اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-17 11:52:00
د. أماني الطويل مستشارة مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وخبيرة في الشؤون الإفريقية، عندما أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عجزها عن جمع طرفي الحرب السودانية على طاولة واحدة، وحين دوى الانفجارات قرب مطار الخرطوم الدولي في 5 مايو 2026، لم تكن تلك مجرد تطورات متفرقة، بل إشارات متقاطعة تعيد تشكيل حوافز الأطراف الأساسية في الصراع السوداني في ظل ضغوط خارجية دون أفق تفاوضي. يجمد الانقسامات داخل معسكر الجيش مؤقتا، لكنه يتراكم في المستقبل. وفي الوقت نفسه، شروط حروب ما بعد النصر. وفي هذا السياق، تتزايد أهمية الدور المصري باعتباره المتغير الإقليمي الأكثر قدرة على التأثير في مسار الأزمة. ويمكن رصد مفارقة حادة في قلب المشهد السوداني الحالي، وهي أنه كلما زادت الضغوط الخارجية على أطراف الصراع، كلما توطدت التحالفات الظرفية داخل معسكر الجيش السوداني وحلفائه، ليس بحكم مشروع سياسي شامل، بل بحكم منطق البقاء والمصلحة الآنية. وحين أكد مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، وبدعم من وزير الخارجية ماركو روبيو، أن واشنطن لا تملك القدرة على جمع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في مفاوضات مباشرة، وأن مبادرة مؤتمر برلين هي أحدث المبادرات، فإن هذا الاعتراف لم يكن مجرد اعتراف بالعجز الدبلوماسي، بل إعادة رسم عملية لخارطة الحوافز الداخلية لجميع الأطراف. على هذا الخط الرفيع بين التنسيق الظرفي والانقسام المؤجل، يترنح السودان اليوم. أخطر ما في هذا المشهد هو أنه لا يقترب من نهاية فورية للحرب، إذ يتقدم الجيش على الأرض في عدة محاور، لكن تقدمه العسكري لا يترجم تلقائيا إلى تسوية سياسية، في حين تشدد قوات الدعم السريع قبضتها على مساحات واسعة من دارفور وأجزاء من كردفان، معتمدة على شبكات التمويل والتسليح الإقليمية التي لم تنقطع تماما. وبين هذين القطبين، يقف حلفاء الجيش، من حركات مسلحة وحركات إسلامية، في موقف المراقب الحذر، الذي يزن حجم استثمارهم في الحرب مع التكاليف التي تعقبها. وفي هذا السياق، تكشف تفاصيل المشهد العسكري انخراط ثلاثة أطراف إلى جانب الجيش السوداني، اختلفت مصالحهم وأهدافهم، رغم توحدهم في عداءهم للدعم السريع. الطرف الأول هو الحركات المسلحة التي وقعت اتفاق جوبا للسلام في أكتوبر 2020، ومن بينها حركة مني أركو مناوي وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وهما حركتان دارفوريتان دخلتا التحالف تحملان في جيوبهما اتفاقا يفوق في نظرهم أي ترتيب دستوري مقبل، يطالب بضمانات واضحة في الحكم والموارد والتمثيل العسكري في فترة ما بعد الحرب. أما الطرف الثاني فهو الحركة الإسلامية، بشبكاتها داخل مؤسسات الدولة وتشكيلاتها الحشدية، التي عاودت الظهور بقوة منذ اندلاع الحرب، مراهنة على أن المعركة العسكرية هي بوابة استعادة النفوذ السياسي المفقود منذ ثورة ديسمبر/كانون الأول 2019. لكن مسار العقوبات الأميركية المتتالية على قيادات هذه الحركة بدأ يقيد حركتها على المستوى الإقليمي، ويضيق هامش مناورتها الاقتصادية والدبلوماسية، مما يجعل أي تطبيع خليجي أو غربي مع الخرطوم تهديدا مباشرا لمشروع إعادة تموضعها. مكسب مشترك. أما الطرف الثالث فهو الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة مالك عقار، التي تواصل توسعها العسكري في ولاية النيل الأزرق باتجاه الدمازين، ولها شراكة ميدانية فاعلة مع الجيش، لكنها تحمل في طياتها حساسيات كبيرة تتعلق بمصير جبال النوبة ومناطق جنوب النيل الأزرق ومدى جاهزية الجيش لتقاسم السلطة في مرحلة ما بعد الصراع. وينتج عن هذا الثلاثي معًا هيكل ائتلافي يجمعه عدو مشترك، وليس برنامجًا سياسيًا واحدًا. لقد اتجهت المؤسسة العسكرية السودانية تاريخياً نحو الشراكات الوظيفية بدلاً من الشراكات الهيكلية، أي تلك الشراكات التي تعيد إنتاج مركزية صنع القرار بمجرد استعادة التوازن، ومن ثم تهميش الحلفاء في الأطراف. وهذا بالضبط ما دفع الفصائل الدارفورية للمطالبة برفع اتفاق جوبا إلى مستوى الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية منذ توقيعه، خوفا من تكرار تجارب الاستيعاب الفاشلة التي عاشتها القوات المسلحة السودانية في المراحل السابقة. إضراب المطار وإعادة تأطير الصراع مساء يوم 5 مايو/أيار 2026، دوّت انفجارات بالقرب من مطار الخرطوم الدولي، الذي استقبل قبل أيام قليلة أولى رحلاته الدولية منذ ثلاث سنوات، في لحظة رمزية أعلنت استئناف ربط العاصمة بالعالم. وأرجع الجيش السوداني الهجوم إلى إثيوبيا، في سياق التوتر الثنائي الذي تراكم منذ تمركز القوات السودانية في منطقة الفشقة المتنازع عليها نهاية عام 2020، وما تبعه من اتهامات إثيوبية للجيش السوداني بدعم قوات إقليم تيغراي، مقابل اتهامات سودانية لأديس أبابا بدعم الجماعات المسلحة في الجنوب ضمن معادلة إقليمية شديدة التشابك. وقد أدت هذه الضربة وظيفة غير مقصودة لصالح تماسك معسكر الجيش: فالتهديد الخارجي يوقف الخلاف الداخلي مؤقتاً، لأن كل طرف يدرك أن الانسحاب من التحالف في لحظة الضغط يعني خسارة كل ما استثمره من دماء وموارد وبطاقة تفاوض. وتتقاسم الحركات المسلحة التي نشأت في المناطق الحدودية مثل النيل الأزرق وجنوب كردفان مصلحة مباشرة مع الجيش في الحفاظ على السيادة الإقليمية. والحقيقة أن أي تقاعس عسكري في مواجهة الهجوم الإثيوبي من شأنه أن يؤدي إلى تآكل مصداقية الجيش في مواجهة حلفائه وليس في مواجهة خصومه. لكن هذه الضربة لها وجه آخر في معادلة الجيش مع قوات الدعم السريع، وهو أن انشغال الجيش بجبهة إقليمية موازية يقلل الضغط العسكري على قوات الدعم السريع في بعض المناطق. في موازاة ذلك، أدى الإعلان الأمريكي عن عدم القدرة على الجمع بين الطرفين إلى تحول عميق في النموذج الدبلوماسي المعتمد للوساطة من نموذج “جدة” الذي يقوم على الضغط المتوازن على طرفي الصراع، إلى نموذج مؤتمر برلين، الذي يضفي الشرعية ضمنا على الجيش السوداني كمحاور رئيسي للمجتمع الدولي، بينما تبقى قوات الدعم السريع خارج أي إطار تفاوضي رسمي. ولهذا التحول وجهان متناقضان في الوقت نفسه: من ناحية، يعزز موقف الجيش أمام حلفائه الداخليين، حيث أصبح لديه غطاء دولي يمنح الشرعية لمساره، ومن ناحية أخرى، فهو يزيل الضغوط الخارجية التي كانت تسحب هؤلاء الحلفاء نحو التنسيق تحت سقف واحد. وعندما تقل حدة الضغوط الخارجية، يبدأ كل طرف بحساب ما يجب أن يحصل عليه قبل توقف القتال، وليس بعده، وتتحول التحالفات الوظيفية إلى سوق تفاوض داخلي يصعب السيطرة على نتائجه. إضافة إلى ذلك، فإن تصريحات بول وروبيو تحمل رسالة غير معلنة لقوات الدعم السريع مفادها أن الطريق إلى التسوية المدعومة أميركياً مغلق أمامهم، مما يبقي لهيب الصراع مشتعلاً حتى في ظل الإرهاق العسكري المتراكم لدى الجانبين. وهذا على وجه التحديد ما يجعل من المرجح أن تمتد الحرب دون وجود آفاق واضحة للتسوية، وأن تظل مناطق الاحتكاك العسكري مثل كردفان بؤراً ساخنة مشتعلة تغذي وتعيد إنتاج دائرة العنف. الموقف المصري في ظل تقديرات استمرار الحرب عند قراءة هذه المعطيات مجتمعة: استمرار الحرب دون أفق تفاوضي، وتحول النموذج الدبلوماسي الأمريكي، وهشاشة التحالفات الداخلية لمعسكر الجيش، وتصاعد التوتر الإقليمي مع إثيوبيا. ومن هنا يصبح الدور الإقليمي المصري المتغير هو الأكثر إلحاحاً وقدرة في الوقت نفسه. وتحمل القاهرة ثلاث أوراق لا تملكها القوى الإقليمية الأخرى، وهي القدرة العسكرية، والعمق الجغرافي، فضلاً عن ورقة اللاجئين المتواجدين على أراضيها. ويبدو أن هذه الأوراق تحتاج إلى تفعيل في المرحلة المقبلة في ظل استمرار الحرب السودانية واحتمال تفكك الدولة السودانية، بالإضافة إلى الفراغ السياسي الحالي، وكلها تشكل تهديدا للمصالح المصرية الجوهرية. وفي هذا السياق، يبدو أن هناك فرصة للدبلوماسية المصرية، خاصة وأن القاهرة لديها مجالات أساسية للاتفاق مع الرياض، ولعل ذلك من شأنه أن يخلق مجالات تفاهم عربية ترتكز على عدد من النقاط، من بينها صياغة معادلات ما بعد الحرب، أي طبيعة الأطراف السياسية المشاركة في هذه المعادلات، وأيضاً الاتفاق على أوزان حلفاء الجيش الميدانيين بما يجعل الاستقرار السياسي والحفاظ على دولة السودان ممكناً وقادراً على تلبية المصالح الخليجية والمصرية عموماً، كانتصار عسكري لـ فالجيش دون تسوية سياسية يعالج جذور الأزمة الهيكلية في السودان سيؤدي إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار السوداني الذي يهدد الأمن المصري من الجنوب. وعليه فإن التوافق الإقليمي على معادلات ما بعد الحرب من خلال التفاهم مع أبوظبي قد يكون مخرجاً لجميع الأطراف السودانية والإقليمية مجتمعة. وبشكل عام، فإن وقائع استمرار حرب السودان تتطلب من مصر الانتقال من الشراكة الوظيفية مع الجيش إلى رعاية عملية سياسية أوسع تشارك فيها الحركات المسلحة المتحالفة في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب، وأن تقدم للمجتمع الدولي رؤية متكاملة لتسوية دستورية تعيد رسم العلاقة بين المركز والأطراف، وتوظيف ثقلها في اللجنة الرباعية الدولية لتحويل مؤتمر برلين من محطة دبلوماسية إلى إطار تفاوضي حقيقي. نقلا عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الكاتب




