السودان – د. عبد اللطيف البني يكتب في (حاتب ليل): فلاحنا غير الله…

أخبار السودان21 يناير 2026آخر تحديث :
السودان – د. عبد اللطيف البني يكتب في (حاتب ليل): فلاحنا غير الله…

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2025-09-06 02:54:00

في صباح يوم 15 أبريل 2023، ذلك اليوم المشؤوم في تاريخ السودان، كنت في قريتي الواقعة شمال الجزيرة، لكن جزءًا كبيرًا من العائلة كان في الخرطوم. وبعد اتصالات تجمع من كانوا في العاصمة وعادوا إلى الجزيرة مساء نفس اليوم نظرا لقرب المسافة، بعد أن أغلقوا المنزل وأخبروا الجيران أنهم ذاهبون على أساس أنه سيكون يومين أو ثلاثة أيام وسيعودون، كما حدث يوم اغتيال قرنق والهجوم على خليل إبراهيم. وما ظنوا أنها (المرق الذي أكل) ولا حول ولا قوة إلا بالله. وواصلنا في الجزيرة متابعة ما يحدث في العاصمة كبقية أهل السودان، بمتابعة خاصة للحي التالي في الخرطوم: أهل فلان انزعجوا، ودخل عليهم ناس فلان، وانكشف بيت ناس فلان، وزعموا أنهم ضربوه، وكسروا مفتاح بيتك، ودخلوا الغرف، لكن ماذا فعلوا؟ نحن لا نعرف. جارتك العشوائية التي كانت تكمل عيوبها منك، دخلت إلى منزلك بمساندة… وهكذا حتى وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها منزلك قاعاً عارياً وخرج كل الجيران… اللهم لا اعتراض على حكمك. بعد اجتياح الدعم السريع للجزيرة في 18 ديسمبر 2023، نسينا الخرطوم وما حدث لها.. وما حدث لبيتنا هناك.. فأصبحنا (في تولا) ووجدنا أنفسنا أمام حكومة أمر واقع جديدة مقرها مسيد وديسة، ووالينا الجديد يدعى حسن عبد الله، ويعرف بالترابي، ويحمل رتبة عقيد من قبيلة السلامات. أما الحاكم المباشر في قريتنا وضواحيها فهو أحمد من سكان الرزيقات. لقد كانت حكومة (نموذجية) ذقنا فيها كل أنواع الذل والقهر والموت والنهب وكل ويلات الحرب. فإذا مرت أجزاء من السودان بالحكومات الوطنية من الأزهري إلى البرهان، فقد تجاوزناها نحن وأمثالنا، كما مررنا بحكومة الدعم السريع برئاسة الدقلو. وفي منطقتنا، تم تفويض صلاحياتها إلى الترابي والأهالي، وكانت لهم صلاحيات تشريعية وقضائية وتنفيذية واسعة جداً. فرضوا عليك ما رأوا من الجزية، وأخذوها بماسورة البندقية والدبابش، وعاقبوك على ما ظنوا. سلطات لم تخطر على بال جعفر بخيت أبو الحكم المحلي في السودان الذي دعا إلى توسيع الحكم المحلي إلى حد خفض ضريبة إنتاج البيبسي كولا والحصول على تصريح له بالتصرف في محلية من أخذت منهم. يا وطني ما أذكاك.. وما دخلنا بها، تلك قصة أخرى. أهلنا في شمال وشرق السودان، لقد سبقناكم بحكومة كاملة، تختلف عن كل حكومات العالم. إذا كان تفكيرنا في مستقبل السودان يختلف عن تفكيركم فاعذرونا… وليس من رأي كم سمع. خلال فترة حكومتنا السنية، التي كان عمرها 15 شهرًا بالضبط، تعرضت قريتنا لغزو مجموعة كاملة من الماليزيين لغرض وحيد هو الغنائم. كان ذلك يوم الخميس 14 نوفمبر 2024، واشتعلت النيران في القرية بأكملها. فتركنا منازلنا وأمضينا شهراً كاملاً في النزوح إلى القرى المجاورة التي كانت أيضاً خاضعة لنفس الحكومة التي طردتنا من منازلنا. ثم عدنا إلى بيوتنا بعد أن انتهى طغيان النار. أخذ الرعاة الدوليون كل الأشياء الثمينة، حتى أن الرعاة المحليين أخذوا الأغطية والمراتب. ورغم ذلك، عندما عدنا إلى منازلنا، تبادلنا التعازي بشهدائنا الذين بلغ عددهم ما يقارب المئة، بعضهم استشهد برصاص مباشر وبعضهم من الحركة المصاحبة للغزو. رغم عمق الجراح، قبلنا جدران منازلنا التي لم نظن أننا سنراها مرة أخرى. ثم جاء الخلاص النهائي على يد قوات الشعب المسلحة ومن كان يبحث عنها، فتنفسنا الصعداء، وعاد الوطن إلى ضميرنا، وعادنا إلى حكومة البرهان. إذن يا أهل الخير، من خلال هذه التجربة الشخصية أعلاه، والتي تعرض لها الكثيرون، مررت بتجربتين من الطرد من الوطن والحرمان من الملكية، في الخرطوم والجزيرة. ولكنني أستطيع أن أقول لك الحقيقة إن الجرح العميق في نفسي سببه ما حدث في الجزيرة، رغم أن ما فقدته في الخرطوم من الناحية المادية المجردة كان أعظم: نهب الأبقار من الزريبة ومعها الكارو وحمارها ومطحنة القصب… السائل المنوي أكثر من سرقة سيارة ركاب كوريلا 2015… نهب جولات الذرة والقمح والكزبرة التي كانت في مخزني… لقد آلمني أكثر من النهب. من كراسي الجلوس وغرفة الاستقبال بالخرطوم، محرومين من الذهاب إلى الفناء أيام حكومة الاحتلال. وكان الأمر أصعب بالنسبة لي من الحرمان من التجول في العاصمة بين الطبقات والمنتديات الثقافية والإعلامية. لكن سيارة البروفيسور تيسير محمد فرغلي الفاخرة ذات الدفع الرباعي، والتي وضعها أمانة لدينا بعد تدمير الخرطوم، تظل مصدر ألم خاص. غادرت السودان في أواخر أبريل 2025. والحمد لله على نعمة البنات والشباب، فهم مدخرات حقيقية، وبمناسبة البنات، هذه الأيام كلما نسأل أحد أصحاب العقارات المشردين يقال لنا (قاعد مع والده) أي يقيم مع ابنته، فأعطيوا عشرة لبناتكم. خلال هذه الأشهر الخمسة التي قضيتها بين المملكة العربية السعودية ومصر، سافرت كثيرا بين الجاليات السودانية، ولاحظت أن القادمين من البيئات الزراعية هم الأكثر تأثرا بالحنين، أي الشوق الشديد والحنين إلى الوطن، وهم الذين يشتاقون للعودة إليه. وهي نعمة ويمكنك أن تقول ضريبة ملحقة بالزراعة الملحقة بالأرض. وقد كتب صديقنا الأستاذ عبد العظيم المحال مقالاً مهماً عن سرعة التعافي في الجزيرة بعد الحرب، وليس في غيرها. وأقفز أبعد وأقول إن (إخواننا) الذين اعتدوا علينا وأخضعونا للعذاب الشديد، أكرر (إخواننا) الذين ألهمهم الأعداء علينا، لو كانوا قادمين من البيئات الزراعية لما فعلوا بنا ما فعلوا. إنهم يأتون من بيئات رعوية تعيش في حالة تنقل. وفيها يربط الإنسان مصيره بمصير البقرة ويتحرك وفق مطالبها. وكما قال الكاتب المقيم الراحل إبراهيم إسحاق، أحد سكان تلك المناطق: “لا بناء ولا حضارة ولا حياة آمنة مع السفر”. وطبعاً ابن خلدون فعل ذلك من قبل. والمفارقة أن هؤلاء الإخوة (هذه المرة دون قوسين) قادمون من منطقة السافانا الغنية، التي تبكي بسبب المطر، وتبكي بسبب عدم الاهتمام بهذه النعمة، ودراسات توطين البدو على ظهر الشعب، لكنه الحق الذي أصبح علامة تجارية مسجلة للسودانيين. لكل ما سبق يمكننا القول أن أي حديث عن إعادة إعمار أو إعادة بناء السودان لا يبدأ بالزراعة هو كلام عقيم ومضيعة للجهود، إذا كانت هناك جهود حقيقية. ومن خلال الزراعة نصنع مواطناً صالحاً ملتصقاً بأرضه، مواطناً وطنياً محباً لوطنه. بالزراعة نزيل بذور الشر التي عششت في عقول إخوتنا الذين غزوا، وغزوا، ونظفوا بيوتنا التي فتحناها لمن جاء إلينا. وأذكر أنني في برنامج “السبت الأخضر” الذي أذيع على قناة النيل الأزرق، استضفت عددا من الاقتصاديين في حلقة حول التعدين. وخلال الحلقة ظهرت خلال الحلقة نبرة تحذيرية، لدرجة أنه قيل خلال تداعيات الحديث ومن خلال التجربة الأفريقية أن التعدين لم تبدأه دولة إفريقية إلا إذا قالت لها الحرب: خذني معك. فالأفضل للسودان بعد نفاد النفط ألا يعتمد على الذهب ويتركه حتى يقوي موارد الدولة ثم يلجأ إليه. والأفضل أن يختزن في باطن الأرض، لأنه لو خرج إلى خزائن البشر مع ضعف الدولة تبعته أمة طه.. ولولا الذهب ما زادت الثروة. ومع قليل من التأمل والتمحيص سنكتشف أن حربنا اللعينة هذه هي حرب الذهب بامتياز. وأذهب إلى أبعد من ذلك وأقول إنه إذا لم تضع الدولة حداً لفوضى الذهب الحالية، فإن الحرب لن تتوقف. ونذكر هنا أن المرحوم الدكتور عبد الوهاب عثمان عندما كان وزيرا للمالية اقترح بعد اكتشاف النفط وتصديره أن تبقى ميزانية البلاد كما هي من حيث مدخلاتها ونفقاتها، وأن تذهب كل إيرادات النفط إلى الزراعة والبنية التحتية التي تحتاجها، لكن (إخوته) لم يرفضوا هذا الرأي المتقدم، بل خانوه وجعلوه يعود إلى منزله في الصافية بسيارة أجرة، وترك لهم مقر الحكومة وعربته ونفطه. لقد حدث ما حدث، ولا نقول ما حدث. ذهب النفط وجاء الذهب وجاء الخراب. فارجعوا إلى الزراعة يرحمكم الله ليكون هناك تعمير وتعمير أو حتى تأسيس وتأسيس هنا بدون أقواس.

اخبار السودان الان

د. عبد اللطيف البني يكتب في (حاتب ليل): فلاحنا غير الله…

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#عبد #اللطيف #البني #يكتب #في #حاتب #ليل #فلاحنا #غير #الله..

المصدر – اعمدة محلية – صحيفة السوداني