اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-02-13 11:23:00
(في أيهما نجد نظام الدولة، وفي أيهما نجد اضطراب الانفلات، في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيات الجنجويد أو في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني؟ “فلتسفك كل الدماء”. ولكن دعونا نجعل من السؤال محاولة للحوار حول الدولة، ما هي طبيعتها ووظائفها؟ هل يعني الجيش الدولة أم أنه مؤسسة كباقي مؤسسات الخدمة العامة مثل القضاء والتعليم والصحة؟ لماذا؟ يكتسب الجيش أهمية تصل إلى حد الحرمة، وأن مجرد انتقاده يعتبر جريمة، وأن الدعوة إلى إصلاحه أو إعادة هيكلته تدخل ضمن “المحرمات”؟ لقد وردت تعريفات الدولة في الفكر السياسي وعلم الاجتماع ومفاهيم التنمية منذ أن بدأ الإنسان يفكر في تأطير علاقته بالآخرين، لتحقيق مصالحه ومصالح أسرته وعشيرته وقبيلته، إذا كان هناك من يختلف عنه في تلك الكيانات العائلية والعشيرية والقبلية، وهي كيانات تربط المجتمعات. يقيمون في مساحة جغرافية معينة، وترتبط مصالحهم بالبقاء في انسجام، أو الاتفاق على حد أدنى من التعايش. وقد ظهر المصطلح منذ آلاف السنين في الفلسفة اليونانية، في جمهورية أفلاطون “اليوتوبيا”، وهي رؤية مثالية تقوم على كيان ينقسم إلى حاكم فيلسوف، وحرس مساعد، وعمال يدويين، بينما ترجمت رؤية الفيلسوف الإسلامي الفارابي في مدينته الفاضلة فلسفة أفلاطون وأكدت على دور الأخلاق في الحياة. ثم كانت رؤية ابن خلدون قائمة على التعصب في تقسيم المجتمعات، لكن حدث نقلة نوعية في أوروبا، خاصة بعد انتهاء عصر الانحطاط الفكري وتدحرج ركائز الدولة الدينية “الثيوقراطية” أو الكهنوتية، كما يقول البروفيسور تيسير محمد أحمد علي، “إن الدولة ليست مجرد مؤسسة أو مجرد بنية، بل هي مجموعة معقدة من العلاقات التي خلقتها”. “نال السودان استقلاله في يناير 1956م على طبق من ذهب” و”طبق صيني لا شرخ فيه ولا شرخ” كما وصفه السيد إسماعيل الأزهري أول رئيس سوداني، وكان الاستقلال نتيجة ميزانيات دولية دفعت بريطانيا إلى التخلي عن عدد من مستعمراتها بما فيها السودان، وتم ذلك دون تضحيات كبيرة باستثناء تحركات معزولة هنا وهناك، وكان أكبرها ثورة الراية البيضاء عام 1924م، ومشاكل الهوية وإشكالياتها. المعضلة التي أرادها بعض النخبة “باسم الشعب العربي”، بينما أصر علي عبد اللطيف على جذوره الأفريقية، “خرج الاستعمار وخلف وراءه دولة “استعمارية” بمشاعر وطنية هشة، وهوية مضطربة مستقلة، وبعد حوالي (58) عاما من عمر الدولة، أصبح الجيش السوداني حزبا سياسيا مسلحا، أو لنقل جناحا عسكريا لمجموعة سياسية إرهابية وفاسدة، وانشغل قادته بالتجارة والتسابق على المقاعد. حتى بلغ عدد الانقلابات العسكرية في بلادنا الحزينة أكثر من عشرين محاولة، وهو أكبر عدد من الانقلابات تشهده أفريقيا، ويحتل السودان المرتبة الثانية عالمياً بعد بوليفيا، فيما تعاني القوى السياسية من حالة من الكساح غير قادرة على ممارسة الديمقراطية الحقيقة، وتنغمس في «الديمقراطية الإجرائية». هل حققنا تنمية اقتصادية؟ أم أن النخب ما زالت تحتكر السلطة على أساس رأس المال الرمزي؟ تواصلت الحروب في السودان، كما استمر القمع، لكن الحرب الأخيرة مثلت القشة على ظهر البعير دولة مصنعة، ناقصة الرهانات مع كثرة العواصف التي تواجهها، ويكفي أن نشير إلى أن أكثر من ربع السكان تركوا منازلهم وقراهم ومدنهم هاربين إلى الجبال ليأويهم من طوفان جرائم المتقاتلين. أصبحت الخرطوم خالية من عروشها، وتسكنها الأشباح، لدرجة أن قادة الطرفين المتحاربين لم يتمكنوا من العيش تحت أنقاضها، ومع ذلك انهار القطاع الصحي المريض، وقطاع التعليم المشلول، وقطاع الخدمات الهش، الذي كشف فشل الحكم وأكد هشاشة الدولة، ومحدودية رؤى الحكام المسار مرة أخرى وهل ننحاز إلى الجيش بحجة أنه «الدولة؟» أي دولة يا معلمي؟ وإذا افترضنا أن الانحياز إلى الجيش في هذه الحرب اللعينة يعني الانحياز إلى مؤسسات الدولة، فهل تتوقع أنه بعد انتهاء الحرب ستتحقق التنمية والعدالة والحرية والسلام أم أنها نفس الحلقة الجهنمية والحلقة المفرغة؟ انتصار أحدهما يعني العبث والفوضى، وانتصار الآخر يعني الاستبداد وإعادة عقارب الزمن إلى تلك العصور المظلمة من تاريخنا، وشاهدوا أيضاً تحدثت في الحلقتين السابقتين عن الأجواء التي سبقت انقلاب البرهان/حمدان المدعوم من الحركة الإسلامية…




