السودان – خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (12 – 29):

أخبار السودانمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
السودان – خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (12 – 29):

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-06-11 11:42:00

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (12 – 29):الإيقاد (2) 1997 – 1999د. سلمان محمد أحمد سلمان1توقّفنا في المقالات السابقة عن حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في عدّة محطات، شملت: إعلان فرانكفورت 1992، ومفاوضات أبوجا 1992 – 1993، ومبادئ الإيقاد 1994، ولقاء نيروبي 1993، وإعلان واشنطن 1993، واتفاق أسمرا (الاتفاق الرباعي) 1994، ثم إعلان أسمرا (مؤتمر القرارات المصيرية) 1995. انتقلنا بعد ذلك إلى اتفاقيات السلام من الداخل والتي شملت الميثاق السياسي 1996، واتفاقية الخرطوم للسلام 1997، واتفاقية فشودة 1997.وقد ناقشت المقالات السابقة ببعض التفصيل كُلّاً من هذه الوثائق القانونية. وشمل المقال السابق نقاشاً لاتفاقية الخرطوم للسلام المطوّلة.2وكما وعدنا في المقال السابق، فسنتعرّض في هذا المقال لتضمين اتفاقية الخرطوم للسلام لعام 1997 في دستور السودان لعام 1998، ونناقش أبعاد ذلك التطوّر الهام.سنتابع بعد ذلك التطوّرات التي أدّت إلى عودة حكومة الإنقاذ لوساطة الإيقاد بعد أن كانت قد رفضت بشدّةٍ في سبتمبر عام 1994 مبادئ الإيقاد التي كانت قد صدرت في يولبو عام 1994.3في 28 مارس عام 1998 أجاز المجلس الوطني لمجموعة الإنقاذ الحاكمة دستور السودان لعام 1998، ووقّع عليه رئيس الجمهورية، ودخل حيّز النفاذ في 30 يونيو عام 1998. وهو أول دستورٍ للسودان منذ انقلاب 30 يونيو عام 1989.وكان قادة الانقلاب قد قاموا في بيانهم الأول بتعليق العمل بدستور السودان الانتقالي لعام 1985. وظلّ السودان يُحكم خلال الفترة من يونيو عام 1989 وحتى صدور دستور عام 1998 بأوامر كان يصدرها ما تمت تسميته “ىمجلس قيادة ثورة الانقاذ الوطني” (أو في حقيقة الأمر الجبهة القومية الإسلامية باسم المجلس). غير أن الدكتور حسن الترابي كان هو الحاكم العام والمطلق للسودان خلال هذه الفترة.وقد أشرف الدكتور حسن الترابي رئيس المجلس الوطني وقتها بنفسه إشرافاً تاماً على وضع دستور عام 1998. وأكّدت مواد الدستور المختلفة على إسلامية دولة السودان ومؤسساته وبرامجه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، نصّاً وفعلاً.4فقد نصّت المادة الرابعة من الدستور على “أن الحاكمية في الدولة لله خالق البشر، والسيادة فيها لشعب السودان المستخلف، يمارسها عبادةً لله….”كما وجه الدستور في المادة 18 أن “يستصحب العاملون في الدولة والحياة العامة تسخيرها لعبادة الله، يلازم المسلمون فيها الكتاب والسنة، ويحفظ الجميع نيّات التديّن، ويراعون تلك الروح في الخطط والقوانين والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لدفع الحياة العامة نحو أهدافها ولضبطها نحو العدل والاستقامة توجهاً نحو رضوان الله في الدار الآخرة.”وقد قرأ الدكتور جون قرنق هذه النصوص من الدستور في إحدى لقاءته السياسية بواشنطن، وتساءل في غضبٍ ممزوجٍ بالسخرية:“أين موقعي كسوداني مسيحي في هذه الدولة، وفي وهذا النظام الاجتماعي الاقتصادي السياسي الإسلامي؟”عليه فقد أغلق الدكتور حسن الترابي بدستور عام 1998 الباب نهائياً أمام أي تفاوضٍ او جدلٍ حول علمانية الدولة السودانية التي نادت بها مبادئ الإيقاد، والتي كانت أبرز نقاط الخلاف خلال مفاوضات الإيقاد.5نصّت المادة 137 من الدستور على استمرار العمل بالمرسوم الدستوري الرابع عشر (تنفيذ اتفاقية الخرطوم للسلام ) لسنة 1997، على أن ينتهي نفاذه عند انتهاء الفترة الانتقالية المذكورة فيه.كما تضمّنت المادة 139 من الدستور إشارةً واضحة إلى حق تقرير المصير لجنوب السودان حيث نصّت تلك المادة على الآتي“ان لجنوب السودان نظاماً انتقالياً لأجل، يكون فيه اتحادياً وتنسيقياً وينتهي بممارسة حق تقرير المصير.”وهكذا أعطت هاتان المادتان من الدستور اتفاقية الخرطوم للسلام صفةً دستوريةً متكاملةً. كما أن الدستور قد كسر حاجز استحياء وخوف حكومة وقادة الإنقاذ من استعمال مصطلح “تقرير المصير” وأزال أيِّ ادعاءٍ قد يثيره البعض بغموض النصوص المتعلقة بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في أيٍ من الوثائق القانونية التي وقّعتها حكومة الإنقاذ.6عليه فقد قام الدستور الجديد بتأكيد حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وفي نفس الوقت بترسيخ القوانين الإسلامية في السودان وإنهاء الجدل حول مسألة العلمانية. وقد فسّر المراقبون تلك التطورات بأنها الضوء الأخضر من الإنقاذ لجنوب السودان لينفصل ويغادر دولة السودان الإسلامية المتشدّدة بموجب دستورها الجديد، وأنها أيضاً الإجابة على تساؤل دكتور جون قرنق الذي أشرنا إليه أعلاه.7رغم توقيع مجموعة الإنقاذ لاتفاقية الخرطوم للسلام مع حلفائها المتعدّدين الجُدد، إلا أن قادة الإنقاذ كانوا على يقينٍ أن هذا الحلف الجديد لن يتمكن من هزيمة الحركة الشعبية عسكرياً أو سياسياً. فقد أوضحت السنوات الثماني الماضية للإنقاذ المقدرات العسكرية والسياسية والدبلوماسية الهائلة للحركة الشعبية، وأقنعت مجموعة الإنقاذ بصعوبة، إن لم نقل استحالة، النصر على الحركة الشعبية. كما كانت الإنقاذ تعي جيداً الطبيعة الهشة لحلفها الجديد والمقدرات المحدودة لكلٍ من مجموعاته.لهذه الأسباب فقد قررت مجموعة الإنقاذ العودة لمفاوضات الإيقاد وإبراز نفسها للعالم كدولة سلامٍ باتفاقية الخرطوم للسلام، على أمل رفع العقوبات عنها وقبولها كدولةٍ مسئولةٍ وجادةٍ بين العائلة الإقليمية والأممية.وقد برّرت الإنقاذ قرار العودة للإيقاد بقبولها حق تقرير المصير في اتفاقية الخرطوم للسلام. فما الذي يمنع من لقاء الحركة الشعبية وجسِّ نبضها ومعرفة رأيها في تلك التطورات.عليه فقد قرّرت مجموعة الإنقاذ العودة لوساطة الإيقاد والغاء قرار رفض المبادرة الذي أوصله لسكرتارية الإيقاد الدكتور غازي العتباني في سبتمبر عام 1994 خلال جولة المفاوضات الرابعة.8التقى السيد عمر البشير رئيس الجمهورية برئيس الوزراء الإثيوبي السيد ميليس زيناوي في شهر يوليو خلال المؤتمر السنوي لمنظمة الوحدة الأفريقية لعام 1997، وأثار معه مسألة إحياء مبادرة الإيقاد وتفعيلها.وافق السيد زيناوي بعد بعض التردّد. فقد كانت ثقة دول الإيقاد في حكومة السودان وجدّيتها ومصداقيتها قد اهتزّت كثيراً بعد الانسحاب المرتبك للسودان من مفاوضات الإيقاد الماضية، ورفض مبادئها في سبتمبر عام 1994.بعد اتصالات إثيوبيا مع الأطراف الثلاثة الأخرى للمبادرة (كينيا ويوغندا وإريتريا) وأصدقاء الإيقاد (الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا والنرويج)، وبعد أربعة أشهرٍ من طلب السودان، اتفقت الأطراف على عقد الجولة الخامسة من المفاوضات تحت مظلة الإيقاد في بداية شهر نوفمبر عام 1997.9دارت الجولة الخامسة من مفاوضات الإيقاد بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية الأم في نيروبي في بداية شهر نوفمبر عام 1997، قاد الوفد الحكومي السيد علي عثمان محمد طه الذي كان وقتها وزيراً للخارجية، وشمل الوفد الدكتور رياك مشار رئيس مجلس تنسيق الولايات الجنوبية، والدكتور علي الحاج، والسادة محمد الأمين خليفة، الأمين العام للمجلس الأعلى للسلام، وأحمد إبراهيم الطاهر، وقطبي المهدي، وأروك طون أروك، وعبد الله دينق، وأنجلو بيدا.قاد السيد سلفا كير وفد الحركة الشعبية الذي شمل السادة اليجا مالوك، ودينق الور، وجستين ياك، ونيال دينق نيال، وباقان أموم، وسامسون كواجي.10طالبت الحكومة عند بدء جولة التفاوض الخامسة بالتركيز على النظام الفيدرالي باعتباره مطلب الجنوبيين منذ عام 1947، ورفضت اعتبار تقرير المصير حقاً إنسانياً ووصفته بانه قرار سياسي.تم تقديم هذا الطلب المرتبك وغير الجاد رغم توقيع حكومة الإنقاذ قبل أشهر قصيرة على اتفاقية الخرطوم للسلام التي اشتملت على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.أصرّت الحركة على حق تقرير المصير، ليس فقط لجنوب السودان بل ليشمل أيضاً ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان. وقد تسبّب في هذه الإضافة، كما ذكرنا من قبل، انضمام قيادات هاتين المنطقتين إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان.رفض الوفد الحكومي ذلك الطلب رفضاً قاطعاً، ووجد الوفد تلك فرصةً للتراجع عن حق تقرير المصير حتى لجنوب السودان طالما ربطته الحركة بمناطق شمالية.11طالبت الحركة بنظامٍ كونفيدرالي خلال الفترة الانتقالية، بينما أصرّت الحكومة على حكمٍ ذاتي محدود مثلما نصت اتفاقية الخرطوم للسلام، وأشارت إلى أن مبادئ الإيقاد لا تتحدث عن الكونفيدرالية.طالبت الحركة بقيام حكومة وحدة وطنية ونظامٍ ديمقراطيٍ تعدّدي خلال الفترة الانتقالية، واعترضت الحكومة بحجّة أن هذا المطلب خارج مرجعية التفاوض.كما كان هناك خلافٌ حادٌ في مسألة الدين والدولة. فبينما أصرّت الحركة على مبادئ الإيقاد التي نادت بعلمانية الدولة السودانية، تذرّعت الحكومة بأن النظام الكونفيدرالي الذي تطالب به الحركة يحتّم على الحركة عدم التدخل في شئون الدولة الأخرى. لا بد من التذكير بأن الوفد الحكومي كان قد رفض النظام الكونفيدرالي.12زادت هذه القضايا المتشابكة التفاوض تعقيداً على تعقيده الأصلي. وفشلت سكرتارية الإيقاد في تقريب وجهات النظر حول هذه القضايا الخلافية الكبيرة.كان واضحاً أن أحد أهداف الحركة الشعبية هو إرضاء حلفائها الجدد في المنطقتين، وفي التجمّع الوطني الديمقراطي، بإثارة مسألة المنطقتين والعودة للنظام السياسي التعدّدي، وتكوين حكومة قومية عريضة، وهذا ما كانت تتخوّف منه مجموعة الإنقاذ وترفضه.كذلك رفضت حكومة الإنقاذ علمانية الدولة، وتذرّعت بأن مطلب الحركة للكونفيدرالية يجرّدها من حق التدخل في القوانين التي تُطبّق في الشمال. لكن لا بد من التساؤل كيف يمكن للحكومة التي رفضت النظام الكونفيدرالي أن تتذّرع به؟13وهكذا برزت نقاط خلافٍ جديدةٍ حادّة بما فيها مسألة تقرير المصير لشعب جنوب السودان التي كان الوسطاء يعتقدون أنها قد حسمت باتفاقية الخرطوم للسلام. إزاء هذا الفشل فقد أصدرت سكرتارية المفاوضات بياناً أوضحت فيه نقاط الالتقاء والخلاف والتي ستحتاج إلى مزيدٍ من الجهد ومحاولات تقريب وجهات النظر قبل مواصلة التفاوض. أوضح البيان أيضاً اتفاق الطرفين على عقد الجولة القادمة، والتي هي السادسة، من المفاوضات في شهر مايو عام 1998.14لم يكن أيٌ من الطرفين يريد أن يتحمّل مسئولية فشل أو توقّف المفاوضات. عليه فقد بدأت جولة المفاوضات السادسة في نيروبي في الرابع من شهر مايو عام 1998، كما كان مقرراً لها.قاد وفد الحكومة الدكتور رياك مشار وشمل الوفد الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل وزير الخارجية، والدكتور علي الحاج، والسادة أحمد إبراهيم الطاهر، وقطبي المهدي، وأحمد علي الإمام، ولورنس لوال لوال، وديفيد ديشان، والسيدة الاكير ملوال.وقاد وفد الحركة الشعبية السيد نيال دينق نيال، وشمل السادة جون لوك، وجستين ياك، واليجا مالوك، وباقان أموم، وياسر عرمان، وعبد العزيز الحلو.يُلاحظ أن الطرفين لم يعطيا هذه الجولة من المفاوضات الأهمية التي أعطياها للجولة السابقة. فقد تخلف السيد علي عثمان محمد طه، والسيد سلفا كير عن قيادة وفديهما. كما تغيب السيد محمد الأمين خليفة من وفد التفاوض الحكومي لأول مرة منذ عام 1989 (عدا مفاوضات فرانكفورت التي لم يشارك فيها).15شمل وفد الحركة الشعبية عدداً من الشماليين، كما شمل وفد الحكومة عدداً من الجنوبيين وكان هذا دائماً مثار دهشة وسطاء الإيقاد وشركائهم.غير أن اختيار الدكتور رياك مشار لقيادة الوفد الحكومي لم يكن خطوةً موفقةً على خلفية الخلافات الحادة بينه وبين قيادات الحركة الشعبية الأم، والتي كانت قد أخذت طابعاً شخصياً ساهمت في تعقيد عملية التفاوض. ولا بدّ من التذكير بالكيفية التي تصاعدت بها الخلافات بين المجموعتين في لقاء واشنطن في شهر أكتوبر عام 1993، كما ناقشنا في مقالٍ سابق. لكن كان واضحاً أن اختيار حكومة الإنقاذ للدكتور رياك مشار لقيادة الوفد الحكومي لهذه الجولة من المفاوضات كان الغرض منه إثارة الحركة الشعبية وتوسيع الهوة بين المجموعتين الجنوبيتين.16رأت سكرتارية التفاوض التركيز على نقطتي حق تقرير المصير وعلمانية الدولة، ولكن هذا لم يساعد في أيِّ تقدّمٍ في عملية التفاوض لأن كلاً من الوفدين أصرّ على مواقفه التي تبنّاها في الجولة السابقة، خصوصاً حكومة الإنقاذ التي رفضت الحديث عن العلمانية.أثارت الحكومة مسألة النظام الفيدرالي باعتباره مطلب الجنوبيين الأصلي، ورفضت اعتبار حق تقرير المصير حقاً إنسانياً كما حدث في الجولة السابقة.أصرّت الحركة على حق تقرير المصير ليس فقط لجنوب السودان، بل ليشمل أيضاً النيل الأزوق وجنوب كردفان، وهذا ما رفضه الوفد الحكومي.طالب وفد الحركة بعلمانية الدولة السودانية وإلغاء قوانين سبتمبر كما قضت بذلك مبادئ الإيقاد، وقد رفض الوفد الحكومي هذا المطلب أيضاً. إزاء هذا الجدل غير المجدي أعلن رئيس الجلسة الدكتور بونايا غودانا، وزير الخارجية الكيني، انتهاء الجولة السادسة من المفاوضات، على أن تُعقد الجولة السابعة في مدينة أديس أبابا بإثيوبيا. يبدو أن كينيا، مثل نيجيريا من قبلها في مفاوضات أبوجا، قد بدأ يصيبها الإعياء والانهاك من مشاكل السودان المزمنة المعقدة وعدم جدية حكومته.17لقد قبلت الحكومة السودانية حق تقرير المصير إعلان فرانكفورت في عام 1992، ثم في وثيقةٍ وقعتها مع عددٍ من الحركات المسلحة الجنوبية عام 1997 (اتفاقية الخرطوم للسلام)، وقامت بتضمين هذا الحق في دستور السودان لعام 1998. لكنها، ولدهشة الوسطاء، تراجعت عن هذا المبدأ، وقامت بفتح ملف الفيدرالية الذي عفا عليه الزمن وسخرت منه الحركة الشعبية والوسطاء.من الواضح أن حكومة الإنقاذ كانت تقوم بهذه المناورات كسباً للزمن على أمل أن تغيّر الحركات المسلحة الجنوبية الوضع العسكري الميداني في جنوب السودان لصالح الحكومة، ويساعد ذلك في مزيدٍ من الانقسام والتشتّت العسكري والسياسي في جنوب السودان. وكانت حكومة الإنقاذ تأمل أن يقود ذلك الوضع في نهاية الأمر إلى إضعاف الحركة الشعبية الأم وقبولها بشروط حكومة الإنقاذ. غير أن هذا الرهان كان خاسراً وساذجاً كما أوضحت الأشهر القليلة القادمة.18رغم اقتناع دول الإيقاد بعدم جدية حكومة الانقاذ فقد واصلت وساطتها ومساعيها التفاوضية.فقد انعقدت الجولة السابعة من المفاوضات في 4 أغسطس عام 1998 في أديس أبابا وترأسها السيد سيوم ميسفين وزير الخارجية الإثيوبي. قاد وفد الحكومة الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، بينما قاد وفد الحركة السيد سلفا كير. وشمل كلٌ من الوفدين معظم الأعضاء الذين حضروا الجولة السابقة من المفاوضات.حضر الجلسة السيد سالم أحمد سالم أمين عام منظمة الوحدة الأفريقية، والسيد بونايا غودانا وزير خارجية كينيا، اللذان خاطبا الجلسة الافتتاحية وحثا الطرفين على إبداء قدرٍ أكبر من المرونة.قرّر الوسطاء التركيز على مسألة تقرير المصير والتفاوض حولها، ومحاولة التوصّل لاتفاقٍ في تفاصيلها قبل الانتقال لمسألة الدين والدولة. غير أن كلاً من الوفدين تمسك بطرحه السابق.أصرّت الحركة الشعبية على أن يشمل تعريف الجنوب ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان (بما في ذلك منطقة أبيي)، وأن تمتد الفترة الانتقالية لمدة عامين فقط، يُحكم فيها السودان بنظامٍ كونفيدرالي بجيشين ودولتين.لم توافق الحكومة على هذا الطرح وأصرت على تعريف الجنوب حسب حدود عام 1956، ورفضت الدخول في تفاصيل الفترة الانتقالية قبل حسم مسألة تعريف الجنوب. وانتهت الجولة السابعة دون اتفاقٍ، وحتى دون إصدار بيانٍ من سكرتارية التفاوض. وتمّ الاتفاق على عقد جولة قادمة تحدّد السكرتارية تاريخ انعقادها في وقتٍ لاحقٍ بعد التشاور مع كلٍ من الطرفين.19عادت سكرتارية الإيقاد بالتفاوض إلى كينيا، وانعقدت جولة المفاوضات الثامنة في نيروبي في الفترة من 19 يوليو عام حتى 23 يوليو عام 1999. قاد الدكتور رياك مشار الوفد الحكومي الذي شمل الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، والدكتور نافع علي نافع، والدكتور عبد الرحمن إبراهيم، والدكتور مطرف صديق، ونفس الأعضاء من أبناء الجنوب الذين شاركوا في الجولة السابعة.وقاد وفد الحركة الشعبية السيد سلفا كير وشمل السادة يوسف كوه مكي، واليجا مالوك، ونيال دينق، ودينق الور، وجستين ياك، وياسر عرمان، والدكتور بيتر نيوت كوك.حضر هذه الجولة وزراء الخارجية لدول مبادرة الإيقاد الأربعة (كينيا ويوغندا وإثيوبيا وإريتريا). كانت بداية هذه الجولة متعثّرةً بسبب التصريحات الصحفية التي سبقت الجلسات والتي انهالت فيها الاتهامات من كل طرفٍ على الطرف الآخر.20ابتدأت الجلسات وانتهت من حيث انتهت الجولة السابقة في مسألة تقرير المصير وتعريف الجنوب والفترة الانتقالية والدين والدولة والكونفيدرالية. وقرّرت سكرتارية الإيقاد للتفاوض أنه لا معنى لمواصلة الجلسات، لأن التفاوض قد تحوّل إلى حوارٍ للطرشان. رفعت السكرتارية الجلسات وأعلنت تعليق التفاوض حتى يتم مزيدٌ من الاتصالات مع الطرفين بغرض تقريب وجهات النظر قبل الدعوة لجولة مفاوضاتٍ قادمة.وهكذا انتهت جولات تفاوض الإيقاد الأربعة (الخامسة إلى الثامنة، في الحلقة الثانية من حلقات التفاوض) والتي امتدّت لأكثر من عامٍ ونصف، (من شهر نوفمبر عام 1997 وحتى شهر يوليو عام 1999)، بدون التوصّل لاتفاقٍ بين طرفي النزاع السوداني.21ركّزت سكرتارية تفاوض الإيقاد في الجولات الثلاثة الأولى (في الحلقة الأولى من جولات التفاوض عام 1994) على التوصّل إلى إعلان المبادئ والذي تمّ في الجولة الثالثة في يوليو عام 1994، متضمّناً حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وعلمانية الدولة السودانية.لكن الوفد الحكومي عاد ليعلن رفض الحكومة الرسمي لمبدأ حق تقرير المصير في الجولة الرابعة التي قاد وفد السودان لها الدكتور غازي العتباني في سبتمبر عام 1994.22رغم الرفض الحكومي فقد مثّل إعلان المبادئ نقطة تحولٍ تاريخية هامة لعملية التفاوض. فقد اختطفت الحركة الشعبية الأم مبادئ الإيقاد حتى قبل إعلانها رسمياً في 20 يوليو عام 1994، واستخدمتها بدهاءٍ وحنكةٍ في مفاوضاتها مع أحزاب المعارضة الشمالية، وبنت عليها انتزاعها حق تقرير المصير من كلٍ منهم، فرادى، ثم مجتمعين.لجأت الحركة الشعبية الأم لمبادئ الإيقاد رغم اتفاق الحكومة السودانية وفصيل الناصر على حق تقرير المصير في إعلان فرانكفورت في يناير عام 1992. لكن الحركة الشعبية الأم تجاهلت ذلك الإعلان وارتكزت على إعلان الإيقاد للمبادئ حتى لا تُعطي فصيل الناصر شرف انتزاع ذاك الحق.23غير أن الانشقاقات التي حدثت في الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1991، تواصلت وتتابعت في المسرح السياسيي السوداني، وامتدت إلى حكومة الإنقاذ نفسها، وإلى التجمع الوطني الديمقراطي المعارض.فقد انشقّت حركة الإسلاميين الحاكمة عام 1999 ببروز مجموعة القصر ومجموعة المنشية بسبب الخلافات الحادة حول السلطة والثروة بين الاثنين.من الجانب الآخر قرر حزب الأمة التفاوض مع حكومة الإنقاذ، وعَقَد معها اتفاق جيبوتي عام 1999، والذي قاد إلى خلافاتٍ حادةٍ بين الحزب والتجمع الوطني الديمقراطي، أدت إلى إبعاد حزب الأمة من قيادة التجمع، ثم مغادرة الحزب للتجمع.24خلقت تلك الأوضاع “ديناميكية” جديدة في عملية التفاوض بين الحركة الشعبية، وحكومة الإنقاذ، والتجمع الوطني الديمقراطي، والأجنحة المنشقة من كلٍ من هذه التنظيمات. وقد نتجت عن تلك التطورات تداعياتٌ كبيرة على مجرى التفاوض حول قضية الجنوب، وحول مسألة حق تقرير المصير، وكذلك حول مسألة السلطة في الخرطوم، وقيادة التجمع الوطني الديمقراطي، كما سنناقش في المقال القادم من هذه السلسلة من المقالات.Salmanmasalman@gmail.com
الكاتب

اخبار السودان الان

خفَايا وخبَايا مفاوضات واتفاقيات تقريرِ المصير لجنوبِ السودان (12 – 29):

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#خفايا #وخبايا #مفاوضات #واتفاقيات #تقرير #المصير #لجنوب #السودان

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل