اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-25 13:05:00
د. أماني الطويل مستشارة مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية وخبيرة في الشئون الإفريقية. لم يعد من الممكن النظر إلى الحرب السودانية على أنها صراع داخلي بحت، أو حتى امتداد تقليدي لأزمات الدولة الوطنية في أفريقيا. بل إن هذه الحرب والتفاعلات المرتبطة بها بين أطراف العملية السياسية تتشكل بشكل متزايد ضمن سياق إقليمي ودولي أكثر تعقيدا، تمثل فيه المواجهة مع إيران أحد أهم محدداتها الملحة. التصعيد العسكري ضد طهران لم يعيد ترتيب أولويات القوى الكبرى في الشرق الأوسط فحسب، بل أعاد رسم خرائط الصراع لدى الأطراف، أبرزها السودان، الذي تحول من ساحة هامشية إلى عقدة عند التقاطع بين أمن البحر الأحمر، وشبكات الإسلام السياسي، واستراتيجيات الاحتواء الدولية. وفي هذا السياق، لم يعد فهم ديناميكيات وقف الحرب السودانية ممكناً دون الأخذ في الاعتبار هذا المتغير الجديد الذي يفرض نفسه ليس فقط على مسارات التسوية، بل أيضاً على طبيعة الفاعلين أنفسهم، وشرعيتهم، وحدود إشراكهم في أي ترتيبات سياسية مقبلة. تاريخياً، لم تكن العلاقة بين السودان وإيران عابرة أو ظرفية، بل قامت على تقاطعات أيديولوجية واستراتيجية عميقة منذ صعود الإسلاميين إلى السلطة عام 1989، عندما شكلت الثورة الإيرانية ما يمكن تسميته بـ”النموذج الملهم” للنخبة الإسلامية السودانية، وفتحت العقوبات الدولية على السودان الطريق أمام تعاون أمني وعسكري امتد لعقود من الزمن، بما في ذلك التدريب وبناء القدرات وتطوير الصناعات العسكرية. ومع اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، رأت الحركات الإسلامية فرصة لإعادة تموضعها داخل المؤسسة العسكرية، مستفيدة من انهيار عملية الانتقال السياسي والحاجة المتزايدة لحشد الموارد البشرية لمواجهة قوات الدعم السريع، وهو ما يفسر تقاطع الحرب السودانية مع الحرب على إيران، ليس فقط من حيث التشابه الأيديولوجي، ولكن أيضا من حيث شبكات المصالح والاتصالات العابرة للحدود. ومع اندلاع المواجهة العسكرية مع إيران عام 2026، دخل السودان مرحلة جديدة من إعادة التموضع ضمن الخريطة الاستراتيجية الإقليمية، إذ لم تعد حرب السودان مجرد ساحة صراع داخلي، بل أصبحت جزءا من الهامش النشط للصراع الأوسع. وفي الوقت الذي تسعى فيه القوى الدولية إلى احتواء النفوذ الإيراني خارج نطاقه المباشر، انعكس ذلك في الاهتمام الدولي المتزايد بأمن البحر الأحمر، وفي إعادة تقييم موقع السودان كحلقة وصل بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط، وفي القلق المتزايد بشأن إمكانية أن يصبح منصة خلفية للشبكات المرتبطة بطهران. وفي هذا السياق، لم تعد الحرب السودانية تُقرأ فقط في إطار الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل من زاوية أوسع تتعلق بإعادة تعريف الفاعلين، ومدى ارتباطهم بالمحاور الإقليمية المتصارعة، وقدرتهم على ذلك. لقد أصبح الاندماج في النظام الدولي أكثر حساسية تجاه الإسلام السياسي العابر للحدود. ومثل تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية، نقطة تحول في هذا المسار، حيث لم يقتصر أثره على تقليص المساحة السياسية لهذه الجماعة، بل امتد إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة بشكل كامل، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو في إطار التفاعلات الدولية مع الأزمة السودانية. ويعكس هذا التصنيف تحولا في النظرة الدولية لطبيعة الصراع، من كونه نزاعا على السلطة إلى كونه ساحة محتملة لتوسع الشبكات الأيديولوجية المرتبطة بإيران، وهو ما يفرض قيودا صارمة على إمكانية دمج هذه القوى في أي تسوية سياسية. وفي الوقت نفسه، يخلق هذا الوضع، بحسب رأي البعض، معضلة، إذ أن إقصاء الإسلاميين، رغم المكاسب التي قد يجلبها، قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع السوداني الداخلي، نظرا لعمق تغلغلهم في بنية الدولة والمجتمع السوداني، وقدرتهم على إعادة إنتاج أنفسهم بأشكال تنظيمية وعسكرية جديدة. وفي هذا السياق، لم يعد حضور الإسلاميين في الحرب السودانية هامشيا، بل أصبح أكثر وضوحا، حيث تسعى هذه القوى إلى استعادة دورها السياسي والعسكري. ومع الاستفادة من حالة السيولة التي فرضتها الحرب، لم يعد هذا الحضور يُنظر إليه في سياق داخلي فقط. بل أصبحت مرتبطة، في نظر العديد من الجهات الدولية، بشبكات أوسع قد تمتد إلى إيران، ما يضاعف حساسية التعامل معها، ويضعها في قلب المعادلة الأمنية الإقليمية، وليس فقط في إطار التوازنات السودانية. وتشير بعض التقديرات الدولية إلى أن السودان أصبح يستخدم ساحة اختبار لتداعيات الحرب على إيران، حيث تتقاطع استراتيجيات الاحتواء مع متطلبات الاستقرار، في ظل تزايد الوعي بضرورة الخروج من هذا الصراع. ومن دون رقابة، قد يفتح المجال أمام إعادة هيكلة شبكات النفوذ الإيراني في منطقة البحر الأحمر، وبالتالي فإن أي طريق لوقف الحرب أصبح مشروطا ضمنا أو صراحة بإعادة هيكلة الجهات الفاعلة، وضمان عدم تمكين القوى المصنفة كإرهابية من لعب دور في المستقبل السياسي للبلاد. لكن هذا التوجه يعكس أيضاً تحولاً في أولويات القوى الدولية، التي أصبحت الآن تميل، في معظمها، إلى دعم أشكال الاستقرار الوظيفي، حتى لو جاء ذلك على حساب التحول الديمقراطي، وهو ما يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل القوى المدنية السودانية، وطبيعة القوى المدنية السودانية. النظام السياسي الذي يمكن أن ينشأ عن هذه الترتيبات. وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن هناك مخاوف من تزايد احتمالات تدويل الصراع، وتحويل السودان إلى ساحة مواجهة بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية. وهنا تعتبر الحرب على إيران عاملاً مسرعاً لهذه الديناميكيات، وليس مجرد متغير خارجي، مما يضع الاتحاد الأفريقي ودول الجوار أمام تحديات غير مسبوقة تتعلق بكيفية احتواء الأزمة دون الانزلاق إلى صراعات أوسع. سيناريوهات متعددة في ضوء هذه المعطيات، هناك سيناريوهات متعددة محتملة لوقف الحرب. ويمثل السيناريو الأول تسوية مشروطة تستثني الفصائل الإسلامية المصنفة إرهابية، لكنها تواجه مخاطر الاستدامة في ظل احتمالات التمرد وإعادة إنتاج العنف. ويميل السيناريو الثاني إلى تعميق الحرب بالوكالة، حيث يتحول السودان إلى ساحة صراع غير مباشر بين المحور المناهض لإيران والشبكات المرتبطة بها، والإسلاميين السودانيين المتعاطفين معها، مما قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب. تعقيد مسارات التسوية. أما السيناريو الثالث فهو مرتبط بإمكانية التوصل إلى اتفاق إقليمي أوسع يخفف التوتر مع إيران، وهو ما سينعكس إيجابا على السودان، لكنه يظل خاضعا لتطورات يصعب التنبؤ بها على المدى القريب. وفي قلب هذه التفاعلات، تبرز دلالات استراتيجية مهمة لكل من مصر والسعودية، اللتين تواجهان تحدياً مزدوجاً يتمثل في ضرورة الحفاظ على استقرار السودان ومنع انهياره، وفي الوقت نفسه منعه من أن يصبح منصة نفوذ لقوى إقليمية أخرى، خاصة في ظل أهميته المتزايدة. وبالنسبة للبحر الأحمر في معادلات الأمن القومي العربي، فإن القاهرة والرياض مطلوب منهما تبني نهج متعدد الأبعاد، يجمع بين دعم الدولة الوطنية السودانية، والعمل على احتواء الفاعلين الأيديولوجيين، وتعزيز الأطر الإقليمية للتسوية، بما يضمن تقليل فرص الحروب بالوكالة على الأراضي السودانية، والحفاظ على التوازنات الإقليمية. في النهاية، تكشف الحرب على إيران حقيقة تتجاوز الحالة السودانية، وهي أن الصراعات المحلية لم يعد من الممكن فصلها عن السياقات الإقليمية والدولية، وأن مسارات السلام لم تعد تتشكل إلا في الداخل. حدود الدولة ولكن في ظل توازنات أوسع تعيد تعريف مفهوم السيادة ذاته. وفي هذا السياق، سيظل مستقبل السودان مرهونا ليس فقط بقدرة أطرافه على التوصل إلى تسوية، بل أيضا بمدى نجاح القوى الإقليمية والدولية في إدارة تناقضاتها، وفي منع هذا البلد من الانزلاق إلى موقع متقدم في صراع لا يملك أدوات التحكم في مساراته. ولذلك، لم يعد السؤال فقط كيف نوقف الحرب في السودان، بل كيف يمكن إعادة دمجه في نظام إقليمي يتشكل في أعقاب صراع يمتد من إيران إلى البحر الأحمر، ويعيد رسم خرائط النفوذ. والشرعية في نفس الوقت. مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية




