اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-06 22:31:00
وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي ألغت محافظ بنك السودان آمنة ميرغني الترخيص الممنوح لشركة “العسجد للحلول الذكية والرقمية” للعمل كمحول للمعاملات المالية ومنصة للمدفوعات الإلكترونية، وذلك بعد مراجعة فنية وقانونية شاملة خلصت إلى عدم استمرار التصديق وفق المعايير التنظيمية المعتمدة. وأكد البنك في بيان له أمس أن تراخيص أنظمة الدفع لا تمنح حق التشغيل التلقائي، بل تظل خاضعة للرقابة والموافقات المستمرة طوال فترة صلاحيتها، وذلك في إطار نهج يهدف إلى ضبط القطاع وتعزيز الالتزام بالضوابط الفنية والمالية. يناقش هذا المقال تداعيات القرار، كمقدمة للعلاقة بين الصحافة والحكومة، وكيف يمكن للرأي العام أن يساهم في ترسيخ الشفافية وبناء الثقة. ولم يكن قرار إلغاء ترخيص شركة العسجد نهاية للجدل الذي رافق منحها الشهادة، بل أعاد طرح السؤال الأهم: كيف استوفت الشركة متطلبات التأهيل منذ البداية، وما مدى مسؤولية الجهات المعنية في المضي بتوقيع الاتفاقية خلال حفل رسمي بحضور قيادات حكومية؟ الإجابة على هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة قرار الإلغاء، بل تؤكد أن الحوكمة تبدأ بمراجعة القرار منذ لحظة اتخاذه، واستيعاب الرأي العام شريكا في تصحيحه، وليس عبئا على مؤسسات الدولة. ومن هذا المنطلق، فإن القرار يتجاوز الترخيص إلى إقامة علاقة أكثر نضجاً بين الحكومة والصحافة، على أساس الشفافية والمساءلة. وأثار توقيع العقد جدلاً إعلامياً واسعاً، شارك فيه عدد من الصحفيين والخبراء، وقاده الصحفي الاستقصائي عزمي عبد الرازق من خلال سلسلة مقالات تناولت الحوكمة والسيادة الرقمية وأمن المعلومات وإجراءات الترخيص، وكشفت مشاكل تتعلق بسلامة الإجراءات. وجاءت هذه المعالجات ضمن إطار مهني يهدف إلى تعزيز الحق في المعرفة واختبار كفاءة النظام الإداري. ولا يمكن الجزم بوجود تأثير مباشر لما نشر على القرار، لكن هذا التفاعل الإعلامي يعكس دور الصحافة والفضاء الرقمي في تحفيز مراجعة السياسات العامة، وهو ما يؤكد حيوية الدولة وليس ضعفها. ولعل هذا يعيد إلى الأذهان ما قدمناه في مقال “العقود بين الشفافية والأمن الوطني”، حيث أوضحنا أن الشفافية في العقود الحكومية لا تكشف كل التفاصيل وقتها، بل هي نظام مؤسسي يوازن بين متطلبات الأمن القومي وحق المجتمع في المعرفة، فتبقى السرية استثناءً تفرضه ضرورات التفاوض، وتبقى المساءلة هي المبدأ بعد اختفائها. واليوم يمثل هذا الموضوع امتدادا عمليا لنفس الفكرة، فالمساءلة ليست عكس السرية المشروعة، بل هي ضمانة لشرعيتها، والشفافية لا تكتمل بالنشر وحده، بل بقدرة المؤسسات على المراجعة والتصحيح متى اقتضت المصلحة العامة ذلك. لكن من المهم ألا يتعلق الأمر بما حدث، بل بما يجب أن يحدث. وإذا فتحت هذه الحادثة نافذة للحوار بين الصحافة والحكومة، فإن التحدي يكمن في تحويلها من رد على حدث إلى سياسة دولة. إن الدول لا تديرها ردود الفعل، بل تقاليد ثابتة تجعل من المساءلة ممارسة لا ترتبط بضغوط إعلامية أو ظروف سياسية. ومن هنا ضرورة ترسيخ المساءلة الاستباقية، كنهج يراجع السياسات قبل أن تتحول إلى أزمات، ويفتح قنوات التفاهم بين الدولة والإعلام والرأي العام، بحيث تصبح الصحافة شريكا في منع الاختلال، وليس مجرد مراقب لنتائجه. وتزداد أهمية هذا النهج مع توسع الاستثمار في التعدين والطاقة والبنية التحتية، فالتمويل وحده لا يكفي، بل هو ضروري لبناء الثقة في الحوكمة والشفافية والإعلام المهني المستقل. ولا تقف تداعيات هذه الحادثة عند حدود إدارة بنك السودان، بل تمتد إلى الأمن الاقتصادي، حيث إن تذبذب القرارات أو التراجع عن الاتفاقيات المعلنة رسمياً قد يربك البيئة الاستثمارية ويؤثر على ثقة السوق. ومع اقتراب مرحلة إعادة الإعمار، تصبح الحاجة ملحة إلى ضوابط مؤسسية تحكم فحص العقود قبل الإعلان عنها، وتوحد قرار الدولة، ليبقى التصحيح استثناءً يعزز المصداقية، وليس نتيجة قصور في إجراءات التأهيل أو التقييم. وفي هذا السياق، فإن الصحافة ليست خصماً للدولة ولا بديلاً عن مؤسساتها، بل هي أداة إنذار مبكر تكشف الاختلالات قبل أن تتفاقم. إن رد الحكومة على النقد المهني يعكس قوتها وليس ضعفها، لأن جوهر قوة الدولة يكمن في قدرتها على الإصغاء والتصحيح. ومع دخول السودان مرحلة إعادة الإعمار، يتبين أن التحدي الأعمق لا يتعلق بالبنية المادية وحدها، بل بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، في إطار يحكمه القانون، وتدعمه الشفافية، ويتوازن فيه النقد مع الإصلاح ضمن منظومة حكم متكاملة. عندما يتم ترسيخ المساءلة كثقافة وليس كاستجابة، بحسب #وجه_الحقيقة، تصبح الصحافة ضميراً مهنياً للحماية، وتصبح الحكومة أكثر ثقة في قدرتها على التصحيح، وتستعيد الشفافية معناها كأداة بناء، وليس عنصر إضعاف. عندها فقط سوف تستقر معادلة الدولة: الحكم يدار بالعقل، والثقة تتم المحافظة عليها من خلال الشفافية، والأمن الوطني متكامل مع المساءلة في مشروع واحد لبناء بلدنا. دمتم بخير وعافية. الأحد 5 يوليو 2026م Shglawi55@gmail.com الكاتب




