اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-22 10:25:00
منذ 18 ساعة الدكتورة نازك حامد الهاشمي 331 زيارة الدكتورة نازك حامد الهاشمي: مكافحة الفساد من أهم القضايا التي تحدد مصير المجتمعات واستقرارها، ولا يمكن للجهود الرسمية وحدها أن تنجح في الحد منها ما لم يتم بناء قاعدة وعي مجتمعي متينة، بدءاً من سن مبكرة. إن توجيه الاهتمام نحو تنوير الشباب في المرحلة العمرية التي تسبق الجامعة يمثل ضرورة استراتيجية، لأن هذه المرحلة تشكل الإطار الأساسي لاكتساب القيم والمفاهيم التي تصاحب الفرد لاحقاً في حياته. في هذه المرحلة يكون الشاب في مرحلة بناء الهوية، ويتأثر بشكل مباشر بالأسرة والمدرسة والمجتمع. وفي غياب التوجيه الواعي قد تتشكل تصورات غير دقيقة عن الفساد كسلوك مقبول أو وسيلة لتحقيق المصالح. لكن إذا تم ترسيخ قيم النزاهة والشفافية والعدالة في وقت مبكر، فإن ذلك يساهم في تشكيل سلوك مكافحة الفساد المبني على القناعة الداخلية، وليس الخوف من العقاب. تكتسب هذه المرحلة أهميتها من كونها فترة الضعف الشديد وتكوين عادات سلوكية مستقرة. كما أن بعض الممارسات البسيطة في هذا العمر، مثل الغش أو استغلال العلاقات، قد تشكل بوابة لتطبيع سلوكيات أكبر في المستقبل، مما يجعل التدخل التربوي المبكر عنصرا وقائيا مهما في بناء السلوك الأخلاقي. ومن هذا المنطلق، لا يقتصر تنوير الشباب على نشاط توعوي، بل يمثل استثمارًا وقائيًا طويل المدى يهدف إلى بناء منظومة قيمية تقلل من فرص إعادة إنتاج الفساد. كما يمكن للشباب الواعي أن يصبح عنصراً مؤثراً إيجابياً في بيئته الاجتماعية، مما يساهم في نشر ثقافة النزاهة بشكل غير مباشر. وتشير بعض التجارب العالمية إلى أهمية هذا الاتجاه، مثل تجربة سنغافورة التي اعتمدت على دمج مفاهيم الانضباط والمسؤولية في التعليم المبكر، وتجربة فنلندا التي ركزت على بناء الثقة والمشاركة داخل البيئة المدرسية، بما يعزز السلوك المسؤول لدى الطلاب. وفي السياق الإقليمي، تعتبر تجربة تونس أحد النماذج التي سعت إلى دمج ثقافة النزاهة ومكافحة الفساد في البرامج التعليمية والتوعوية الموجهة للشباب، من خلال الأنشطة والمبادرات المدرسية التي تقودها المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني. ركزت هذه التجربة على تحويل مفاهيم الشفافية والمساءلة من إطارها النظري إلى ممارسات وسلوكيات قابلة للتطبيق داخل البيئة التعليمية، بما يعزز الوعي المبكر لدى الفئات الشابة. وفي هذا السياق يمكن التوسع في فهم آليات تكوين الوعي القيمي لدى الشباب استنادا إلى نظرية التعلم الاجتماعي لباندورا، التي تؤكد أن اكتساب السلوك الإنساني لا يحدث عن طريق التلقين المباشر فقط، بل يتشكل إلى حد كبير من خلال ملاحظة وتقليد النماذج السلوكية الموجودة في البيئة المحيطة، سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو المجتمع الأوسع. ومن هذا المنظور، لا ينظر إلى الخطاب التربوي كمصدر مستقل لتكوين القيمة، بل كجزء من نظام أوسع من النماذج التي يتعرض لها الفرد بشكل يومي. وعليه فإن فعالية الرسائل التربوية المتعلقة بالنزاهة ومكافحة الفساد تتحدد بمدى توافقها مع السلوكيات الواقعية التي يلاحظها المتعلم في بيئته الاجتماعية. عندما يدعو الخطاب التربوي إلى قيم مثل الشفافية والمساواة واحترام القانون، بينما في الواقع يلاحظ المتعلم ممارسات متناقضة مثل المحسوبية أو التمييز أو استغلال النفوذ، ينشأ نوع من التوتر المعرفي والسلوكي بين ما يقال وما يمارس. ولا يبقى هذا التناقض على مستوى الفهم النظري، بل يؤثر بشكل مباشر على عملية التعلم، حيث تميل آليات التعلم بالملاحظة إلى تفضيل النموذج الأكثر حضورا وتكرارا وتأثيرا، وليس بالضرورة النموذج الأكثر مثالية. ومع استمرار هذا الانفصال بين الخطاب التربوي والواقع الاجتماعي، يفقد الخطاب التربوي تدريجيا قدرته على الإقناع، ويتحول من كونه إطارا مرشدا للسلوك إلى مجرد معرفة نظرية منفصلة عن الحياة اليومية. وفي المقابل، فإن الواقع الاجتماعي الذي لا يتوافق مع القيم التربوية يكتسب قوة نموذجية أعلى، لأنه يُعاش ويُلاحظ بشكل مباشر، مما يجعل المتعلم أكثر عرضة لاعتماده كأساس للسلوك الفعلي. وقد يؤدي هذا التناقض أيضًا إلى إضعاف الثقة في المؤسسات التعليمية نفسها، حيث يشعر المتعلم بوجود فجوة بين ما يفترض أن يتعلمه وما يمارسه فعليًا، وهو ما قد ينعكس في شكل تبرير السلوكيات السلبية أو تطبيعها باعتبارها “واقعًا اجتماعيًا” لا يمكن تجاوزه. ومن ثم فإن فعالية التربية القيمية لا تعتمد فقط على جودة المحتوى التعليمي، بل على درجة الاتساق بين الخطاب التربوي والنماذج السلوكية الفعلية داخل المجتمع. ومن هنا يتضح أن معالجة هذه المشكلة لا تكمن في تعزيز الخطاب التربوي وحده، بل في تقليص الفجوة بينه وبين الواقع الاجتماعي، من خلال تعزيز القدوة الإيجابية وتفعيل دور المؤسسات في تقديم نماذج سلوكية تتوافق مع القيم المعلنة، بحيث يصبح التعلم بالملاحظة داعما للخطاب التربوي وغير متعارض معه. وفي هذا السياق فإن بناء بيئة تعليمية ومجتمعية منسجمة مع قيم النزاهة يصبح شرطاً أساسياً لضمان فعالية أي مشروع توعوي في مجال مكافحة الفساد. ولا تتحقق فعالية هذا النوع من التدريب من خلال المناهج وحدها، بل من خلال تكامل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام في بناء بيئة قيمية متسقة. كما تظل القدوة السلوكية عنصرًا حاسمًا، حيث يصعب ترسيخ مفاهيم النزاهة في ظل تناقضها مع الواقع الممارس. وفي هذا السياق يمكن فهم التعامل مع الفساد على أنه عملية مرتبطة بالبنية القيمية التي تتشكل في المراحل الأولى، حيث تصبح المفاهيم الأخلاقية جزءا من تكوين الفرد وليس مجرد التزام خارجي. ومن خلال تجربة ميدانية صغيرة أجريتها قبل عدة سنوات مع طلاب ما قبل الجامعة، تم قياس مستوى الوعي بمفاهيم النزاهة، وأظهرت النتائج وجود تباين يتعلق بنوع البيئة التعليمية ومستوى المعرفة الفردية، حيث تبين أن الطلاب الذين يتعرضون لمصادر معرفة أكثر تنوعاً يمتلكون فهماً أعمق لهذه المفاهيم. ولم يكن الهدف من هذه التجربة إجراء بحث أكاديمي بالمعنى التقليدي، بل أن تكون مقدمة لاستكشاف طبيعة الوعي وتوجيه النقاش حوله. وعليه، تم عقد جلسات توعوية تفاعلية ركزت على ربط مفاهيم النزاهة بالحياة اليومية، كاحترام القوانين، وتحمل المسؤولية، وفهم العلاقة بين الحقوق والواجبات. وأعقب ذلك تنظيم حلقات نقاش بين الطلاب أنفسهم، حيث سمح لهم بالتعبير عن آرائهم وتبادل وجهات النظر بحرية. وكان دوري في هذا السياق أقرب إلى دور الميسر والمراقب، مع التركيز على مراقبة التفاعل دون التدخل المباشر في توجيه المحتوى. وأظهر الطلاب درجة جيدة من المشاركة، مما عكس قدرتهم على فهم المفاهيم وإعادة صياغتها ضمن المناقشات النقدية والمتبادلة. ومن الناحية التحليلية، فإن هذا النوع من التفاعل يعزز التعلم التشاركي، حيث لا يقتصر اكتساب المعرفة على التلقي، بل يمتد إلى إنتاجها ومناقشتها، مما يساهم في ترسيخ فهم أعمق. وتبين هذه التجربة أن المبادرات البسيطة يمكن أن تلعب دورا هاما في بناء الوعي إذا كانت مبنية على فهم واضح لطبيعة الفئة المستهدفة. كما يؤكد أن تطوير هذا النوع من البرامج يتطلب تنوع الأدوات التعليمية والتعاون المؤسسي لضمان الاستمرارية. وفي هذا السياق، يبرز دور المجتمع المدني أيضاً كعنصر مكمل للجهود الرسمية، من خلال مبادرات أكثر مرونة والقدرة على الوصول مباشرة إلى الشباب، وربط المفاهيم النظرية بتجارب الحياة الواقعية، مما يعزز استدامة الأثر التوعوي. وعليه فإن تكامل أدوار المدرسة والأسرة والمجتمع المدني والمؤسسات الرسمية يشكل الإطار الأنسب لترسيخ ثقافة النزاهة كقيمة مجتمعية ثابتة، وليس مجرد سلوك فردي محدود. وفي الختام، تجدر الإشارة إلى كتاب التربية من أجل النزاهة العامة: تدريس مكافحة الفساد والقيم وسيادة القانون، والذي يؤكد أن مكافحة الفساد لا يمكن اختزالها في الإجراءات القانونية أو الإشرافية، بل تتطلب بناء ثقافة مجتمعية قائمة. على مبدأ النزاهة ابتداءً من المراحل التعليمية الأولى. وينطلق الكتاب من تصور أساسي مفاده أن الفساد يرتبط بضعف البنية القيمية والمعرفية داخل المجتمع، الأمر الذي يجعل من التعليم أداة وقائية محورية في تشكيل السلوك العام. ويعزز هذا الطرح الفهم القائم على أن المدرسة ليست مجرد مساحة لنقل المعرفة، بل بيئة لتكوين الاتجاهات والسلوكيات، من خلال دمج مفاهيم النزاهة والشفافية والمساءلة في العملية التعليمية، واستخدام الأساليب التفاعلية التي تعزز التفكير النقدي وربط القيم بالممارسة. وفي ضوء النتائج التي أظهرتها هذه التجربة الميدانية البسيطة، يتضح أن مستوى الوعي بمفاهيم النزاهة لدى طلاب المرحلة ما قبل الجامعية لا يتحدد بالمحتوى الأكاديمي فحسب، بل يرتبط أيضاً بطبيعة البيئة التعليمية ومستوى التعرض للمصادر المعرفية، بالإضافة إلى فعالية الأساليب التفاعلية في المناقشة والتعلم. وقد أثبتت هذه التجربة أن الانتقال من مجرد التلقين إلى الحوار يساهم في رفع درجة الفهم وتحويل المفاهيم من المعرفة النظرية إلى الوعي السلوكي. وعليه فإن التقارب بين الإطار النظري الذي يقدمه الكتاب والنتائج الميدانية يشير إلى أن بناء ثقافة النزاهة هي عملية تراكمية تتطلب دمج التعليم الرسمي مع الممارسات التعليمية التفاعلية داخل المدرسة، بالإضافة إلى دور الأسرة والمجتمع في دعم نفس القيم. ولذلك فإن الاستثمار في تنمية الوعي المبكر لا يمثل مجرد اتجاه تربوي، بل يشكل مدخلاً أساسياً لأي استراتيجية مستدامة لمكافحة الفساد، تقوم على الوقاية قبل العلاج، وعلى تشكيل الإنسان الواعي قبل بناء الأنظمة الرادعة. nazikelhashmi@hotmail.com وانظر أيضاً الدكتورة نازك حامد الهاشمي تناقش كتاب سياسة القومية الثقافية الفرعية في أفريقيا (سياسة القومية…



