اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-26 12:56:00
الصادق حمدين، منذ اندلاع حرب السودان ضد نفسه، عندما أطلقت رصاصة فتنت من جماعة الشر المطلق، لم تكتف قناة العربية الحدث بتغطية المشهد، بل بدت منخرطة فيه كطرف غير معلن، يرتدي عباءة الاحتراف بينما يلعب عمليا دور المتحدث غير الرسمي لهيئة بورتسودان. خلف العناوين العاجلة، والموسيقى التصويرية الصاخبة، والوجوه التي ترتدي قناع الجدية والوقار، وتتظاهر بالحيادية، بثقة فاحشة، يتم إعادة إنتاج الرواية الرسمية نفسها وتقديمها على أنها الحقيقة الكاملة التي لا تحتمل ظل الشك أو حق المراجعة والنقاش. لكن المتابع المهتم بالأخبار سرعان ما يدرك أن القناة لا تنقل الحقيقة بقدر ما تردد الصوت القادم من معسكر البرهان وجماعته، لدرجة أن الفرق بين الخبر والتوجيه السياسي يكاد يختفي من شاشتها. وتحولت القناة إلى مسرح دائم للانتقائية السياسية. تفتح الشاشات على مصراعيها عندما يخدم حدث ما أجندة معينة، وتغلق فجأة عندما تصبح الحقيقة محرجة أو مخالفة للعاطفة السياسية، دون حتى اعتذار تتبعه ابتسامة مهما كان لونها. المهنية التي تدعيها القناة تنهار عند أول اختبار جدي للحياد، إذ يُمنح الضيف الذي يتماشى مع خط القناة مساحة البطل المطلق للوصول والتجول في ساحة الأكاذيب، فيما يتم استبعاد الرأي المخالف أو تقديمه بصورة مشوهة ومربكة. بضربة لسان، يتجه الميكروفون نحو خصمه، مكررًا الكذبة بجدية تقترب من الإذلال. أما اللغة الإعلامية التي تعتمدها القناة، فهي تعتمد على المبالغة والتوجيه النفسي أكثر من نقل الحقائق. فعبارات مثل «مصادر مطلعة»، و«الأخبار المتداولة»، و«تفضيلات المراقبين»، و«تقرير مراسلنا» -من مخبأه البعيد عن موقع الحدث- تُستخدم كأدوات لإحداث انطباع، وليس لنقل معلومات عارية. لا يُمنح المشاهد الفرصة للتفكير، بل يُدفع نحو نتيجة جاهزة، مُصممة بعناية داخل غرف التحرير. ولا يتوقف الخلل المهني عند حدود الانحياز السياسي، بل يمتد إلى خلق روايات هشة مبنية على التكرار أكثر من الحقائق. ما الذي يجعل الأخبار التي تتكرر يوميا عن “انقسامات كبيرة” داخل قوات الدعم السريع في غرب وجنوب كردفان، أو في شمال وجنوب دارفور، حقيقة في حد ذاتها، في حين أن الأسماء التي يتم طرحها ليس لها وجود فعلي على الأرض وليس لها أي تأثير في موازين الميدان؟ إن إعادة بث نفس الادعاء بعناوين مختلفة لا يحوله إلى واقع، بل يكشف عن محاولة ممنهجة لخلق انطباع نفسي لدى المتلقي، وكأن القناة تراهن على أن شدة التكرار يمكن أن تعوض غياب الأدلة وتجميل الأكاذيب. المفارقة التي تفتح نافذة الدهشة هي أن القناة تمضي أحيانا في تضخيم الأحداث الفردية، مثل هروب “الفلانجي” علي رزق الله المعروف بـ “السفنة”، واستسلامه المهين لجيش الكيزان مقابل “حفنة ريالات” لا تبرر تلك الذل. ويبالغون في هذا الحدث المنفرد وكأنه مقدمة لانهيار كامل لنظام الدعم السريع، في قراءة أقرب إلى المبالغة السياسية منها إلى التحليل الموضوعي. منطق الإعلام الرصين يتطلب تقييم الحقائق بحجمها الحقيقي، وعدم تحويل كل حادث إلى مادة لإنتاج أوهام الانهيار الوشيك لكيان في طريقه إلى التحول إلى دولة بكل أركانها الدستورية وكيانها القانوني. وقد يجد البعض عذراً لأصحاب مجموعات «لايف» و«لايف دايركت» و«تكبير ومشاركة» الذين يتداولون ما يتسرب إليهم من غرف المخابرات دون تدقيق أو تدقيق، بسبب عشوائية منصاتهم وافتقارها للمعايير المهنية. لكن ما الذي يبرر قناة تدعي الاحترافية والمصداقية أن تنزلق إلى نفس النهج؟ فكيف لمؤسسة إعلامية بحجم “العربية الحدث” أن تسارع إلى تحميل الدعم السريع مسؤولية قصف منزل القتيل عزام شقيق أبوعاقلة كيكال، قبل أن ينقشع دخان المأساة نفسها، ودون انتظار تحقيق أو تحقق أو حتى رواية كاملة؟ السبق الصحفي لا يعني القفز فوق الحقيقة، والمهنية لا تقاس بسرعة الاتهام، بل بقدرة المؤسسة على التحقق، خاصة في زمن الدم والحرب، حيث يمكن أن تتحول الأخبار غير الدقيقة إلى وقود إضافي للفتن. ولم تعد القناة تكتفي بالتحيز، بل أصبحت تمارس نوعا من الوصاية على وعي الجمهور، وتقرر ما يجب أن يغضب الناس، وما يجب تجاهله، ومن يستحق التعاطف، ومن يجب شيطنته. وهي لا تنقل الواقع بقدر ما تعيد هندسته ليناسب مصالح مموليها واتجاهاتها السياسية. والأخطر من ذلك أن «العربية الحدث» تقدم نفسها على أنها منبر للحقيقة، بينما تتعامل مع الأخبار كمادة أولية للدعاية الناعمة. فعندما تختلط الصحافة بالدعاية يصبح الإعلام أداة لتزييف التصور الجمعي، وليس وسيلة لإنارة الرأي العام. الإعلام الحقيقي لا يقاس بارتفاع الصوت، ولا بعدد الشاشات العملاقة، ولا بتوظيف أجمل النساء ذوات الأصوات الدافئة، بل بقدرته على احترام عقل المشاهد. وعندما تفقد القناة هذا الاحترام، تتحول من منصة إعلامية إلى مجرد صدى.. صدى صوت كاذب، يكرر ما يطلب منه قوله، حتى لو كان الحق يصرخ بعكس ذلك. فما الفرق بين قناة العربية الحدث ومنصة “لايفتي”؟ البائس الذي يصر بغباء على أن الماء له لون وطعم ورائحة. umniaissa@hotmail.com الكاتب




