السودان – من منطق النصر إلى منطق البقاء – قراءة في الإنشقاقات داخل الدعم السريع وتحولات الحرب السودانية

أخبار السودانمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
السودان – من منطق النصر إلى منطق البقاء – قراءة في الإنشقاقات داخل الدعم السريع وتحولات الحرب السودانية

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-05-12 00:13:00

زهير عثمان منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل/نيسان 2023، كان الخطاب الحشدي لأنصار الجيش -أو ما يعرف شعبيا بـ”البلابسة” – يقوم على افتراض يبدو مريحا نفسيا، وهو أن قوات الدعم السريع مجرد “ميليشيا منهارة” تعيش آخر أيامها، وأن الحل النهائي مسألة وقت فقط. كل انشقاق جديد يتحول على الفور إلى مهرجان إلكتروني. “أنا انتهيت!” “لقد انتهى التمرد!” “الساعات الأخيرة!” وكأن الحرب الأهلية السودانية هي مباراة كرة قدم لا تحتاج إلا لصافرة الحكم وإعلان النتيجة. لكن الحروب الأهلية لا تُدار بالأناشيد أو المنشورات على الفيسبوك، بل بتوازنات أكثر تعقيداً: السلاح، والاقتصاد، والقبيلة، والتحالفات، والمزاج النفسي للمقاتلين، وحسابات البقاء. لذلك، يمكن قراءة الانقسامات الأخيرة داخل قوات الدعم السريع ليس فقط كدليل على الضعف، ولكن أيضًا كمؤشر على أن الحرب نفسها تدخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا واضطرابًا. وشهدت قوات الدعم السريع، خلال الأشهر الأخيرة، سلسلة من الانشقاقات البارزة، من بينها انشقاق اللواء النور أحمد آدم المعروف بـ”القبة”، أحد القادة المؤسسين والرجل الثالث في التسلسل القيادي، إلى جانب قادة ميدانيين آخرين. هذه التطورات ليست مجرد حوادث فردية، بل تعكس تحولات أعمق داخل بنية الحرب وطبيعة التشكيل غير التقليدي للدعم السريع نفسه. وما يحدث الآن هو انتقال تدريجي من «منطق النصر» إلى «منطق البقاء». أي أن السؤال داخل بعض دوائر الدعم السريع لم يعد – كيف ننتصر؟ بل كيف نخرج بأقل الخسائر الممكنة؟ لماذا بدأت الانشقاقات الآن؟ في بداية الحرب، شهد الدعم السريع حالة من الزخم العسكري والنفسي. وسيطر على مواقع استراتيجية، وتوسع بسرعة، واستفاد من عنصر المفاجأة والانهيار الجزئي لمؤسسات الدولة في بعض المناطق. وبدا وكأن القوة الجديدة قادرة على إعادة رسم المشهد السوداني بالكامل، لكن الحروب الطويلة لا تحترم الحماس الأولي. ومع مرور الوقت، بدأت الحرب تتحول من حرب التحرك السريع إلى حرب استنزاف مرهقة. كانت خطوط الإمداد تحت الضغط، وبدأت الموارد في التآكل، وأصبحت الضربات الجوية والمسيرات أكثر عددًا. وظهرت النفوذ وأزمات التمويل والرواتب والانضباط. علاوة على ذلك، واجه الدعم السريع مشكلة أكثر تعقيدًا تتمثل في إدارة المناطق التي يسيطر عليها. فالسيطرة العسكرية شيء، وتحويلها إلى إدارة مستقرة شيء آخر تماما. ومع مرور الوقت، ظهرت الشكاوى من الفوضى والصراعات المحلية وضعف الخدمات والتمييز القبلي في بعض المناطق. وهنا يبدأ القائد الميداني بطرح السؤال الأخطر في أي حرب أهلية: هل المشروع نفسه قابل للحياة؟ وعندما يبدأ القادة في التفكير من حيث “البقاء” بدلاً من “الحل”، تصبح الانشقاقات احتمالاً طبيعياً وليس استثنائياً. هشاشة التشكيل اللامركزي. إحدى أكبر مشاكل التحليل السوداني للحرب هي التعامل مع الدعم السريع كما لو كان جيشًا تقليديًا مشابهًا للقوات المسلحة السودانية. في الواقع، الدعم السريع أقرب إلى شبكة معقدة من الولاءات القبلية، ومراكز النفوذ المحلية، واقتصاد الحرب، والتحالفات المرنة. يمنح هذا النموذج مرونة كبيرة في الحروب السريعة – سرعة الحركة، والتعبئة المحلية، والقدرة على المناورة، والتكيف مع البيئات المتغيرة، لكنه في المقابل هش للغاية عندما تطول الحرب. وفي الحروب الطويلة تتحول اللامركزية من ميزة إلى أزمة. تتضارب المصالح وتتراجع الموارد ويبدأ القادة المحليون بالتفكير في حساباتهم الخاصة وليس حسابات المركز. بمعنى آخر، عندما يشعر القائد الميداني أن تكلفة البقاء داخل الحلف أصبحت أعلى. ومن تكلفة الانشقاق يبدأ البحث عن “مخرج آمن”، وهنا تصبح الانشقاقات نتيجة منطقية لبنية السلطة نفسها، وليس مجرد خيانة أفراد الصراع الصامت داخل الدعم السريع. يحب الخطاب الدعائي -سواء من أنصار الجيش أو أنصار الدعم السريع- تصوير كل طرف على أنه كتلة صلبة ومتماسكة، لكن الواقع داخل الدعم السريع أكثر فوضوية بكثير. هناك زعماء عشائر، وأمراء حرب اقتصاديون، وعناصر دخلت بسبب الغنائم، وفئات مرتبطة بالتهميش التاريخي، وأخرى مرتبطة بحسابات مناطقية أو شخصية. من يتحكم في الموارد؟ من يتحكم في الموارد؟ التفاوض؟ ومن يتحمل الخسائر؟ من يتم التضحية؟ ومن يملك القرار الحقيقي؟ انشقاق “القبة” على سبيل المثال، لا يمكن فهمه على أنه قرار عسكري فحسب، بل أيضاً في سياق الصراعات الداخلية على النفوذ والمناصب والتمثيل داخل القيادة. وهنا تظهر المفارقة، فبعض الحمقى يتعاملون مع أي انشقاق وكأن قوات الدعم السريع ستتبخر في صباح اليوم التالي، في حين أن الواقع هو أن تفكك الميليشيات المسلحة غالباً ما يجعل الحروب أكثر تعقيداً، لا أقل. الحروب الأهلية ليست أفلام أكشن ذات نهاية سيئة. بل إن عمليات التفكك الطويلة قد تنتج عشرات المجموعات الجديدة بدلا من مجموعة واحدة. الأثر النفسي للانشقاقات في الحروب الأهلية. ويكون العامل النفسي في بعض الأحيان أكثر خطورة من الخسائر العسكرية المباشرة. الانشقاقات لا تسحب المقاتلين فحسب، بل تسحب الثقة وتبدأ حالة من الشك الداخلي – من التالي؟ من يتفاوض سرا؟ من يخطط للهروب؟ من الذي أصبح عبئا على القيادة؟ وهنا تظهر «عدوى الانشقاق». الانشقاق الأول صعب، والثاني أسهل، والثالث قد يتحول إلى موجة. ويبدأ الانتقال التدريجي من عقلية «سننتصر» إلى عقلية «كيف نحافظ على أنفسنا»؟ وهذا التحول النفسي خطير جداً على أي قوة غير نظامية، لأنه يضرب أساس التلاحم الذي يقوم في الأصل على الثقة الشخصية والمصالح المشتركة أكثر من العقيدة العسكرية الراسخة. هل يستفيد الجيش فعلاً؟ – الجواب القصير – نعم… ولكن بطريقة أكثر تعقيدا مما يوحي به الخطاب التعبئة. ويستفيد الجيش من الانشقاقات على عدة مستويات: الاستخبارات من خلال الحصول على معلومات حساسة، وسياسياً من خلال تعزيز صورة التماسك، والدعاية من خلال توفير الدعم السريع عندما تتفكك القوة من الداخل. كما أن بعض الانشقاقات قد تساعد في تفكيك الحاضنات المحلية وفتح تفاهمات إقليمية تسهل استعادة مناطق معينة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الانشقاقات إلى مجرد «إعادة تدوير» لأمراء الحرب، فإذا حمل السلاح يصبح الطريق الأسرع. بالنسبة للعفو والمناصب وإعادة التموضع السياسي، تصبح الدولة نفسها رهينة لمنطق المليشيا. وهنا تكمن المفارقة السودانية الكبرى. وقد تجد الدولة التي تحارب التمرد نفسها مضطرة إلى استيعاب قادتها السابقين في هيكلها، مما يخلق مراكز قوة موازية وأزمات مستقبلية جديدة. يتخيل بعض الحمقى المشهد بكل بساطة، أي قائد ينشق يتحول فورًا إلى “وطني غيور”، وكل من يبقى في الدعم السريع يصبح “خائنًا تمامًا”. لكن السياسة والحروب أقذر. ومع تعقيد هذا التقسيم المدرسي المريح، ماذا تقول هذه الانشقاقات عن مستقبل الحرب؟ ولا تعني الانشقاقات الحالية بالضرورة أن نهاية الحرب أصبحت قريبة، لكنها تشير إلى تغير عميق في المزاج النفسي والسياسي داخلها. تدخل الحرب تدريجياً مرحلة أكثر تشرذماً وأقل مركزية وأكثر ارتباطاً بحسابات البقاء الفردي والقبلي. وهذا هو أخطر ما في الأمر. فعندما تنتقل الحرب من مشروع سياسي أو عسكري واضح إلى مجرد صراع مفتوح من أجل البقاء، تصبح التسويات أكثر صعوبة، ويصبح العنف أكثر مرونة، وتتزايد احتمالات ظهور مجموعات وتحالفات جديدة. بمعنى آخر – قد لا يكون السودان يواجه نهاية الحرب، بل يواجه مرحلة جديدة. إن أخطر ما تكشفه الانقسامات الحالية ليس فقط هشاشة التحالفات المسلحة داخل الدعم السريع، بل أيضاً هشاشة الدولة السودانية نفسها بعد عقود من عسكرة السياسة وتسييل الهوامش وتحويل السلاح إلى وسيلة للتقدم الاجتماعي والسياسي. فالحرب لا تنتج الخراب المادي فحسب، بل تعيد تشكيل المجتمع حول منطق القوة وبقاء الفرد. ولذلك لم يعد السؤال الحقيقي هو: من سينتصر عسكرياً؟ بل أي دولة ستبقى بعد كل هذا التفكك؟ فالانتصارات العسكرية وحدها لا تبني دولة، كما أن الهتاف الإلكتروني لا يحل حربا أهلية. ولعل المشكلة الأكبر في الخطاب السوداني الحالي هي أن الكثيرين ما زالوا يتعاملون مع الحرب وكأنها معركة علاقات عامة، في حين أنها في الواقع عملية تفكك تاريخية عميقة قد تعيد تشكيل السودان بأكمله لسنوات عديدة قادمة. zuhair.osman@aol.com الكاتب

اخبار السودان الان

من منطق النصر إلى منطق البقاء – قراءة في الإنشقاقات داخل الدعم السريع وتحولات الحرب السودانية

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#من #منطق #النصر #إلى #منطق #البقاء #قراءة #في #الإنشقاقات #داخل #الدعم #السريع #وتحولات #الحرب #السودانية

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل