اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-17 11:57:00
أحمد إبراهيم أبو شوك ظلت العاصمة السودانية الخرطوم، لعقود طويلة، مركزا للحركة الثقافية والفكرية في السودان، حيث تشكلت المنتديات الأدبية، وازدهرت الصحافة، ونشطت حركة النشر والتوزيع. وفي قلب هذا المشهد الثقافي برزت دار مدارك للطباعة والنشر كإحدى دور النشر السودانية التي ساهمت في رفد المكتبة السودانية والعربية بعشرات العناوين في مجالات الفكر والأدب والسياسة والتاريخ والنقد الثقافي. ويرتبط اسمها بمؤسسها ومخرجها الشاعر إلياس فتح الرحمن، الذي لم يكن مجرد ناشر تقليدي، بل مثقف منحاز لحرية التعبير، ورأى أن الكتاب يمكن أن يكون أداة للتنوير والحفاظ على الذاكرة الوطنية. واستطاع من خلال مشروع “مدارك” خلق فضاء ثقافي يحتضن الأدباء والمبدعين والباحثين، وفتح أبواب البيت أمام تيارات فكرية متعددة، مما أكسبه مكانة خاصة في الوسط الثقافي السوداني. تأسست الدار في الخرطوم، واتخذت من شارع محمد نجيب مع تقاطع شارع (41) شارع العمارات مقراً لها، قبل أن تصبح مقصداً للمثقفين والقراء والباحثين عن الكتب الجادة والنادرة. وعرفت الدار باهتمامها بطباعة الأدب السوداني وإعادة نشر الأعمال الفكرية والأدبية التي ساهمت في إثراء النقاش العام حول قضايا الهوية والديمقراطية والثقافة والتاريخ السوداني. الطريق أمام «مدارك» لم يكن مرصوفاً بالورود؛ وواجهت تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متكررة. وفي مارس 2016، تعرض المنزل لمداهمة أمنية، وتمت مصادرة بعض الكتب والوثائق، كما تم اعتقال مديره إلياس فتح الرحمن وإخضاعه لتحقيقات مطولة على خلفية نشاط المنزل الثقافي والفكري. وأثارت هذه الحادثة تضامنا واسعا في الأوساط الثقافية والإعلامية، باعتبارها استهدافا لحرية النشر والتعبير في السودان. ورغم هذه الصعوبات واصلت الدار القيام برسالتها الثقافية. وتشير بعض التقارير إلى أن “مدارك” أصدرت أكثر من 450 كتاباً في مختلف المجالات، وهو رقم يعكس حجم الجهد الذي بذله إلياس فتح الرحمن في خدمة صناعة الكتاب السودانية. كما عُرف بمواقفه ضد قرصنة الكتب والدفاع عن حقوق المؤلفين والناشرين في السودان. مع اندلاع الحرب الأخيرة في السودان، وما خلفته من دمار واسع النطاق طال الناس والمكان، لم تكن دار “مدارك” بمنأى عن ذلك الإعصار الذي اجتاح الخرطوم ودمر معالم حياتها الثقافية. والمعرفة. احتلت قوات الدعم السريع المنزل، وتحولت أروقته المزدحمة بالكتب والحوارات الثقافية ولقاءات الكتّاب، إلى مساحة مهجورة تتناثر فيها الأوراق والمخطوطات والكتب المتناثرة في مشهد مؤلم بدا وكأنه اعتداء على ذاكرة السودان الثقافية نفسها، وليس مجرد بناء من الطوب والإسمنت. كانت الرفوف التي طالما حملت عناوين الفكر والأدب والتاريخ مثل جسد منهك أفرغ من روحه، بينما تناثرت مقتنيات البيت في صورة تلخص الانهيار الثقافي والمعرفي الذي حل بالخرطوم. وفي فترة احتلال قوات الدعم السريع للعاصمة الخرطوم، اضطر إلياس فتح الرحمن إلى مغادرتها والعودة إلى مسقط رأسه بقرية الكرو بالولاية الشمالية، حاملاً معه ألم الفقدان وقلق المثقف على مصير الكتاب والذاكرة الوطنية هناك. وبعيداً عن ضجيج الحرب، ظل منجذباً إلى الخرطوم وإلى «مداراتكم» التي لم تكن بالنسبة له مجرد دار نشر، بل مشروع مدى الحياة. بيت المعرفة، ومنبر للمثقفين والباحثين والكتاب. ومع انحسار بعض لهيب الحرب في الأشهر الماضية، عاد إلياس إلى الخرطوم بروح تشبه روح الباحثين بين الأنقاض عما بقي من معنى. وعندما سألته مستفسراً عن وضع مدارك، أجاب إلياس بأسف قائلاً: “عندما بدأت نذور قيامتنا في ساعاتها الأولى، ركضنا نحو المنزل، وحملنا ما استطعنا حمله من مقتنيات ثمينة ولوحات وخزف وبعض الكتب والمخطوطات المهمة. ووضعناها في قبو على السطح يصعب الوصول إليه، وأغلقنا المدخل المؤدي إليه، ونهبت ودمرت كل شيء آخر، وخاصة منحوتات الراحل ثلاثية الأبعاد”. جون قرنق، ومحمد المهدي المجذوب، وعبد الله الطيب، والطيب صالح، وإسماعيل الأزهري، وكلها أعمال الفنان والنحات الراحل صالح الزكي، وأنا أحاول منذ عودتي [إلى الخرطوم] استعنت بفريق له تاريخ ورزق وملح منهم النجار والحداد والسباك والمرممون وعمال النظافة. لقد قطعت خطوات جيدة، وربما بعد العيد سأكمل المهمة. ومن ثم سأحاول حل مشكلة الأجهزة التي تم نهبها، حتى مصابيحها الكهربائية. “أنا متأكد من أن ماداراك سيخرج مرة أخرى بقدر كبير من الصحة.” عاد إلياس إلى الخرطوم ليعيد “مدارك” إلى الحياة، ويبث فيها بعضاً من دفء الأيام الخوالي، مؤمناً أن الثقافة يمكن مهما كان حجم الدمار أن تنهض من تحت الركام. ولم تقتصر جهوده على ترميم الدار وإعادة نشاطها، بل انشغل أيضاً بمحاولات إنقاذ بعض المكتبات الخاصة التي تمثل جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الثقافية السودانية، حيث أدرك أن خسارة هذه المكتبات لا تعني فقدان الكتب فحسب، بل فقدان السير والتجارب والأصوات وطبقات كاملة من تاريخ السودان الفكري، ولذلك بدا وكأنه يخوض معركة أخرى موازية للحرب، معركة الدفاع عن الذاكرة والمعرفة في زمن الانهيار. تجربة دار مدراك للنشر لا تختصر تاريخ مؤسسة نشر فحسب، بل تعبر عن تاريخ جيل من المثقفين السودانيين الذين آمنوا بأن الثقافة فعل مقاومة، وأن الكتاب يمكن أن يظل شاهدا على حيوية المجتمع، حتى في أحلك الظروف. أما إلياس فتح الرحمن فقد مثل نموذج الناشر الذي تجاوز الدور التجاري إلى دور المثقف الذي هو حارس المعرفة والذاكرة الوطنية، ويظل اسمه مرتبطا بواحدة من أهم التجارب الثقافية المستقلة في السودان المعاصر ahmedabushouk62@hotmail.com الكاتب




