكنها لا تحتوي على الحقيقة كاملة. الحقائق مهمة، والمشاعر مهمة، والحذر مهم، والأمل مهم، والإبداع مهم. والأهم من ذلك كله هو القدرة على التنقل بينهم دون أن يصبحوا أسرى لأي منهم. أمضى السودان سنوات طويلة يبحث عن المنتصر في صراعاته السياسية والعسكرية، فيما كانت الخسارة تتسع لتشمل الجميع. وربما حان الوقت للبحث عن شيء آخر: طريقة أفضل للتفكير في الأمة والدولة والمستقبل. إن إعادة بناء البلدان لا تبدأ بالجسور والطرق وحدها، بل بالأفكار التي يتبناها الناس عندما يتخيلون كيف قد يكون الغد. قبل أن يجد السودان طريقه إلى الخلاص، عليه أولاً أن يجد طريقة مختلفة للتفكير فيه.muhammedbabiker@aol.co.uk الكاتب




