اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-06 22:57:00
بقلم: هشام الحلو هناك حياة لا تقاس بالسنين، بل بالكثافة الجمالية التي تخلفها خلفها، مثل شهاب يعبر سماء الأغنية الحديثة لينير ظلمة الحداثة الموسيقية وسرعان ما يمر، تاركا وراءه بصمة لا تمحى. هكذا كانت “عالية”؛ لم تكن مجرد مغنية بوب أو عارضة أزياء عابرة في فلك الشهرة الأميركية، بل كانت تعبيراً بصرياً وصوتياً لزمن كان يبحث عن هويته الموسيقية في أواخر التسعينات وبداية الألفية. ولدت علياء في نيويورك في 16 يناير/كانون الثاني 1979، واستوعبت روح الموسيقى في ديترويت، فخلقت لنفسها هالة فريدة جمعت فيها بين الغموض الآسر والنعومة الشديدة منذ اعتلت المسرح وهي في الثانية عشرة من عمرها فقط. أُطلق عليها لقب “أميرة الآر آند بي”، ولم يكن اللقب مجرد تتويج مجازي، بل كان بمثابة اعتراف بقدرتها الاستثنائية على إعادة هندسة هذا النوع الموسيقي. نجحت بصوتها الآسر المتدفق برقة كالحرير، في سد الفجوة بين قسوة الهيب هوب وعاطفية الـ R&B منذ ألبومها الأول “Age Ain’t Nothingbut a Number” عام 1994، وألبومها اللاحق “One in a Million” الذي حقق مبيعات مليونية جعلتها في صدارة العالم كأصغر مغنية تغني في حفل توزيع جوائز الأوسكار وتتلقى ترشيحات جرامي. ومن خلال تعاونها. مستوحاة من عباقرة الإنتاج مثل تيمبالاند وميسي إليوت، تحولت علياء إلى مختبر تجريبي لموسيقى المستقبل؛ لم تكتفي بغناء الكلمات، بل استخدمت الإيقاع وأعطت للأغاني المعاصرة بعداً حسياً ونفسياً يعكس قلق جيل كامل، جيل يتأرجح بين صلابة الواقع وسيولة المشاعر. وفي ألبوماتها، وتحديداً في ألبومها الأخير الذي حمل اسمها «عالية» عام 2001، ظهرت ذروة نضجها الفني، حيث قدمت صورة مختلفة للشابة في الفن؛ صورة تجمع بين القوة والهشاشة، والحضور الطاغي والغموض الممتد خلف نظارتها الشمسية الشهيرة وخصلاتها المنسابة. ولم يكن هذا الغموض البصري مجرد موضة موضة، بل كان بمثابة “قناع وجودي” ودرع وقائي ذكي ضد تسليع الجسد الأنثوي داخل أروقة صناعة الموسيقى في ذلك الوقت. لم تكن نجمة تصنع في أروقة الشركات، بل هي مشروع جمالي متكامل ينتقل بسهولة مذهلة بين مراحل الغناء وكاميرات السينما، كما شاهدناها في هوليوود من خلال أفلام “روميو يجب أن يموت” مع نجم الفنون القتالية جيت لي، و”ملكة الملعونين”. لتؤكد من خلالها أنها كانت تجسيداً للرشاقة الصوتية، والخفة الواثقة التي تقود المستمع عبر المقامات دون تكلف أو صراخ. لكن في الخامس والعشرين من أغسطس عام 2001، عندما كنت في الثانية والعشرين من عمري فقط، توقف ذلك النبض الإيقاعي فجأة؛ في حادث طيران مأساوي في جزر الباهاما، تحطمت الطائرة المثقلة بالحمولة بعد ستين مترا فقط من إقلاعها، لتتحول إلى كتلة من النيران، وتحطمت معها أحلام إبداعية لم تكن قد بلغت مداها بعد، مباشرة بعد انتهائها من تصوير أغنيتها الأخيرة. هذا الرحيل المبكر نقلها تلقائيا من شواطئ النجومية إلى شواطئ الأسطورة، ومع مرور ربع قرن على ذلك الغياب المفاجئ، تجدد الحزن حيث رحل معها فريق عملها، تاركا وراءه جمهورا يملأ الشوارع بالشموع وصورها المزينة بالقلوب. ويذكرنا غيابها بـ«أسطورة سيزيف» في سياقها الفني، حيث بذلت جهداً استثنائياً لتصل إلى قمة النضج والتألق، لتتحطم الطائرة ويترك الفن يواجه فراغاً واسعاً. رحلت مع الريح لحظة صعودها المطلق، وكأن القدر شاء لها أن تظل شابة في ذاكرة العالم إلى الأبد، مقاومة للتجاعيد وصعبة النسيان.رغم مرور السنين، لا يزال إرث علياء حيا ويتنفس في أعمال معظم نجوم الموسيقى المعاصرين. وتركت خلفها مدرسة في الأداء البصري والحركي، وأسلوباً في الغناء يعتمد على الهمس الواثق والتحكم الذكي في نبرة الصوت. لم تكن علياء مجرد لحظة عابرة في تاريخ الموسيقى. بل كانت لحظة فاصلة أعادت ترتيب ملامح البوب الحضري، ومع كل لحن من أغانيها مثل «حاول مرة أخرى» أو أغنيتها الأخيرة «روك ذا بوت» نشعر بذلك الكآبة النبيلة؛ حزن نابع من سخرية القدر المرعبة، إذ كانت في أغنيتها الأخيرة تنادي بهز القارب والطيران في فرحة اللحظة، لكن الطائرة اهتزت وسقطت، تاركة وراءها محبي الفن الحقيقيين إرثا تزداد قيمته مع مرور الوقت، ومقولة تلخص نقاء روحها التي رحلت عنا مبكرا: “أريد أن يتذكرني الناس دائما أنني كنت من الشخصيات الطيبة”. hishamissa.issa50@gmail.com الكاتب




