اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-12 13:52:00
علاء خيراوي khirawi@hotmail.com لم يكن انقلاب 25 أكتوبر 2025 مجرد تحرك للدبابات في شوارع الخرطوم، بل كان طعنة غادرة في قلب واحدة من أعظم الثورات الشعبية التي عرفها هذا القرن. إن الثورة التي خرجت من لحم ودم الشعب، دون قائد مصنع أو راعي خارجي، فرضت على القارة بأكملها معيارا جديدا للشجاعة المدنية. ويومها أدرك الاتحاد الأفريقي، متبعاً قوانينه، خطورة اللحظة، فحمى تلك الثورة بقراره التاريخي بتعليق عضوية السودان، ليس عقاباً لشعبه، بل كدرع أخلاقي وسياسي ضد عسكرة السياسة وانقلاب السلاح على الإرادة الشعبية. وكان القرار رسالة واضحة؛ لا شرعية لمن يغتصب الدولة، ولا مقعد لمن يقف على جثث المواطنين. إلا أن البرهان لم يكتف باغتيال المسار المدني، بل فتح أبواب الجحيم على البلاد، وأشعل حرباً أكلت كل شيء أخضر ويابس، ودمرت مدناً، وشتت الملايين، وحررت كل شياطين العنف من قيودهم. وفي الظل أعاد تمكين نظام الكيزان الذي تخلى عنه الشعب، وعادت شبكات الفساد والتمكين والاقتصاد الطفيلي، ليس باسم «الإنقاذ» هذه المرة، بل تحت راية «الدولة العميقة» و«الأمن القومي»، فيما كانت المدافع تعوي في أطراف الخرطوم ومدني والفاشر. ووسط هذا الدمار يبرز سؤال ثقيل: لماذا تستمر مصر والجزائر في هذا التحرك المحموم لإعادة السودان إلى الاتحاد الأفريقي قبل أن تعود الحياة المدنية إلى السودان؟ لماذا تصطفون عمليا لمواجهة إرادة شعب ذاق كل هذا الجحيم؟ والحقيقة القاسية هي أن ما يحكم سلوك الدول، خاصة في لحظات الانهيار، ليس العدل ولا الولاء للثورات ولا التعاطف مع الشعوب، بل الحسابات الباردة للنفوذ والأمن والمصالح والهيبة، حتى لو تعارضت مع الأخلاق أو أبسط معايير الإنسانية. ولا تنظر مصر والجزائر إلى ما حدث في السودان باعتباره «ثورة عظيمة» تستحق الحماية، بل باعتباره اضطراباً خطيراً على حدودهما ودائرة نفوذهما الإقليمية. وتخشى القاهرة أن تنتصر تجربة مدنية ديمقراطية حقيقية على حدودها الجنوبية لأنها تشكل سابقة مثيرة للقلق لنموذجها في الحكم العسكري، وهي تفضل التعامل مع جنرال يمكن احتواؤه والسيطرة عليه من خلال الخدمات والأمن والاقتصاد، بدلاً من التعامل مع قوى مدنية مستقلة يصعب السيطرة عليها. الجزائر التي تتحرك بعقلية دولة عسكرية حساسة للغاية لأي تحولات ديمقراطية مفاجئة، ترى في إنشاء سلطة بورتسودان ضمانة للاستقرار الشكلي، حتى لو كان فوق بحر من الدماء، بدلا من المغامرة في مسار سياسي مفتوح قد يعيد ترتيب ميزان القوى في القرن الأفريقي والبحر الأحمر بما لا يخدم حساباتها. كلا البلدين يقرأان المشهد من خلال عدسة “الاستقرار القسري” وليس من خلال عدسة العدالة الانتقالية، ومن خلال منطق “الدولة العميقة” وليس منطق الشارع الثوري. ولذلك فإنهم يدفعون نحو عودة السودان إلى الاتحاد الأفريقي كوسيلة لإضفاء الشرعية الإقليمية على سلطة خرجت من انقلاب ثم قادت حربا مدمرة، حتى لو كان ثمن ذلك استعداء شعب بأكمله وخيانة روح الثورة التي حاول الاتحاد الأفريقي نفسه حمايتها. وإذا قرأنا الواقع من خلال نصوص وسوابق الاتحاد الأفريقي وليس من ضغوط العاصمتين، فإن مجلس السلم والأمن سيتعامل مع جهد مصر والجزائر على أنه محاولة لتحريك الباب وليس اقتحامه. ستستمع وتجادل وتزن، وربما تغطي نتائجها بعبارات دبلوماسية ناعمة حول «تنسيق الأدوار الإقليمية» و«أهمية الواقعية السياسية»، لكنها لن تخاطر بخطوة رفع التعليق وإعادة المقعد وكأن انقلاب 25 أكتوبر لم يحدث، أو وكأن الحرب كادت تلتهم البلاد. قم بتطبيع الأمر ببيان مصقول. وفي صلب أدبياته، لا يزال المجلس يعرّف أزمة السودان بأنها حرب بلا حل عسكري، ويجعل من الوقف الفوري وغير المشروط لإطلاق النار شرطاً أساسياً، ويؤكد على مسار سياسي سوداني شامل برعاية أفريقية يؤدي إلى سلطة مدنية شرعية، وليس فرض أمر واقع عسكري. وهذا ليس تجميلا لغويا، بل هو عمود فقري لشرعية الاتحاد نفسه. فإذا كافأ انقلاباً في لحظة حرب مفتوحة، فإنه لا ينتهك قراراً إجرائياً فحسب، بل يقوض أيضاً القاعدة القارية التي تأسست في الأصل لردع الانقلابات. والتجربة الأخيرة تؤكد ذلك. وعندما تم رفع عضوية السودان عام 2019، ارتبط الأمر بحكومة انتقالية مدنية واتفاق سياسي واضح، وليس مجرد ضغوط من دول الجوار. لذلك، أعتقد أن أقصى ما يمكن أن تحققه القاهرة والجزائر هو «نجاح تكتيكي» محدود. تخفيف لهجة التصريحات، وتوسيع قنوات التواصل الإنساني والفني، أو إعادة تفعيل الوجود الفني للاتحاد داخل السودان، وربما تسريع بعض المسارات الإجرائية؛ أما رفع الإيقاف الكامل وإصدار بيان الاعتراف بسلطة بورتسودان، فسيبقى مستبعدا لأن ثمنه هو التماسك مع الاتحاد الأفريقي نفسه ومعناه كنظام يقف، نظريا على الأقل، مع إرادة الشعب وليس مع فوهات البنادق. والبيان الخمسي الأخير الصادر عن الاتحاد الأفريقي والإيغاد وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة أغلق هذا الباب أكثر مما فتحه. ورغم لغته الدبلوماسية الهادئة، إلا أنه يحمل رسالة سياسية أثقل من عباراته المنمقة، فهو يعيد وصف ما يحدث في السودان بالحرب وانهيار الدولة، وليس بالوضع الطبيعي الذي يمكن تطبيعه. ويتحدث البيان عن وقف التصعيد وحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني ووقف تدفق الأسلحة، ولا يتحدث عن شرعية الحكومة أو إعادة المقاعد. وهو بذلك يسحب البساط عملياً من تحت أي محاولة لإضفاء الشرعية الشكلية على السلطة الانقلابية، ويضع الأولوية حيث ينبغي أن تكون. إن إنقاذ الأرواح لا يعني تبييض الانقلابات، ووقف القتل لا يعني إعادة تموضع دبلوماسي. وفي الختام، فإن ما فعلته مصر على وجه الخصوص، وما زالت تفعله اليوم، ليس حادثاً عابراً ولا «تكتيكاً دبلوماسياً» معزولاً، بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التدخلات التي كانت منذ لحظة الاستقلال تميل دائماً ضد إرادة الشعب السوداني كلما حاول الوقوف على قدميه مرة أخرى. ومن مياه النيل إلى السياسة والأمن والاقتصاد، اتجه الخيار المصري إلى احتضان العسكر وإضعاف المدنيين، وإدارة السودان كقضية حدودية وليس كدولة ذات سيادة، وكأن القاهرة لم تتعلم بعد أن استقرار الجوار لا يقوم على كسر إرادة الشعب، بل على احترامها. الجزائر التي كان من المفترض أن تقف تاريخيا مع حركات التحرر، تختار اليوم الانحياز إلى منطق “الدولة العميقة” والاستقرار القسري، واضعة ثقلها خلف سلطة انبثقت عن انقلاب وتغذيت على الحرب، بدلا من الانحياز إلى حق السودانيين في دولة مدنية سلمية. وهكذا يتقاطع المساران المصري والجزائري عند نقطة واحدة. الخوف من الشعب الحر أعظم من الخوف من الدولة المحطمة. لكن الحقيقة التي لن تتغير مهما تعددت الضغوط والتصريحات، هي أن الشعوب لا تحكمها الوصاية، وأن من يقف اليوم ضد إرادة السودانيين يراهن على زمن لن يطول. لأن التاريخ في النهاية لا يقف إلى جانب الدبابات والتصريحات المصقولة، بل إلى من يقف في الميادين حاملاً حقوقه وذاكرته ومستقبله.




