اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-06 11:35:00
ولم تفتح أديس أبابا أبوابها الأسبوع الماضي، على الرغم من وجود خلاف محدود داخل الكتلة الديمقراطية، بين نزار عثمان سمندال. وكان الوضع أعمق من الخلاف على تذكرة السفر أو مقعد التفاوض. وكشفت العاصمة الإثيوبية عما بقي مختبئا وراء شعارات الوحدة والتمثيل والاصطفاف السياسي. وفجأة، وجد السند المدني الذي اعتمد عليه الجيش السوداني طوال السنوات الماضية، نفسه واقفاً أمام العالم بوجهين متناقضين، وبيانين متحاربين، ووفدين يدعي كل منهما أن لديه الشرعية وحقه في الكلام. لحظة بدت وكأنها إعلان متأخر لنهاية قصة بدأت قبل انقلاب 25 أكتوبر 2021. في ذلك اليوم، دفعت مجموعة منشقة من قوى الحرية والتغيير، التي أصبحت فيما بعد جزءا من هذا المعسكر، نحو الاعتصام في القصر الجمهوري، مطالبة بحل الحكومة المدنية، وتوفير الغطاء السياسي الذي سبق الانقلاب ومهدت له. منذ تلك اللحظة، بدأ هذا الحراك يراهن على المؤسسة العسكرية كأقصر طريق للنفوذ والمكاسب، ثم توسع بالأسماء والعناوين واللافتات، دون أن ينجح في التحول إلى مشروع سياسي حقيقي يمتلك رؤية تتجاوز حسابات المواقع والحصص. ومع مرور الزمن، بدا أن ما جمع مكوناته لم يكن فكرة وطنية شاملة بقدر ما كان تقاطع مصالح فرضته ظروف اللحظة السياسية وإغراءاتها. سنوات قليلة كانت كافية لتحويل تلك الظاهرة إلى موضوع للسخرية السياسية في الشارع السوداني. وكان اسم “تحالف الموز” تعبيراً قاسياً عن الصورة التي ترسخت في أذهان الناس؛ تحالف سريع النضج سريع التعفن، تتعايش فيه المصالح المتضاربة أكثر من الأفكار، ويرتبط بالسلطة العسكرية بروابط المنفعة أكثر من القناعات الوطنية الموحدة. الفرقة التي انفجرت في أديس أبابا لم تسقط من السماء. وتمتد جذورها إلى بنية التحالف نفسه. وتبحث الحركات المسلحة عن ضمانات للحفاظ على نفوذها ومكتسباتها. ويخشى زعماء القبائل والمناطق فقدان مناصبهم. وتدرك الشخصيات السياسية أن الاعتماد الكامل على المؤسسة العسكرية (التي هي أيضاً رهينة) يضيق أبواب المستقبل. لذلك لم يكن مستغرباً أن يتحول الاختبار السياسي الجدي الأول إلى ساحة صراع مفتوح حول شرعية التمثيل ومن يحق له التحدث باسم الكتلة. المفارقة الأكثر وضوحاً هي أن الانقسام جاء في وقت كان الجيش يحاول فيه تقديم هذه الكتلة كحاضنة مدنية قادرة على موازنة القوى الأخرى، وفي مقدمتها تحالف “الصمود” والقوى المدنية المطالبة بعملية سياسية تنهي الحرب وتعيد بناء الدولة. لكن ما حدث أظهر أن الأزمة لا تكمن فقط في ضعف التماسك التنظيمي، بل أيضاً في غياب الفكرة التأسيسية نفسها. غالباً ما تواجه الهيئات التي تنشأ حول السلطة السؤال الأصعب عندما تقترب من الاستحقاقات السياسية الحقيقية: ما هو القاسم المشترك بينها بعد انتهاء موسم الغنائم؟ وبدا المشهد كاشفاً أمام الوسطاء الإقليميين والدوليين. -وفود تتضارب حول الشرعية. وتبادل القادة الاتهامات. البيانات تتعارض مع البيانات. أصوات تتحدث باسم نفس المؤسسة ثم تنفي ما قالته الأصوات الأخرى قبل ساعات. صورة مربكة تطغى على أي جهد تفاوضي يبحث عن شركاء قادرين على اتخاذ القرار وتحمل مسؤولية الالتزام به. والأكثر إيلاما لقيادة الجيش هو أن هذا الصدع يحدث في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لإطلاق عملية سياسية واسعة، وحين تتجه الأنظار إلى البحث عن قوى تمتلك قدرا من الاستقلال والقدرة على إنتاج حلول قابلة للتطبيق. عند هذه النقطة يصبح «ائتلاف الموز» الذي صمم ليكون داعماً عبئاً، ويصبح الغطاء الذي كان مخصصاً له. وتخفي العزلة سببا إضافيا لتعميقها. ولم تكشف أديس أبابا فقط عن انقسام الكتلة الديمقراطية. وكشفت حدود الرهان على التحالفات التي ولدت وعاشت في ظل ميزان القوة العسكرية. فالسياسة في النهاية اختبار شرس للأفكار أمام الأشخاص، والمشاريع أمام التحالفات. كلما اقترب السودانيون من لحظة البحث الجاد عن مخرج من الحرب، كلما أصبحت الحقائق أكثر وضوحاً: فالأجسام التي بنيت لتكون أصداء للسلطة تجد نفسها عاجزة عن الكلام عندما يحين الوقت لخلق المستقبل. في هذه المرحلة، يتراكم الفشل فوق الفشل. من الانحياز إلى الانقلاب، إلى العجز عن إنتاج مشروع وطني شامل، إلى التشظي أمام الاستحقاق التفاوضي الكبير الأول. انتهت رحلة طويلة بمشهد صغير في قاعة اجتماعات في أديس أبابا، لكنه حمل معنى أكبر من حجمه: الظهر، الذي كان يهدف إلى منح الجيش سلطة سياسية إضافية، بدأ ينهار تحت وطأة تناقضاته الخاصة. وتناقضات الجيش من حوله. مؤلف




