اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-15 20:17:00
على المستوى الشخصي أنا أكره النقاش. لقد تعودت أن أقول كلمتي وأمضي قدما، وإذا وجدت الاستحسان غالبا ما أجد ذلك مفاجئا وأعتبر ما قدمته ناقصا وغير مكتمل، ويتطلب جهدا إضافيا ورؤى أوسع وأعمق. وعلى مستوى موازٍ، أنا أكره الشوفينية التي تعني الانسحاب من الذات الوطنية وتمجيدها وتبرئة عيوبها. وعلى المستوى الثالث، أكره الاعتماد على التاريخ كمصدر للإنجاز أو المنافسة، وأعتقد أن الإنجاز الحقيقي هو ما نقوم به في حاضرنا، وليس ماضينا. ومن هنا أتجنب دائما الدفاع أو النقاش دفاعا عن بلدي مصر، ولكن نظرا لاهتمامي بالعلاقات المصرية السودانية، وأيضا بالنظر إلى السجالات التي انطلقت على منصات هنا أو هناك بشأن مصر وما تفعله على المستوى الإقليمي، فقد لاحظت مشكلة معقدة في العلاقة مع مصر، وأيضا في تقييم مصر، فهي دولة يصعب تجاهلها وفي نفس الوقت يصعب تحديد الموقف منها بطريقة هادئة ومنهجية. وأنا هنا أسعى إلى قراءة هادئة لقضية جوهرية: ما هي مصر أصلا؟ هل الحضور المصري في مختلف السياقات يساوي الهيمنة؟ وهل يمكن أن يتحول هذا الحضور إلى نموذج للإلهام، خاصة في الانتقال من دول الانتماءات الأولية والإقطاع القبلي إلى الدولة الوطنية المتكاملة؟ ثلاثة معانٍ لكلمة مصر قبل أن أبدأ في تفكيك وصف الهيمنة، هناك سؤال معرفي مشروع لا بد من طرحه: ماذا نعني عندما نقول “مصر”؟ تحمل الكلمة في داخلها ثلاثة معانٍ متداخلة، والاختلاط بينها هو مصدر كثير من الإشكاليات التحليلية. ومصر كدولة تعني كياناً سياسياً لم يرسم الاستعمار حدوده ولم ترسم في مؤتمر برلين في القرن التاسع عشر. ولهذا الكيان قراراته الظرفية وأحياناً أخطاؤه التي تستوجب النقد. ومصر كشعب تعني البنية الإنسانية التي تكونت على مدى آلاف السنين من اندماج الحضارات الفرعونية واليونانية والرومانية والعربية والإسلامية والنوبية، مما أنتج شخصية جماعية متينة بدرجة من التجانس تندر في منطقة معروفة بالتنوع الشديد الذي لم يحسم بعد. أما المعنى الثالث فهو مصر كحضارة ممتدة لم تنقطع رغم موجات الغزو والتقلبات، وهو ما يجعل مفهوم «مصر» يتجاوز حدودها الجغرافية في وجدان الملايين من البشر في البيئة العربية والإفريقية والإنسانية الأوسع. ومن يكتب عن الهيمنة المصرية عليه أولا أن يحدد عن أي مصر يتحدث. ولعلها من المفارقات اللافتة أن تستمر مصر في إلهامها حتى في لحظات ضعفها، ولعل هذا هو المؤشر الأكثر دلالة على طبيعة حضورها. والإلهام ظاهرة تختلف عن القوة المادية، فالدولة القوية لا تستطيع أن تلهم أحدا، ولعل النموذجين الإسرائيلي والأميركي في منطقتنا خير دليل. كما أن المجتمع الذي يعاني من أزمات مزمنة يمكن أن يظل مصدر إشعاع وإلهام. العنصر الأول في هذا الإلهام هو التاريخ كرأسمال ناعم لا يمكن شراؤه أو تصنيعه. مصر هي الدولة النادرة التي لها اسم واحد وهوية واحدة متصلة منذ آلاف السنين. ويعد هذا الرصيد التاريخي العميق بمثابة وسادة صامدة في أوقات الأزمات، ومصدر فخر للمصريين على المستوى الفردي، وهو ما يمنحهم القدرة على تحمل الضغوط الاقتصادية القاسية دون انفجار هويات أو طائفية. العنصر الثاني هو الموقع الجغرافي كمحدد ثقافي وليس مجرد ميزة عسكرية وجيوسياسية. مصر بوابة تربط بين عالمين وتجمع ثلاث قارات. ولم يخلق هذا الموقع ثروة جيوسياسية فحسب، بل خلق أيضًا عقلًا جماعيًا منفتحًا على التنوع. ومن هنا أدوار طيبة القديمة والإسكندرية، ثم دور القاهرة كمختبر لإنتاج المعرفة والفن والإعلام في مساحة تتجاوز حدودها الرسمية. وتفصيل ذلك في رسالة جمال حمدان “عبقرية المكان”. أما العنصر الثالث فهو الموارد البشرية، ودافعيتها للإنجاز رغم ندرتها وتقلب الظروف. من نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الأدب، إلى إيلي زويل وغيره من العلماء في الفيزياء والطب والفلك، إلى الكوادر الأكاديمية التي ساهمت في بناء المؤسسات التعليمية في المحيط العربي والإفريقي. وهذه الطاقة البشرية لا تتوقف عندما تتراجع قوة الدولة، بل إنها غالبا ما تزداد في المكانة والكرم والنفوذ. جرد حساب إذن، لا يمكن الحديث عن القوة الناعمة المصرية في السودان بمعزل عن سلبياتها الحقيقية. هناك ما يمكن وصفه بالحضور غير المتكافئ من منطلق أنه حضور ثقافي يستهلك أكثر مما يتبادل، وتعليم أكاديمي ساهم في تكوين النخب السودانية، إلا أن بعضهم يرى أنه أنتج توجها نحو النماذج المصرية على حساب البحث عن الهوية المحلية. وهناك أيضاً ما يشير إليه النقاد بأن الإعلام المصري رسخت صورة نمطية عن السودان أكثر من أنه قدم فهماً عميقاً لتنوعه وبالتالي لم يساهم في تعريفه بالشكل الصحيح. ومن ناحية أخرى فإن الإيجابيات ليست وهم الكوادر المصرية التي عملت في السودان في مجالات التعليم والطب والهندسة وتركت أثرا مؤسسيا موثقا. والأهم من ذلك أن التجربة المصرية في بناء الدولة المدنية، رغم تعقيداتها، ظلت مرجعا ضمنيا للنخب السودانية التي حلمت بالدولة الحديثة. الحكم الموضوعي هنا يتطلب الاعتراف. مع كليهما: الحضور يساهم في البناء وفي نفس الوقت الحضور الذي لا يحسن الملاحظة والإصغاء دائمًا. المشكلة الأساسية هي أن هذا الحضور لم يصاحبه سياسة مصرية واضحة للقوة الناعمة. بل كان في أغلب الأحيان حضوراً عفوياً غير مؤسسي، يفتقر إلى استراتيجية تحوله من ثقل طبيعي إلى شراكة متوازنة. ومصر نموذج للانتقال من الانتماءات الأولية إلى الدولة الوطنية. ولعل هذا البعد هو الأكثر إهمالا في نقاشات القوة الناعمة المصرية، وفي الوقت نفسه هو الأكثر صلة بمعضلة الدول الأفريقية والعربية اليوم. وتواجه العديد من هذه البلدان معضلة التحول من الانتماءات الأولية ــ القبلية والعرقية والعشائرية ــ إلى دولة وطنية متكاملة. والسودان مثال صارخ على هذه المعضلة في أحد تجلياتها. والتجربة المصرية في هذا التحول ليست مثالية ولا كاملة، لكنها تظل من أطول التجارب وأكثرها استمرارية في المنطقة. لقد نجحت مصر، ولو بتكاليف اجتماعية وسياسية باهظة أحياناً، في إنتاج هوية وطنية شاملة تتعايش مع الانتماءات الدينية والمحلية دون إلغائها. ويشترك الأقباط والمسلمون في فضاء اجتماعي واحد له امتداد تاريخي لا مثيل له. ويحمل المصريون من الإسكندرية إلى أسوان هوية موحدة رغم اختلاف الخصوصيات المحلية. وبطبيعة الحال، هناك عوامل سمحت بأن يكون ذلك وجود وبنية الدولة المركزية منذ وقت مبكر من التاريخ، وهي الدولة التي لم يرغب أبو مينا في توحيدها وهي الدولة التي أنتجت بيروقراطية تعلم الناس التعامل مع هوية فوق القبيلة. والتجنيد العسكري الذي مزج أجساداً من مناطق مختلفة قبل أن تختلط الهويات. والتعليم الوطني الذي خلق روايات مشتركة. ومدن مثل طيبة، والإسكندرية القديمة، والقاهرة، بمثابة بوتقة تنصهر فيها الناس القادمة من جميع أنحاء مصر. هذه العوامل ليست وصفة جاهزة للتصدير، لكنها تجربة قابلة للدراسة والإلهام، خاصة للدول التي تبحث عن مسارات للتماسك الوطني. والمفارقة هنا هي أن السودان اليوم، في خضم حرب قد تعيد رسم التوازنات القبلية والعرقية، يحتاج إلى هذا النوع بالذات من الإلهام. ليس إلهام الدولة القوية، بل إلهام الخبرة الطويلة في إدارة التنوع وبناء هوية شاملة. وهنا يتحول السؤال إلى: هل مصر هي المهيمنة؟ وإلى سؤال آخر: هل يمكن لتجربة مصر أن تكون مصدر إلهام؟ وفي هذا السياق، هناك أبعاد أخرى تستحق المناقشة، بما في ذلك شبكات الهجرة والشتات. ويمثل المصريون المنتشرين في دول الخليج وأوروبا وأمريكا شبكة غير رسمية من القوة الناعمة التي لا يتم احتسابها في الإحصاءات الدبلوماسية، ولكنها تنتج تأثيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية واسعة. وهذا البعد الشبكي يميز مصر ويدعم أيضا نفوذها هناك بعد الشرعية الدينية للأزهر كمؤسسة عالمية ناعمة، و”بيت الشعب” الذي يقدم نموذجا للإسلام المعتدل الذي يواجه تحديات ضخمة من الحركات الإسلامية المتطرفة في السودان والصومال ومالي وغيرها، لكنه يظل ثابتا بحضوره وحده. ولا يثير هذا البعد صراعاً دينياً، بل يشير إلى إمكانية المساهمة المصرية في معادلات الاستقرار الديني المجتمعي من خلال القوة الناعمة للسلطة الفقهية. أما البعد الثالث، والأكثر حضورًا في لحظتنا الحالية، فهو بُعد الرقمنة والفضاء الافتراضي: فقد خلق الإنتاج الرقمي المصري، من اليوتيوب إلى البودكاست إلى الإنتاج المسرحي والموسيقي المستقل، حضورًا موازيًا للمؤسسات الرسمية، بل وتجاوزها في بعض الأحيان في التأثير. وهذا الفضاء يمنح القوة الناعمة المصرية ديناميكية جديدة لا تنتظر قرارا أو مساحة حكومية. وبالمناسبة، فهو ليس حضوراً ثقافياً وفنياً فحسب، بل يكاد يكون حضوراً موازياً في عوالم السياسة والاقتصاد وغيرها. فالهيمنة بمعناها الدقيق هي ممارسة إرادة فوق إرادة الآخر باستخدام أدوات القسر أو الضغط المنهجي. أما الثقل فهو ظاهرة مختلفة تماما. وهو حضور موضوعي ينبثق من الكتلة الثقافية والديموغرافية والتاريخية دون أن يحتاج إلى قرار سياسي ليصبح واقعاً. لغة مصر مؤثرة ليس لأن قرارا فرض، بل لأن مسلسلاتها تشكلت وما زالت تشكل خيالا مشتركا، ولأن صناعتها السينمائية تراكمت على مدى عقود من الاستثمار البشري والإبداعي. وهذه ليست هيمنة بالمعنى الاستعماري، بل هي ثقل طبيعي للكتلة الأكبر، التي لديها الدافع لاستكمال مؤسسة تاريخية. هناك أيضاً فرق جوهري بين سياسة الدولة والحضور الشعبي. مصر دولة ذات سياسات إقليمية قابلة للانتقاد وربما الرفض، وقد يكون الانتقاد مشروعا ومستحقا في بعض الحالات. لكن إسقاط القرار السياسي الظرفي على ظاهرة الحضور الثقافي كبنية ثابتة هو ارتباك منهجي يفقد التحليل دقته. والأدق أن يُقرأ خطاب «الهيمنة المصرية» في بعض أشكاله من زاوية نفسية، وليس من زاوية تحليلية فقط. أزمة الهوية السودانية – من نحن؟ العرب أم الأفارقة؟ – إنها أزمة حقيقية تستحق الدراسة. وعندما يجد بعض المثقفين السودانيين صعوبة في تعريف أنفسهم في مواجهة الثقل المصري، فإن توجيه النقد نحو مصر قد يكون في بعض الأحيان آلية لتأجيل هذا السؤال الداخلي الصعب. إجمالاً: تعتبر العلاقة المصرية السودانية من أكثر العلاقات تعقيداً وعمقاً في المنطقة العربية الأفريقية معًا. فهي ذات تاريخ مشترك، وجغرافيا متصلة، ومصالح متشابكة، كما أنها تحتوي على توترات وذكريات جراح لا يمكن تجاهلها. ولكن عندما تُقرأ هذه التوترات من خلال عدسة الهيمنة وحدها، فإنها تنتج خطابًا يفتقر إلى التوازن والموضوعية. وما يحتاجه هذا الفضاء هو خطاب ناضج يستطيع أن يتناول السياسة بالنقد الموضوعي، ويخاطب الحضارة بالتقدير الواجب، ويرى في التجربة المصرية بعيوبها مصدر إلهام وليس عداوة. والأهم بالنسبة له أن يدرك أن السؤال الحقيقي ليس هل مصر هي المهيمنة؟ بل كيف يمكن لمصر والسودان أن ينتجا معاً نموذجاً للتكامل الإقليمي الحقيقي في مرحلة حيث تحتاج كل دولة إلى طاقة الدولة الأخرى؟ والاستلهام من ضم حرف التاء وكسر الحاء في الأزمة السودانية شهادة أعمق مما تقدمه القوة وحدها. وهذا هو على وجه التحديد ما تمثله مصر: ليست قوة صاعدة باستمرار، ولا حتى قوة متفق عليها، بل حضارة متجددة يصعب تجاوزها حتى بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في ذلك. ملاحظة: لم أرد أن أنشر هذه التنهيدة الشخصية كمقال لتبقى مجرد تنهيدة يكتنفها الحزن. أماني الطويل، كاتبة




