اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-01 16:33:00
وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي في الوقت الذي تبدو فيه القرارات الاقتصادية مجرد محاولات لاحتواء تداعيات الحرب، أعلنت الحكومة السودانية حظر استيراد 46 سلعة مختلفة. وتم تقديم هذه الخطوة كجزء من سياسة ترشيد الواردات ودعم الإنتاج المحلي والحد من الضغط على النقد الأجنبي. لكن ما يبدو أنه إجراء اقتصادي يتحول من زاوية أخرى إلى سؤال سياسي واجتماعي أكثر إلحاحا: هل نحن أمام محاولة للسيطرة على السوق، أم اختبار لعلاقة الدولة بالمجتمع؟ ومن تفاصيل القرار الذي شمل سلعاً استهلاكية يومية مثل بعض المنتجات الغذائية، وصولاً إلى اللوازم الفاخرة التي اعتاد عليها الناس، يبدو أن الأمر لا يتعلق فقط بحسابات الميزان التجاري أو إدارة الطلب على الدولار، بل يتعلق بإعادة تعريف ما هو “ضروري” وما هو “ثانوي” في حياة مجتمع يعيش تحت خط الفقر وتحت ضغوط اقتصادية ومعيشية معقدة. وهنا تبدأ السياسة بترك التحليل والدخول في مجال السلوك الإنساني. ومن هذه الزاوية، لم يعد القرار الاقتصادي مجرد نص إجرائي، بل أصبح رسالة ضمنية للمجتمع حول كيفية العيش، وما يجب الاستغناء عنه، وما يجب إعادة ترتيبه في هرم الحاجات. ومع ذلك، لا يتم دائمًا تلقي هذه الرسالة كما تم إرسالها. فالمجتمع لا يستقبل السياسات كمتلقي سلبي، بل يعيد تفسيرها وفقا لتجربته مع الدولة، ومع السوق، ومع تاريخ الأزمات. وهنا تم استحضار فلسفة نيتشه من خلال كتابه «هكذا تكلم زرادشت». فالمسألة لا تتعلق بسلطة القرار بقدر ما تتعلق بسلطة القيم التي تحكم السلوك. وفي عالم يفقد فيه الناس الثقة في استقرار المعايير، لم تعد القرارات قادرة على تشكيل الواقع إلا إذا لامست شيئاً أعظم من ذلك: نظام الثقة والاطمئنان. وفي السياق السوداني، لم يعد الدولار مجرد عملة، بل تحول إلى تعبير عن يقين مفقود ورغبة جماعية في الاحتماء من تقلبات الحياة والمعيشة. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الحظر على أنه محاولة لإعادة ضبط إيقاع المجتمع مع الدولة. ولكن المشكلة هي أن السلوك الاقتصادي لا يستجيب للأوامر بقدر ما يستجيب للحوافز والتوقعات. فإذا شعر المواطن أن المستقبل أكثر غموضا، فإن سلوكه سيتحرك تلقائيا نحو الاحتياط، وليس نحو الامتثال. إذا شعر المتداول أن القواعد قابلة للانحناء، فإن السوق سوف يتجاوز هذه الإجراءات. وهنا تظهر المفارقة: تحاول الدولة خفض الطلب على النقد الأجنبي عن طريق تقليص الواردات، في حين أن القلق قد يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار باعتباره ملاذا آمنا. وهكذا يصبح القرار جزءاً من معادلة نفسية بقدر ما هي اقتصادية، حيث تلعب الثقة دوراً لا يقل أهمية عن السياسة النقدية. لذلك، يكشف القرار عن توتر أوسع بين منطقين: منطق الدولة التي تسعى إلى فرض النظام من خلال أدوات تنظيمية عاجلة، ومنطق المجتمع الذي يعيد إنتاج سلوكه من خلال شبكات معقدة من الحاجة والخبرة والتوقعات. بين هذين المنطقين، لا يحدث التصادم في الإجراءات الرسمية، بل في الأسواق اليومية حيث يتم اختبار القرارات لحظة التنفيذ، وليس لحظة الإعلان. وأخطر ما في مثل هذه السياسات هو ما تكشفه عن حدود العمل الاقتصادي للدولة. وقد ينجح الحظر مؤقتا في تخفيف الضغوط على النقد الأجنبي، لكنه لا يعالج جذور المشكلة إذا ظل نظام الإنتاج ضعيفا، والثقة مهتزة، والبدائل المحلية غير قادرة على ملء الفراغ. ومن ثم يتحول القرار من أداة إصلاحية إلى إجراء يختبر صبر المجتمع أكثر من تغيير الواقع الاقتصادي. وفي هذا السياق يصبح العنوان «بين زرادشت وحكومة كامل إدريس… وكأن الدولة تختبر سلوك المجتمع»، وهو بالتالي وصف لحالة متجذرة: دولة تحاول إعادة تشكيل السلوك والسوق من خلال السياسة الاقتصادية، ومجتمع يعيد اختبار الدولة من خلال رد فعله اليومي على تلك السياسات المفاجئة. وبين الاختبارين يتم تحديد المسافة بين القرار وفعاليته. في الواقع، لا يبدو قرار منع استيراد 46 سلعة مجرد إجراء اقتصادي، بل هو لحظة اختبار حقيقية لقدرة الدولة على تحويل قراراتها إلى ثقة بين مواطنيها، وليس إلى مزيد من القلق وخيبة الأمل، وجعل السوق شريكا في الاستقرار وليس ساحة لإعادة إنتاج الاضطرابات والفوضى. ما ينتظره الناس اليوم لمعالجة تداعيات الحرب ليس تشديد الحظر ولا توسيع القوائم، بل وضوح الرؤية، والعدالة في التطبيق، والبدائل الحقيقية التي تجعل الاختيار ممكنا، وليس مفروضا. عندها فقط يمكن أن يتحول القرار من نص إجرائي مقيد إلى أثر ملموس يتعايش معه الناس. دمتم بخير وعافية. الأربعاء 29 إبريل 2026م Shglawi55@gmail.com




