اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-13 11:21:00
نزار عثمان السمندل بخطوات واثقة.. سلطة بورتسودان تتجه نحو العزلة. المزيد والمزيد. ترفع صوتها في وجه مؤتمر برلين قبل انعقاده، وكأنها تخشى لحظة ينكشف فيها ميزان القوى خارج سردها، أو أن تُسحب منه ورقة الاحتكار التي تتغذى عليها. ولا يبدو قرار الرفض موقفا سياديا بقدر ما يكشف عن قلق عميق من أي مسار يتجاوزه، أو يفتح نافذة أمام جهات أخرى تمتلك مشروعية الألم اليومي الذي يعيشه السودانيون. تحوّل تبرير الغياب عن طاولة لم تُدع السلطة إليها إلى خطاب مشحون بمصطلحات القانون الدولي، فيما تتساقط كل المعايير التي من المفترض أن تحمي الناس داخلياً. الدماء تنزف منذ نيسان 2023، والمدن تتآكل، والجثث تبحث عن لقمة البقاء، فيما سلطة الأمر الواقع مشغولة بترتيب معركة رمزية حول من يحق له أن يتكلم باسم الوطن. وينعقد المؤتمر في لحظة بالغة القسوة، وتحيط به آليات دولية وإقليمية، ويدعو إلى مشاركة واسعة من الفاعلين السياسيين والمدنيين. فهو لا يعد بالسلام الفوري، لكنه يفتح طريقا مختلفا، ويضع المجتمع في مركز التفكير، ويعيد تعريف السياسة بعيدا عن احتكار البندقية. هذا التحول يربك سلطة ترى في كل مبادرة تهديداً مباشراً لبنيتها، لأنها قامت على فكرة أن الحرب تمنحها الوقت، وأن استمرارها يطيل عمرها. ويرافق تصعيد الخطاب حراك ميداني خارج الحدود، يتم فيه استدعاء عدد من السفارات للقيام بدور تعبئة، وتخصيص أموال لتنظيم حشود في الشوارع الأوروبية لرفع شعارات الرفض. يستبدلون صورة الدولة بصورة سلطة تبحث عن صدى، وتخوض معركتها على مسرح بعيد عن الخراب الحقيقي. وهنا يختفي الفرق بين العمل الدبلوماسي والعمل الدعائي، وتتحول المؤسسات إلى أدوات في معركة البقاء. التيارات المعروفة تهيمن على عملية صنع القرار. فمنهم من أشعل حرباً لفتح طريق العودة إلى السلطة، ومنهم من مكلف برفض أي مبادرة لا تضمن هذا الهدف. ولا يهم شكل المسار الذي تسلكه، سواء كان ابتزاز الكارثة، أو الاستثمار في الجوع، أو المساس بحياة الملايين من الناس. كل ذلك يحدث تحت عنوان الدفاع عن السيادة المفتراة، التي تتآكل هي نفسها مع كل يوم حرب، ويرفع فيها شعار «بس هي كده». في المقابل، هناك أصوات عاقلة كثيرة ترى في مؤتمر برلين فرصة، رغم إدراكها لحدود نتائجه. وقد لاقت العديد من التحالفات المدنية ترحيباً، فيما أبدى البعض تحفظات خوفاً من اختطاف الصوت المدني من قبل شخصيات لا قاعدة لها. وهذا هاجس مشروع من إعادة تدوير النخب لنفسها، ومن إنتاج تسوية هشة تعيد البلاد إلى نقطة الانفجار. ومع ذلك، يبقى الإصرار على أن أي نافذة أفضل من جدار مغلق تماما. ويفتح الجدل عندما يذكر وجود غير مباشر للجيش داخل المؤتمر، عبر شخصيات مقربة منه. مفارقة تكشف أن الصراع لا يدور حول المبدأ، بل حول وضعية الجلوس. من المدعو ومن المستبعد. من يتكلم ومن يجب أن يصمت. تبدو هذه التفاصيل رسمية، لكنها تحتوي على جوهر المعركة. احتكار التمثيل، واحتكار تحديد المصلحة الوطنية. ووراء كل هذا، تستمر المأساة الإنسانية بلا هوادة في أجساد السودانيين. فالمجاعة تجتاح البلاد، وأعداد المحتاجين تتضخم، والبنية التحتية تتفكك ببطء، في حين تستمر الحسابات السياسية في الدوران في دائرة مغلقة. كل يوم تأخير يضيف مستوى جديدا من الألم، وكل مناورة تعطي للحرب حياة إضافية. وتحاول السلطة البورتسودانية انتزاع أي خيط يربطها بفكرة الشرعية، حتى لو كان خيط العنكبوت، تسحبه كلما شعرت أنه ينزلق بعيدا. لكنها في الوقت نفسه تدفع البلاد نحو فراغ أوسع. فراغ يزداد فيه تآكل الدولة؛ لقد ضاعت الحدود بين القوة والكارثة. وحينها يتحول السؤال من من يحكم إلى ماذا بقي ليحكم؟




