السودان – السودان.. مأساة الوطن الذي لم يصبح أمة

أخبار السودان17 مارس 2026آخر تحديث :
السودان – السودان.. مأساة الوطن الذي لم يصبح أمة

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-17 19:17:00

د. محمد عبد الله من بين الأكاديميين الذين بحثوا في أفريقيا، المؤرخ الفرنسي جيرار برونييه* له صوته الخاص. وهو ليس ممن يكتبون عن القارة من خلف المكاتب أو في أروقة مراكز الأبحاث. رجل سار على دروب الحرب، من رواندا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومن إثيوبيا إلى السودان. ولعل هذا ما جعله أقل اهتماماً باللغة الدبلوماسية عندما رسم صورة لما رآه. ولذلك كانت أحكامه في شأن السودان قاسية، وأحياناً قاسية. وفي كتاباته خيط منتظم يفسر المأساة السودانية: يتعامل العالم مع السودان كدولة قائمة، ليس لأن الوقائع تؤكد ذلك، بل لأن الاعتراف بانهياره الكامل يعني فتح أبواب الفوضى على منطقة بأكملها. أما ما يراه برونييه على الأرض فهو مختلف جذرياً: كيان يدمر نفسه، وتتفكك أجزاؤه يوماً بعد يوم. قد يبدو هذا الحكم قاسيا، لكن تاريخ السودان الحديث يضعه في سياق لا يرحم. منذ الاستقلال، لم يذوق السودان الاستقرار طويل الأمد. حروب في الجنوب استمرت عقوداً وانتهت بالانفصال، ثم تمزق في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وأخيراً حرب ضروس في رحم العاصمة نفسها. ويلفت برونييه، الذي درس نماذج أفريقية متعددة، انتباهه إلى شيء رائع: لقد فشل السودان حيث نجح الآخرون. وفي إثيوبيا ورواندا، ورغم المآسي، ظلت فكرة الدولة صعبة الانهيار تماما. وفي السودان، بقي الولاء العاطفي محصوراً في دوائر ضيقة: القبيلة أو الطائفة أو المنطقة. ولتقريب الصورة، يقارن برونييه بين السودان ومصر. وفي مصر، تشكل وعي وطني عميق على مدى قرون. المصري، حتى في أشد لحظات غضبه على الحكومة، يرى في الدولة امتدادًا لهويته وتاريخه. ولذلك، حتى في أحلك الأزمات، ظلت مؤسسات الدولة في مكانها. وفي السودان، ظهرت الدولة الحديثة كإطار إداري فرضه الحكم التركي ثم البريطاني. وعلى مدى تاريخ طويل، لم ينصهر سكان هذه المنطقة الشاسعة في بوتقة واحدة. اجتمعت الشعوب والقبائل تحت سقف واحد دون مشروع وطني شامل. أصبحت الدولة شكلاً إداريًا وليس كيانًا عاطفيًا. وتظهر هذه الفجوة بوضوح في العلاقة مع العاصمة. القاهرة في الوجدان المصري هي قلب الدولة النابض. أما الخرطوم فبقيت في نظر العديد من المناطق مركزاً للسلطة والثروة. لم تكن العلاقة تتعلق بالانتماء بقدر ما كانت تتعلق بالخوف أو المصلحة. وتفسر هذه المعادلة ما حير الكثيرين: لماذا تتحول المنافسات السياسية في السودان إلى حروب وجودية؟ وفي العديد من البلدان، تظل مؤسسات الدولة خطًا أحمر حتى في ذروة الصراع، لأنها تمثل الجميع. لكن عندما لا يكون لهذه المؤسسات جذور في الوجدان، فإن سقوطها لا يبدو كارثة على الجميع. وهنا يصل برونييه إلى صيغته الشهيرة: مصر «أمة أسست دولة»، والسودان «دولة تبحث عن أمة». جملة قاسية، لكنها تلخص مشكلة تاريخية لا يزال السودان يدفع ثمنها حتى اليوم. ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة تماما. يلاحظ العديد من زوار السودان مفارقة ملحوظة: مجتمع غني بالصفات الإنسانية النادرة؛ الكرم الواسع والتضامن الاجتماعي العميق والروابط الإنسانية القوية. المشكلة ليست في الشعب، بل في عدم قدرة هذه القيم على التحول إلى عقد سياسي يحمي الدولة ويعطيها معنى مشتركا. فالخطر الحقيقي يبدأ عندما تضعف السلطة المركزية في بلد شاسع كالسودان. ويرى فيبرونييه، مستذكرا تجربتي الصومال والكونغو، أن انهيار الدولة مع صعود التعصب المحلي يؤدي إلى ما يشبه «التفكك البطيء». الدولة لا تموت فجأة، بل تتحول تدريجياً إلى خريطة متنافرة لمناطق النفوذ. وفي السودان قد يكون المشهد أكثر تعقيدا. إن الجغرافيا الشاسعة وتعدد المكونات يجعل من الصعب على طرف واحد حل الصراع عسكريا، كما حدث في رواندا. ولذلك، يخشى برونييه من سيناريو «التقسيم الفوضوي»، حيث تدير كيانات محلية نفسها بحكم الأمر الواقع، دون اعتراف دولي واضح، كما حدث في بعض مناطق القرن الأفريقي. في هذا السيناريو يبقى اسم السودان على الخرائط، لكنه يتحول إلى قوقعة فارغة. وتصبح البلاد فسيفساء من المناطق المتحاربة، وقد تتوقف الحروب أحياناً، ليس لأن السلام تحقق، بل لأن كل طرف انسحب داخل حدوده. ومع ذلك، فإن المستقبل ليس مغلقا. التاريخ لا يسير دائمًا وفقًا لما يتوقعه الخبراء. لقد أثبت السودانيون أكثر من مرة قدرتهم على مفاجأة العالم، سواء في الانتفاضات التي أطاحت بأنظمة قائمة، أو في لحظات التضامن النادرة التي عبرت عن حلم جماعي بدولة للجميع. والسؤال اليوم ليس فقط كيف تنتهي الحرب، بل كيف يتحول السودان من «كيان إداري» إلى فكرة وطنية موحدة. لا تعتمد الدول على الجغرافيا وحدها، بل على المعنى الذي يمنحه الناس لها. إذا تمكن السودانيون من بناء هذا المعنى المشترك، فقد يولد السودان الذي يستحقونه. لكن إذا ظلت القبيلة والمنطقة هي الملاذ الأخير، فسيظل السودان -كما وصف برونييه- بلدا يبحث عن وطن لم يرى النور بعد. جيرارد برونييه هو مؤرخ وباحث فرنسي متخصص في الشؤون الأفريقية ومنطقة القرن الأفريقي، ويعتبر من أبرز الخبراء الغربيين في قضايا السودان ورواندا والصومال. عمل مستشارا لوزارة الدفاع الفرنسية والعديد من المنظمات الدولية، واشتهر بمراجعه حول الصراعات الإفريقية، خاصة دراسته المعروفة عن الإبادة الجماعية في رواندا. muhammedbabiker@aol.co.uk

اخبار السودان الان

السودان.. مأساة الوطن الذي لم يصبح أمة

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#السودان. #مأساة #الوطن #الذي #لم #يصبح #أمة

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل