اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-01-28 09:26:00
منذ 20 ساعة عمر العمر 376 زيارة بقلم عمر العمر aloomar@gmail.com مشهد يحطم أطر الخيال حيث ينطفئ الدماغ والعين. ينتصر الواقع عندما تبدو غابة الخرطوم وكأنها صحراء البلقاء. وكأن الشاعرة السعودية هند النظري تقصد ذلك حين قالت (طار النورس من شاطئه وتكسرت أمواج الحزن). فكيف تم تسجيل مساحة غابات تبلغ ألف وخمسمائة هكتار؟ من هم هؤلاء الكفار واللصوص الفاسدين؟ بل كيف نامت عيون الحراس على هذه الجريمة النكراء؟ فلماذا لم يهددوهم بالبنادق (وقد نضجت الأيام)؟ حتى أنجزوا الدمار الذي استغرق الكثير من الإدارة، وقدرًا متساويًا من الجهد، وضعف الوقت؟ يا لهذا التواطؤ والتآمر. وهذا ليس اعتداءً على الوطن فحسب، بل هو شهادة على سطحية الانتماء. بل غياب هذا الشعور الفطري. وبما أن قطع الأشجار قد تم خلال أيام الحرب القذرة، فهذا دليل على أننا نقاتل من أجل السلطة وليس من أجل الوطن. إنها خطيئتنا الكبرى، بل جريمتنا الكبرى، في أوقات السلم والحرب. همنا السياسي العام هو الدولة وليس الأمة. أهدافنا هي كسب المال، وليس تنمية الموارد. ولهذا السبب لا نهتم بما نهدره!!! هؤلاء القتلة، أعداء الحياة، لا يهمهم تدمير ألف وخمسمائة هكتار من الغطاء الأخضر. غابة تشكل علامة إلهية تضفي سحراً وجمالاً على ملتقى النيلين البديع. مأوى للعصافير والطيور المستوطنة – بما في ذلك الأسراب النادرة – ذو مناقير متنوعة وريش مزخرف. محطة للطيور المهاجرة العابرة للقارات في رحلاتها الموسمية. ولذلك تم إدراجها في المعجم الدولي للمحميات الطبيعية عام 1939م. وهم لا يدركون معنى (رئة الخرطوم) لأنهم لا يعرفون إيقاع الحياة في العاصمة. لقد فقدت المنظمات الدولية هيبة الانصياع لها، بما في ذلك برنامج الأمم المتحدة للبيئة. رغم أنه حقق تقدما في إبقاء الغابات ضمن أولوياته حفاظا على التوازن البيئي والتنوع البيولوجي. وبطبيعة الحال، فإنهم لا يهتمون بعلاقة المد والجزر بين النهر والأشجار. وليس بينهم من يعرف أبعاد وتأثير الحكمة القائلة (بحر أبيض لا موج ولا عرق) رغم أنها تطابقهم تماما. ولذلك تحولت غابة الجمال إلى بقع من الحزن، واستنزفت من الفرح، وأرهق بصرها البصر!!! ومن بين ما جردته هذه الحرب الطائشة من أحزاننا المخزية إلى درجة البكاء، غياب مفهوم الوطن مع طغيان حضور الدولة. إن النضال الأعمى، بالسلاح والنار، هو بالكامل ضد الدولة التي تمنح المناصب والامتيازات والثروات. لكن مفهوم الوطن بانتماءه الذي يثير الكبرياء والرومانسية التي تفتح الروح ويلهم الغناء، غير ممكن. بل على العكس من ذلك، وفي خضم الافتتان بحب الدولة، تلتهم الحرب كنوز الأمة وكنوزها. ومن أجل غنائم الدولة يقدم المقاتلون الصغار للأمة وثرواتها غنائم نار وغيرها. والدافع في الحالتين هو التحالف الذي دنسته الخيانة من أجل احتكار السلطة. قبل الحرب وفي ظلال دخانها، يهيمن على الخطاب السياسي المتداول إصلاح الدولة حتى تصبح (مرآة يرى فيها الجميع وجوههم). وكأن سلسلة الامتيازات هي الحبل السري لشد أواصر الوحدة الوطنية. لا يوجد خطاب يكرّس مفهوم الوطن كطبق يجمع الجميع أو يجتمع في فضائه بشكل يربط بين الفسيفساء القبلية. ومحاولات إعطاء الحرب شرعية سياسية بالاعتماد على الفجوة بين المركز والهوامش لا تتجاوز نفق الصراع على السلطة. ولم تدمر الحرب المركز فحسب، بل زادت من بؤس الهوامش اتساعاً وعمقاً. وقبل ذلك كان الذين أثاروا السخط على سيادة المركز هربوا من مجرد الوجود على هامش البؤس إلى المركز اللعين. ولهذا لا جدوى من انتقادهم لعدم قدرتهم على تقديم بدائل لإحياء أهل الهامش من دون التهكم على فئة الوسط. وتبقى امتيازات الدولة محور نضالهم، حتى لو وصل الأمر إلى رفع السلاح وإشعال النار في قلب الوطن وأطرافه. وعندما ينتشر الجهل في ظل غياب الروح الوطنية، تشتعل النزعات الشريرة العمياء. وهكذا لم تفقد الأمة مقرات مؤسسات الدولة فحسب. بل تم حرق ونهبت مراكز ذاكرتها التاريخية والثقافية والتنويرية. ولهذا السبب قد لا يبدو قطع الأشجار في الغابة مصدراً للمفاجأة. لكن تركها في مكانها هو أمر فوق الاحتمال، كما هو فوق الخيال. إن إلقاء عبء الجريمة على عاتق المليشيا هو هروب من مسؤولية حماية الغابة، كما تم التنصل من حماية الوطن المتجسد في بيوت العائلات. كلهم يريدون أن يلتهموا امتيازات الدولة بحرية أينما يريدون، أو أن يصبح الوطن كله صحراء. إن الخروج من الأزمة لن يتم من دون شق طريق للبعد الوطني لتحرير العقل السياسي من قصور الرؤى والأنانية الحالية. هذه هي الخطوات الأولية على طريق استبدال الصراع على المصالح العليا للوطن بالصراع على امتيازات الدولة. وهذا هو الطريق الذي يقوي عصب الوحدة الوطنية بقناعات العيش المشترك. وهو طريق يتطلب التنازلات ودفع الأقساط المستحقة. وتثبت التجربة المعيشية القاسية الحالية فشل العنف، مهما بلغ حجمه، في تحقيق الاستقرار في الدولة. وأياً كان الطرف الذي ينتصر في هذه الحرب الخاسرة فإنه حتماً سيخوض معركة سياسية لاحقاً لن ينتصر فيها بالسلاح. فالدولة المرتقبة لن تبنى من الفراغ، كما لن تخرج من تحت الأنقاض. العمق الوطني هو الأساس الوحيد لاستقرار الدولة. ولا يوجد استقرار لا يقوم على السلام. ولا يوجد سلام لا يقوم على العدالة. هذه هي أبجديات تكريس الروح الوطنية. هذه هي مرتكزات بناء الدولة في وطن التعايش السلمي بعيداً عن الخراب والدمار وقطع الأشجار. ومن أجل الدولة يتم قطع هذه الأشجار والأحجار والغابات. شعارهم إما احتكار الدولة وإما أن نجعل الوطن غابة صحراوية البلقاء. وانظر أيضاً عمر العمر نقلاً عن العربي Al-Jadeedaloomar@gmail.com الجيل الثاني إذا صح التصنيف – من قادة الحركة…




