اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-25 17:13:00
بقلم عمر العمر المعضلة الأكبر التي يواجهها النظام السياسي السوداني هي اختزاله في تجربتين سابقتين لأوانهما. الأول هو الديمقراطية قصيرة المدى. والآخر هو الشمولية على المدى الطويل. وكلاهما ثلاث تجارب، وكذلك ثلاث تحولات متسرعة. محور الأزمات في هذه الأنظمة الشمولية هو أنها ميلودراما بأسلوب عروض الرجل الواحد والفصل الواحد. لقد افتقر إلى حبكة النص لأنه بني على الارتجال. وهي صفة يتمتع بها النظام السوداني الاستبدادي ولا يوجد مثله في محيطه العربي. لقد عاشت مصر أكثر من مرحلة في ظل نظام شمولي واحد. وكان هذا هو الحال في الجزائر. شهدت سوريا أكثر من فصل قبل أن تخضع لآل الأسد. كذلك عبر العراق أنهاراً من القهر والدماء قبل السيطرة على تكريت. وتحت وطأة الاستبداد وتأثير الارتجال، اهتراء نسيج السودان، وأحرقته الحروب الأهلية، وتعقدت خيوط أزماته دون أن يترك للشعب فرصة إطفاء النيران أو حل العقدة. وربما لو تعددت حلقات الاستبداد، كما حدث في مصر والجزائر، لكان وضع السودانيين أفضل مما هو عليه الآن. لقد تعمدت حذف الفترة الحالية لأنها خرقة بشعة في ترقيع ممزق خارج نسيج التراث الشعبي، كما أنها فوضى عشوائية خارج الفكر. وفي طليعة الدول النامية تشكلت الحركة الوطنية السودانية في سياق جدلية الصراع داخل المجتمع وبينه وبين الخارج. وهي حركة تأثرت، بل امتلأت، بألوان الفكر السياسي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. لكن الانقلابات العسكرية حرمت الحركة الوطنية من مواصلة البناء والنمو والتقدم. بل دفعها نحو التدهور والانحدار. وأخطر تداعيات هذه الأنظمة الاستبدادية أنها لم تكتف بمصادرة هامش الحركة والتنظيم والتعبير، بل فوضت لنفسها حقوق الفكر والتعبير باسم المجتمع والدولة. وهكذا لم تتغير المفاهيم والقيم الفكرية مثل الليبرالية والحرية والاشتراكية والماركسية والعدالة والمساواة والشفافية فحسب، بل أصبح الحديث عنها أو عنها رجساً من عمل الشيطان وشكلاً من أشكال الاتهامات التي تؤدي إلى السجن والاعتقال والخيانة مع تداعيات سلبية بلا قرار ولا سقف. ونتيجة لذلك، ولكن بإصرار متعمد، لم يتم تنفيذ عمليات منهجية لتدمير المنظمات السياسية فحسب. أبعد من ذلك، جرت محاولات منظمة بتمويل سخي لبناء أطر سياسية بديلة اكتملت. وقد مزجت هذه العملية العلوية بين المفاهيم الفكرية النبيلة والممارسات الاستبدادية المفرطة في الاستبداد. وأصبحت الوحدة الوطنية مطابقة لأحادية النظام الحاكم، حيث قامت على بناء تمثيل تمثيلي للشعب على أساس الانحياز بدلاً من الانتخاب. وخرج فصل السلطات عن الإطار الدستوري وفق الفكر السياسي والقانون الدستوري السائد في العالم. إن الانغماس في هذا الخلط أدى إلى الخلط بين مفهوم الدولة وسلطة الدولة. ولم تعد الدولة هي الكيان السياسي، كما لم تعد سلطة الدولة هي التعبير السياسي عن الدولة. ولم ينته هذا التدهور بمستنقع طغيان النظام، بل انحدر إلى هيمنة الرئيس القائد الواحد الممسك بكل السلطات، على مفاصل الدولة وخزاناتها. وبما أن الفرد مهما كان ثورياً أو عملاقاً أو وطنياً مخلصاً، فإنه لن يتمكن من السيطرة على الدولة في غياب المؤسسات. وفي هذه الظروف، تصبح البيئة مهيأة لنشوء مراكز السلطة وبؤر الفساد. هذه هي أبرز سمات الأنظمة الشمولية. وبغض النظر عن الأطر الزمنية، ربما كان حظ مصر أفضل. انفتحت مظلة ثورة يوليو، ومر الشعب المصري بثلاث مراحل تباينت ملامحها رغم انتمائه إلى ذعر يوليو. كانت لعهد السادات سمات تختلف عن سمات المرحلة الناصرية. ثم جاء عصر حسني مبارك، بانقسامات مختلفة. وبطبيعة الحال، تتباين وجهات النظر حول ما إذا كانت هذه الحركة قد أحدثت تحولات نحو التقدم السياسي أم نحو التدهور. لكن المؤكد أنها فتحت الأفق للنقاش حول التقدم السياسي فيما يتعلق بالدولة والسلطة. وهذا في حد ذاته يشكل تطوراً داخل أي نظام شمولي. ثم كانت هناك تيارات فكرية بدأت تعبر بجرأة تحت جسور القاهرة في منحنيات هذه المراحل حتى وصلت إلى انفجار يناير 2011. كما عبرت الجزائر ثلاث مراحل منذ الاستقلال سنة 1962. واستمرت ولاية بن بلة ثلاث سنوات. ثم قاد بومدين انقلابا سنة 1965 حتى رحيله سنة 1978. وامتدت فترة حكم الشاذلي بن جديد أربع سنوات. وكانت المراحل الثلاث مرتبطة بشرعية الثورة، لكن كل رئيس طبع على مسرحه بصمات سياسية خاصة برؤاه. لكن الهوية الوطنية ظلت محوراً حاضراً بقوة في الخطاب الرسمي. وما يميز التجربة الجزائرية أيضا هو تبنيها لأيديولوجية سياسية تمزج بين الإسلام والاشتراكية. وقد فتح هذا النهج هامشا للحركات الفكرية للتعبير عن نفسها منذ البداية إلى أن خرج الشاذلي بن جديد عن هذا النمط الوطني عام 1982 بشن هجوم مكثف على من أسماهم اليساريين المتطرفين. وفي سنوات بن جديد العشرة تدفقت تيارات عديدة حتى لم يعد النهر السياسي ينبع من جبهة التحرير وحدها. وبرزت الجبهة الإسلامية للإنقاذ كقوة أدت إلى إنهاء انتخابات 1992 قبل استكمالها وتشكيل مجلس رئاسي ثلاثي بقيادة بو ضياف. ومن المفارقات أنه أصبح ضحية لانفتاح الجزائر على العنف السياسي. ولم يتمتع الحراك الشمولي في السودان بالانتماء إلى فصيل واحد، أو الاحتماء بمرجعية واحدة، كما كان الحال في النصر والجزائر، أو حتى كما ظهر في سوريا والعراق. فصول السودان متعددة ومتنوعة ومتشظية، لكنها تظل رهينة لرجل واحد: عبود والنميري والبشير. بهم بدأ وبهم انتهى. وكل مرحلة أكثر انحطاطا من سابقتها. وعندما استيقظ الترابي ليخلق مرحلة مختلفة داخل الانقاذ، انقلب عليه تلاميذه المعطلون المستبدون. وهكذا غاص البشير في إنهاك الشعب بأنواع القمع والتعذيب والمعاناة والارتباك والحرب. ورغم أن كل فصل كان ينتهي بانفجار هائل، إلا أن ضعف الحركة السياسية أدى إلى إجهاض هذه الثورات الشعبية. لا السياسيون تعلموا الدروس ولا الطغاة الصغار الأغبياء. وتلك معضلة مختلفة!!! نقلا عن كاتب العربي الجديد aloomar@gmail.com




