اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-25 17:14:00
اجتماع نيروبي بين فراغات مؤتمر برلين وإمكانات بناء كتلة سودانية مؤثرة: قراءة سياسية واقتصادية لفرص التسوية السودانية البروفيسور: حسن بشير محمد نور جاء اجتماع نيروبي الذي ضم عدداً من القوى السياسية السودانية والحركات المسلحة وشخصيات وطنية ومدنية، في لحظة بالغة التعقيد من تاريخ السودان، حيث تتقاطع الأزمة العسكرية مع الانهيار السياسي والتدهور الاقتصادي الشديد، وتدهور غير مسبوق للأوضاع الإنسانية. وفي ظل تعثر المبادرات الإقليمية والدولية السابقة، وأبرزها مؤتمر برلين الذي سعى إلى دفع جهود معالجة الأزمة السودانية دون النجاح في تحقيق اختراق جوهري يتناسب مع حجم الكارثة الوطنية، برز اجتماع نيروبي كمحاولة لإعادة صياغة مسار سياسي سوداني يمكن أن يساهم في سد بعض الثغرات التي خلفتها المبادرات السابقة، أو على الأقل توفير منصة جديدة للحوار والتنسيق بين القوى التي ترى أن الأزمة السودانية تجاوزت الحلول الجزئية والرهانات الضيقة. وعلى صعيد التركيبة السياسية، حمل اجتماع نيروبي أهمية نسبية لأنه جمع أطرافا ذات خلفيات فكرية وسياسية وتنظيمية مختلفة، منها أحزاب سياسية، حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، وحركة التيار الشعبي الديمقراطي بقيادة ياسر عرمان، إضافة إلى شخصيات وطنية ومدنية ذات حضور سياسي وفكري. هذا التنوع أعطى اللقاء بعدا سياسيا مهما، إذ عكس وعيا متزايدا بأن الأزمة السودانية لم تعد أزمة صراع عسكري محدود، بل أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة واختلال موازين القوى والتهميش التاريخي وغياب المشروع الوطني الشامل. إلا أن أهمية هذا التنوع تظل مرتبطة بمدى قدرة هذه الأطراف على تجاوز خلافاتها التاريخية وصياغة رؤية مشتركة تتسم بالوضوح والاتساق. عند تقييم مدى نجاح اجتماع نيروبي في ملء الفراغات التي خلفها مؤتمر برلين، تأتي مسألة وقف إطلاق النار أولا. وظلت أغلب المبادرات السابقة تعاني من غياب أدوات التنفيذ الفعالة وآليات الرقابة والضمانات الملزمة للأطراف المتحاربة. وإذا نجح اجتماع نيروبي في التأكيد على ضرورة وقف الحرب وحماية المدنيين، فإن السؤال الأساسي هو مدى قدرته على تقديم رؤية عملية وآليات قابلة للتطبيق تضمن الانتقال من الدعوات السياسية العامة إلى ترتيبات واقعية يمكن أن تؤثر على مسار الصراع. ويبدو حتى الآن أن اللقاء ساهم في تعزيز الخطاب السياسي ضد استمرار الحرب، لكنه لم يقدم بعد رؤية عملياتية متكاملة يمكن اعتبارها اختراقاً حاسماً في هذا الملف. وعلى مستوى المسار السياسي، تكمن أهمية اجتماع نيروبي في محاولته تقديم رؤية ترتكز على دور القوى السودانية نفسها في إيجاد الحل، بعيداً عن الاعتماد الكامل على التوجهات الخارجية. وقد يعكس ذلك وعياً متزايداً بفشل العديد من المبادرات التي تعاملت مع الأزمة السودانية باعتبارها مجرد أزمة تقاسم السلطة بين الأطراف المتصارعة، متجاهلة جذور الأزمة البنيوية المرتبطة بطبيعة الدولة السودانية، وتوزيع الثروة، والعدالة، والمواطنة، والتنمية غير المتوازنة. لكن نضج هذا المسار السياسي يعتمد على شموليته وقدرته على مخاطبة مختلف مكونات المجتمع السوداني، بما في ذلك القوى المدنية العريضة، والفاعلين في الهامش والمركز، والكتل الاجتماعية المتضررة من الحرب. وعلى الجانب الإنساني، لا يمكن فصل أي مبادرة سياسية عن الواقع الكارثي الذي يواجه السودان المتمثل في النزوح على نطاق واسع، وانهيار الخدمات الأساسية، وتفاقم المجاعة، واتساع نطاق الأمراض، وتراجع الوصول إلى الغذاء والدواء والتعليم. وإذا كان اجتماع نيروبي أشار إلى ضرورة معالجة القضايا الإنسانية الملحة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الإدراك إلى رؤية عملية تتضمن ممرات إنسانية آمنة، وضمانات لحماية المدنيين، والتنسيق الفعال مع المؤسسات الإقليمية والدولية ذات الصلة. فالخطاب الإنساني وحده لا يكفي إلا إذا ارتبط بخطط ومقاربات قابلة للتنفيذ تضع الإنسان السوداني في قلب أي تسوية. ومن منظور الرؤية السياسية فإن السؤال الأهم هو هل ارتقى اجتماع نيروبي إلى مستوى تقديم مشروع سياسي ناضج ومقنع داخليا وخارجيا؟ من حيث المبدأ، فإن وجود أطراف ذات خبرة سياسية ونضالية وفكرية يمنح اللقاء وزناً نسبياً، لكن النضج السياسي لا يقاس فقط بتعدد المشاركين، بل بوضوح المشروع واتساقه وواقعيته وقدرته على بناء توافقات واسعة. ولا تزال هناك تحديات تتعلق بمدى قبول مختلف القطاعات السودانية لهذه الرؤية، خاصة في ظل الانقسامات الحادة، وتباين المواقف من الحرب، واختلاف وجهات النظر حول قضايا العدالة والمساءلة، والعلاقة مع المؤسسة العسكرية، ومستقبل الدولة. أما البعد الاقتصادي، الذي يعد من أكثر جوانب الأزمة السودانية حساسية، فقد ظل موضوعا هامشيا في العديد من المبادرات السياسية رغم أهميته. ويواجه السودان أزمة هيكلية عميقة تتضمن انهيار الإنتاج الزراعي والصناعي، واختلال توازن المالية العامة، وتراجع الصادرات، وانهيار قيمة العملة، وتوسع اقتصاد الحرب والأنشطة غير الرسمية، إضافة إلى تفكك المؤسسات الاقتصادية والخدمية. وإذا كان اجتماع نيروبي راغباً في تقديم نفسه باعتباره طريقاً جدياً إلى الحل، فلابد وأن يتجاوز العموميات السياسية لصياغة رؤية اقتصادية تتضمن إعادة الإعمار، وإصلاح المالية العامة، واستعادة الثقة المؤسسية، وإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، وربط العدالة الاجتماعية بالتنمية والسلام. وحتى الآن يبدو أن هناك حاجة لمزيد من الوضوح والتفصيل في هذا الجانب. وفيما يتعلق بقدرة أحزاب نيروبي على بناء كتلة سودانية مؤثرة، فإن الأمر يرتبط بعدة عوامل، منها الوصول الشعبي، والقدرة التنظيمية، والشرعية السياسية، والمرونة في إدارة الخلافات، والقدرة على معالجة قضايا المركز والمحيط معاً. تتمتع بعض الأطراف المشاركة بخبرات سياسية طويلة، أو حضور في مناطق الصراع، أو أصول نضالية، لكن تحويل هذا التنوع إلى تحالف متين يتطلب إجماعاً أعمق من مجرد الاجتماع حول رفض الحرب أو انتقاد الواقع القائم. إن التحديات الفكرية والتنظيمية والتاريخية قد تعيق بناء كتلة متماسكة إذا لم تتم إدارتها بواقعية ومسؤولية. كما يواجه تماسك هذا التحالف المحتمل تحديات داخلية مهمة، أبرزها اختلاف الأولويات بين القوى المشاركة، واختلاف الخلفيات الفكرية، واختلاف المواقف حول طبيعة التسوية المطلوبة، إضافة إلى قضايا العدالة الانتقالية، والمساءلة، وشكل الدولة، وعلاقة المدنيين بالمؤسسة العسكرية. وقد تجعل هذه الاختلافات التحالف هشاً ما لم تكن هناك إرادة سياسية قوية لبناء أرضية مشتركة تتجاوز الحسابات الضيقة. إقليمياً ودولياً، يبدو أن اجتماع نيروبي سعى إلى تقديم نفسه كلاعب سوداني يمكن أن يكون له موقف في أي تسوية مقبلة. واستضافة كينيا للاجتماع قد تعطيه بعدا دبلوماسيا، كما أن توقيت اللقاء يعكس وجود اهتمام إقليمي ودولي بتنشيط المسارات السياسية السودانية. لكن لا بد من التمييز بين الاستضافة السياسية أو الانفتاح الدبلوماسي ووجود دعم استراتيجي مباشر أو تمويل واضح. وحتى الآن لا ينبغي التأكد من وجود جهات إقليمية أو دولية تمول أو ترعى هذا التحالف إلا إذا توفرت بيانات موثقة. لكن من الواضح أن هناك تقاطعاً في المصالح بين بعض القوى الإقليمية والدولية التي تسعى إلى إنهاء الحرب ومنع انهيار السودان على نطاق أوسع. وفي إطار اللجنة الرباعية الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة السودانية، قد يسعى اجتماع نيروبي إلى تقديم نفسه ككتلة سياسية يمكن أن تشارك في أي هندسة للحل. لكن حجم نفوذها سيبقى مرتبطاً بقدرتها على تثبيت حضورها الداخلي، وتوسيع قاعدتها، وصياغة رؤية متماسكة، وكسب ثقة الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين. وفي الختام، يمكن النظر إلى اجتماع نيروبي باعتباره تطوراً سياسياً مهماً من حيث التوقيت والأهمية، لكنه لا يمكن اعتباره حتى الآن اختراقاً حاسماً أو بديلاً كاملاً للمسارات الأخرى. ونجح في تسليط الضوء على ضرورة توسيع قاعدة العمل السياسي السوداني، ولفت الانتباه إلى أوجه القصور في بعض المبادرات السابقة، وإعادة طرح الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالحرب والسلام والدولة والاقتصاد والعدالة. لكن نجاحها الحقيقي سيعتمد على قدرتها على الانتقال من منصة للحوار إلى مشروع سياسي متماسك، ومن تجمع متنوع إلى كتلة وطنية مؤثرة، ومن الخطاب العام إلى رؤية عملية تعالج جذور الأزمة السودانية العميقة. يحتاج السودان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مشروع وطني واسع يقوم على وقف الحرب وحماية المدنيين ومعالجة الكارثة الإنسانية وإعادة بناء الاقتصاد وتحقيق العدالة وإعادة الدولة على أسس جديدة من الإدماج والمواطنة والتنمية المتوازنة. وإذا تمكن اجتماع نيروبي من التعامل مع هذه الأهداف برؤية ناضجة، وإجماع راسخ، واستقلال وطني، فقد يصبح جزءاً مهماً من أي تسوية مستقبلية. لكنها إذا ظلت إطاراً سياسياً محدوداً دون قاعدة عريضة وآليات عملية واضحة، فقد تضاف إلى سلسلة المبادرات التي لم تنجح في تغيير مسار الأزمة السودانية بالقدر المطلوب. mnhassanb8@gmail.com الكاتب




