السودان – النجيان – سوداني

أخبار السودان8 مارس 2026آخر تحديث :
السودان – النجيان – سوداني

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-03-07 11:45:00

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بلهجة رجل لم يغادر ريعان شبابه. طمأنينة اليقين القديم تكمن في صوته. نغمة وجدت طريقها إلى الحناجر منذ عهد المنابر الأولى. تتكرر المفردات بثقة موروثة، وكأن التاريخ صفحة ثابتة لا تحركها الدماء التي تسيل في الشوارع، وكأن الوطن لم يغرق في هذا الإرهاق الطويل بفعل الحروب المتوالية. يقف الرجل في عقده السادس ويتذكر قاموس التسعينات بأكمله؛ الجهاد، الاستشهاد، التعبئة، الفداء، التعبئة. مفردات تستعيد حرارتها مع ضاقت الواقع واشتد ضبابه. كلمات تعود للتداول بعد ثلاثة عقود، بينما القبور المليئة بأسماء الصبية الصغار تترك بصمتها الأبدية. يتمتع خطاب بقدرة خيالية مذهلة على البقاء. ويتغذى بعاطفة دينية مشحونة للغاية، ويجد في كل جيل شبابًا جددًا مستعدين لحمل الراية. وحضور الناجي عبد الله في هذا المشهد يتجاوز شخصه. صورة نموذجية لطبقة كاملة من الدعاة الذين صاغوا الحرب كواجب أخلاقي، ورفعوا القتال إلى مرتبة العبادة، ثم ظلوا بعيدين عن ساحات الدم التي تمر بها الأعمار الصغيرة. في عام 1997، برزت إحدى اللحظات الكاشفة في هذا الخطاب. صوت عالٍ يعرض حرب الجنوب على أنها الجهاد النهائي. لحظة تعبئة دينية كاملة تفتح فيها أبواب السماء لشباب لم يعرفوا في الدنيا إلا ضيقها. يقين حاد يملأ القلوب، يقين يصنعه خطاب يعد الفرد بحياة أبدية أوسع من حياة يسحقها الفقر والانسداد. لقد مرت السنوات. وأصبح الجنوب دولة مستقلة. وانزلقت البلاد إلى حروب أخرى. وتوسعت المقابر، وبقيت اللغة في مكانها الأصلي، محتفظة بدفئها القديم. ويظهر الناجي عبد الله اليوم كرجل عجوز ذو بشرة باهتة ولون ضعيف. والعبارات التي رافقت شبابه المناضل تتدفق من جديد. نفس الكلمات، نفس الدعوة إلى الجهاد. وتضمنت مقاطع فيديو حديثة دعوات للتحالف مع إيران، وتهديد بإرسال مقاتلين سودانيين إذا اتسعت المواجهة. يتحدث الحماس بلسان مألوف، لسان ينتمي إلى القاموس الذي رافق حروب السودان منذ عقود. وبجانب الناجي عبد الله يقف الناجي مصطفى. اسمان يقودان خطاب التعبئة ويحثان الأولاد على الاندفاع إلى الجبهات. تبدو سخرية الاسم ملفتة للنظر. البقاء على قيد الحياة مضمون بالفعل. الناجيان يقودان الإثارة من مسافة آمنة، تاركين الصفوف الأولى لأطفال الآخرين. وقت طويل يفصل البدايات عن هذه اللحظة، لكن المفردات تبدو منيعة للزمن. إن التجربة السودانية، بكل ما حملته من مآسي، لم تترك خدشا في المفردات الصلبة التي صاغتها الحركة الإسلامية لحظة صعودها. إن سيكولوجية هذا الخطاب واضحة. التعبئة التي تتبنى الحرب كوعد سماوي. تتحول الجبهات في الخيال إلى طرق قصيرة نحو الجنة. يذهب الشهداء إلى الجنة حيث العذارى الجميلات والنعيم الأبدي. صور مذهلة تنغرس في مخيلة الشباب الذين لا تمنحهم حياتهم اليومية سوى الفقر وضيق الأفق. الدولة التي قامت تحت راية المشروع الحضاري تركت جيلا كبيرا من الشباب عالقا على الهامش. الفقر المدقع، والبطالة الشديدة، والمدارس المنهكة، والجامعات المتعثرة، والاقتصاد الذي يجر أقدامه الثقيلة. وفي هذا الفراغ، تتعاظم إمكانية المصداقية. ويجد الخداع الصارخ طريقه بسهولة إلى القلوب التي لم تجد معنى لحياتها اليومية. والخطاب يعرف هذا الفراغ جيداً. يعطي الشاب دوراً بطولياً في كذبة كبيرة. تتحول الخسارة الدنيوية إلى مكاسب دنيوية أخرى. يتم تقديم الحياة الآخرة على أنها المخاطر الأعلى. تنمية الأراضي آخذة في الانخفاض في ترتيب الأولويات. الصبي الذي فقد نصيبه من التعليم والعمل يكتشف فجأة طريقاً آخر إلى المجد… طريق الاستشهاد. وهكذا تشكلت البنية النفسية التي غذت حروب السودان لفترة طويلة. نداء يعلو من المنابر، وشباب يتجهون نحو الجبهات يحملون يقيناً موروثاً بأن الموت في المعركة باب مفتوح للخلود. وتبقى مادة الخطاب حاضرة لأنها تدعو إلى الدين في لحظة ضائقة تاريخية، مما يعطي معنى للألم ولا شيء للبطولة. ويقف الناجي عبد الله اليوم ضمن هذه السلسلة الطويلة. رجل خرج من مدرسة التعبئة القديمة وما زال وفيا لقاموسها الأول. وتتدفق الكلمات مع طمأنينة من اعتاد ترديدها. ويبقى الجهاد أقصر طريق للخلاص، ويبقى الشباب وقود هذا الطريق. ويؤكد المشهد على مفارقة ثقيلة. لقد شيخوخة جيل كامل من قادة الحركة الإسلامية، وبقيت الدعوة دائما موجهة للشباب. تذهب الأعمار الصغيرة إلى الجبهات، وتستمر اللغة في نسج الأساطير حول مصائرهم. وبهذه الطريقة، يستمر الخطاب في إعادة إنتاج نفسه. قصة طويلة عن الجهاد واليقين والخلود تخرج من أفواه الناجي عبد الله والناجي مصطفى، بنفس اليقين الذي رافقهما منذ عقود. تتنقل الكلمات بين الأجيال، حاملة معها حرارة النداء الأول، وتجد دائمًا آذانًا شابة مثقلة بخيبة الأمل. ضمن هذا المشهد تتلخص مأساة أعمق في التجربة السودانية: خطاب تعبئة لا يشيخ، ووطن لا يزال يدفع ثمن الحروب المفتوحة.

اخبار السودان الان

النجيان – سوداني

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#النجيان #سوداني

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل