اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-15 11:26:00
زهير عثمان لم تعد الحرب في السودان، التي اندلعت في 15 أبريل 2023، مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين يتنافسان على السلطة. بل تحول مع مرور الوقت إلى واقع يومي يعيد تشكيل حياة السودانيين في أصغر تفاصيلها. في بلد تصفه تقارير الأمم المتحدة بأنه يشهد إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع نزوح ملايين المدنيين وانهيار واسع النطاق في الخدمات الأساسية، لم يعد من الممكن فهم ما يحدث على أنه صراع سياسي فقط، بل حالة من التفكك العميق لمفهوم الدولة نفسها، مع تراجع مؤسسات الدولة وانهيار سلاسل الإمداد، وظهر اقتصاد مواز يعمل خارج القانون والرقابة، ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان واحتياجاته الأساسية. وفي هذا الواقع الجديد، لم يعد الطب مجرد وسيلة علاج، بل أصبح جزءا من سوق خطير تتقاطع فيه الأدوية المهربة والمقلدة والمنتهية الصلاحية، في ظل غياب شبه كامل للرقابة الصحية وانقطاع الإمدادات الرسمية. وفي مناطق واسعة من دارفور وكردفان وغرب السودان، يحكي المرضى أنهم اضطروا لاستخدام أدوية منتهية الصلاحية بعد نفاد العلاج الأساسي للأمراض المزمنة، ما أدى إلى تدهور حالتهم الصحية وعودة بعضهم إلى مراحل التعافي. وفي شهادات طبية متعددة، يحذر المختصون من أن هذه الأدوية لا تفقد فعاليتها فحسب، بل قد تتحول في بعض الأحيان إلى مركبات ضارة أو سامة، خاصة مع سوء التخزين وانقطاع شروط الحفظ الأساسية كالتبريد والنقل الآمن، ومع استمرار انهيار العرض الرسمي للأدوية، لتشكل ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد الظل الدوائي”، الذي انتقلت فيه تجارة الأدوية من المؤسسات المنظمة إلى الأسواق العشوائية. وفي هذا الاقتصاد، تعمل الصيدليات في بيئة تنظيمية ضعيفة أو شبه معدومة، في حين دخلت جهات غير متخصصة إلى سوق الدواء. لقد أصبح نقل وتخزين الأدوية يتم خارج المعايير العلمية. وفي كثير من الأحيان يتم خلط المنتجات الأصلية مع المنتجات المقلدة، دون قدرة المواطن الحقيقية على التمييز بين ما هو آمن وما هو خطير. وتشير شهادات العاملين في القطاع الصحي إلى أن نسبة كبيرة من الأدوية المتداولة في بعض المناطق تصل عن طريق التهريب من دول مجاورة، في حين يتم إعادة تعبئة بعضها داخل البلاد لإخفاء مصدرها الحقيقي، في ظل اقتصاد حرب يتغذى على الفوضى وغياب الدولة. ولم يتوقف هذا الانهيار عند حدود الطب، بل امتد إلى النظام الصحي نفسه، حيث تعمل المستشفيات والمراكز الطبية في ظروف طارئة. ومع محدودية الإمكانيات وانقطاع التيار الكهربائي ونقص المستلزمات وتراجع الكوادر الطبية، كل هذه العوامل جعلت تقديم الخدمات الصحية بالحد الأدنى أمراً صعباً للغاية، في حين تم تسجيل حالات مضاعفات ووفيات مرتبطة بسوء التخزين أو غياب المعدات الأساسية. في موازاة ذلك، يواجه قطاع التعليم في السودان انهيارا لا يقل خطورة. وتوقفت آلاف المدارس عن العمل، وتحول بعضها إلى ملاجئ للنازحين، فيما يعمل بعضها الآخر بشكل جزئي وغير منتظم، مما يعرض جيلاً كاملاً لخطر الانقطاع الطويل عن التعليم. ولا يمثل هذا الانقطاع مجرد أزمة مؤقتة، بل يمثل تهديدا عميقا لمستقبل البلاد الاجتماعي والمعرفي في بلد كان يعاني أصلا من هشاشة تعليمية قبل الحرب. وفي ظل تعدد مراكز السيطرة العسكرية واتساع نطاق الصراع، تراجعت قدرة الدولة المركزية على أداء وظائفها الأساسية، خاصة في السيطرة على الأسواق وحماية الخدمات. تعيش المدن السودانية اليوم حالة من التشتت الإداري، مع تداخل السلطات. وتضعف الرقابة، بينما تنمو في الفراغ شبكات التهريب والاقتصاد غير الرسمي الذي يستفيد من استمرار الحرب. في هذا المشهد، لم يعد المواطن يحمل كامل وضعه كمواطن صاحب حقوق، بل تحول تدريجياً إلى «ناجي» يبحث يومياً عن الحد الأدنى من شروط الحياة. ولم يعد الهدف الاستقرار أو التنمية، بل مجرد الحصول على الغذاء والدواء والأمان. وتشير التقارير الإنسانية في بعض المناطق إلى لجوء بعض الأسر إلى بدائل غذائية قاسية للبقاء على قيد الحياة في ظل شح الموارد وانهيار الأسواق. إن ما يحدث في السودان اليوم يتجاوز حدود الحرب التقليدية، ويصل إلى التفكك العميق. وفي هيكل الدولة ووظائفها الأساسية، عندما ينهار النظام الصحي، ويتعطل التعليم، ويغيب الرقابة، وتنتشر الفوضى المسلحة، تصبح الدولة مجرد منطقة جغرافية لا قدرة لها على حماية حياة مواطنيها. إن إعادة بناء السودان لا يمكن أن تبدأ من التسوية السياسية وحدها، بل من إعادة تأهيل فكرة الدولة نفسها: الدولة التي تحمي الناس أولاً، وتضمن حقهم في العلاج والتعليم والأمان. وبدون ذلك لن يكون الحديث عن «السودان الموحد» إلا وصفاً جغرافياً، وليس واقعاً سياسياً أو إنسانياً. zuhair.osman@aol.com




