السودان – من وراثة الدولة إلى أزمة الأمة – السودان ومسألة التأسيس المعلقة

أخبار السودان25 يوليو 2026آخر تحديث :
السودان – من وراثة الدولة إلى أزمة الأمة – السودان ومسألة التأسيس المعلقة

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-23 12:23:00

لحظة الاستقلال ومسألة الدولة الغائبة في الأول من يناير/كانون الثاني 1956، لم يرفع السودانيون علم الاستقلال فحسب، بل ورثوا معه أكبر مشكلة سياسية في تاريخهم الحديث. دولة جاهزة للوظيفة، لكنها خالية من المشروع. لقد كان الخروج من الاستعمار لحظة تاريخية استثنائية. وكان من المفترض أن يكون بمثابة “اجتماع تأسيسي” يجيب على الأسئلة الوجودية الكبرى. كيف تبدو هذه الدولة؟ من هو المواطن السوداني؟ كيف تتم إدارة العلاقة بين مركز الخرطوم والمناطق التي كانت تعاني من عزلة جغرافية وسياسية؟ والأخطر من ذلك هو كيف نبني “أمة” فوق تنوع عرقي وديني وثقافي هائل؟ إن المشكلة الأساسية التي يعاني منها السودان حتى اليوم ليست مجرد تعاقب الحكومات الفاشلة، بل هي أزمة هوية الدولة نفسها. خرج السودان من الاستعمار سياسيا، لكنه لم ينجح في تحقيق انتقال كامل من “دولة استعمارية وظيفية” (مهمتها حفظ الأمن وجباية الضرائب للمستعمر) إلى “دولة وطنية مشروع” (مهمتها خلق المواطنة وبناء المستقبل المشترك). هذه هي «الخسارة» التي سنتتبع مسارها في سبع محطات. الفرق الأول – إرث الحكم المزدوج – دولة بلا فلسفة. لم يترك الاستعمار البريطاني المصري (1899-1956) للسودانيين دولة منهكة فحسب، بل ترك لهم أيضًا جهازًا إداريًا قويًا، وجيشًا منظمًا، وتعليمًا نخبويًا محدودًا. لكن الكارثة الأكبر كانت فيما غاب، فالاستعمار لم يبني هوية وطنية سودانية، ولم يدمج الأقاليم (الجنوب، دارفور، الشرق) في نسيج اقتصادي أو ثقافي متساوي، بل ركز التنمية والخدمات في المناطق الشمالية والوسطى. كامتداد طبيعي لحكم القاهرة والخرطوم، فإن السؤال المركزي هنا، الذي تجاهله المؤسسون الأوائل، هل ورث السودانيون أدوات الدولة (الجيش، العلم، الحدود)، أم ورثوا فلسفة الدولة؟ الجواب كان واضحا. لقد ورثوا الآلة من دون دليل تشغيلها، وهذا الفراغ هو الذي جعل كل مشروع لاحق يعيد تعريف الدولة من زاويتها الضيقة. ثانياً – الحلم الليبرالي الأول – إسماعيل الأزهري والديمقراطية الضعيفة. ومثل الحزب الوطني الاتحادي بقيادة إسماعيل الأزهري أول محاولة جادة لتشكيل دولة حديثة تقوم على برلمان منتخب ومؤسسات وطنية. حملت الفترة الأولى من الديمقراطية (1956-1958) وعوداً كبيرة بالتحرر من التبعية، لكنها سرعان ما انكشفت كمشروع سياسي. بامتياز، وليس مشروع بناء دولة. وبينما انشغل الحزب بالصراع على المقعد الوزاري ومعادلة النفوذ مع الأحزاب التقليدية، لم يحدث تحول جذري في الاقتصاد أو الإدارة أو العلاقة بين المركز والأطراف، وبقيت الدولة رهينة الخطاب السياسي، دون أن تمس الأرض. وكانت هذه هي العتبة الأولى التي خرجت فيها «الدولة» من دائرة المشروع الجدي إلى دائرة التوتر الطائفي. ثالثاً – مشروع الدولة الطائفية التقليدية بديلاً للمؤسسة. وعلى الجانب الآخر وقف حزب الأمة والحركات المهدية حاملين المشروع. دولة وطنية مرتبطة بالهوية السودانية التاريخية والتراث الديني. طُرح هذا النموذج كبديل للعلمانية القادمة، لكنه اصطدم بثلاث معضلات كبرى: الاعتماد المفرط على الولاءات الاجتماعية والطائفية على حساب الولاء للدولة، وضعف بناء مؤسسات حديثة قادرة على إدارة التنوع، والفشل في تحويل السلطة الدينية إلى نظام سياسي شامل وغير حصري. وهنا يبرز سؤال صعب: هل كانت الطائفية مجرد عائق أمام الدولة الحديثة، أم أنها مرحلة تاريخية اجتماعية كان ينبغي تطويرها بدلاً من حصرها؟ لكن الأحزاب التقليدية اختارت البقاء في دائرة الوساطة الاجتماعية، تاركة فراغ السلطة بانتظار قبضة عسكرية. رابعاً – العسكرة الأولى – إبراهيم عبود ونموذج القمع بلا بديل. ومع انقلاب 1958، دخل الجيش السوداني الساحة السياسية لأول مرة، وكانت رؤية إبراهيم عبود واضحة: إنهاء فوضى الأحزاب، وبناء دولة قوية من فوق، وكسر منطق الصراعات الإقليمية. لكن المشروع العسكري لم يحل الأزمة؛ وبقي عالقاً في دائرة الأمن والحكم المباشر، متجاهلاً سؤال الهوية الأعمق، ومتجاهلاً قضية الجنوب التي كانت مهددة بالانفجار مع استبدال الحوار السياسي بالإدارة العسكرية، وتقليص الحريات، دون أن يقدم العسكري أي رؤية تنموية أو وحدوية جديدة، ليتحول إلى مجرد «إدارة أزمة» فعالة على المدى القصير. وكان الأمر معقدا، حيث حاول بناء دولة مركزية حديثة تقوم على شعارات اشتراكية ثورية، ثم تحول فجأة نحو الإسلام السياسي في نهاية حكمه. ولم يكن هذا الانقلاب الفكري تطورا طبيعيا، بل كان فشلا للمشروع. وبدلا من أن تستقر الدولة على فلسفة واحدة متطورة، أصبح الجيش لاعبا فوق الدولة يغير عقيدته السياسية وفقا لمزاج الحاكم واحتياجاته الاستباقية. قوانين النميري الشهيرة (قوانين سبتمبر) قسمت المجتمع السوداني، وأضعفت الدولة في مواجهة التحديات، وأرست سياسة التهميش التي تنفجر فيما بعد في الجنوب. وهنا أصبحت الدولة أداة في يد النخبة العسكرية، بدلاً من أن تكون إطاراً للجميع. سادسا- اليسار السوداني- ثورة أكتوبر بلا مشروع مجتمعي ممتد. ولا يمكن إنكار دور الحزب الشيوعي والقوى اليسارية في الثورة. أكتوبر 1964، حيث قدموا رؤية تنموية واضحة للدولة، تقوم على العدالة الاجتماعية وتحديث المجتمع وتجاوز الهياكل التقليدية. وهنا تميز اليسار بامتلاك «فكرة» عن الدولة، وهو أمر نادر في المشهد السوداني، لكن القاعدة الاجتماعية المحدودة، والصراع الأيديولوجي المحتدم مع الإسلاميين، والانفصال عن الواقع الريفي والقبلي، جعلت من اليسار نخبة فكرية معزولة، قادرة على قيادة الشارع في لحظة ثورية، لكنها غير قادرة على تحويل تلك اللحظة إلى سلطة مؤسسية ودستورية دائمة. الدرس كان هنا «الفكرة» وحدها لا تصنع الدولة، بل تتطلب هندسة اجتماعية قادرة على استيعاب التنوع. سابعا – مشروع الدولة العقائدية – إنقاذ الكيان المدني وتسييسه مع انقلاب 1989 قدمت الحركة الإسلامية رؤيتها الراديكالية – إعادة بناء الدولة على أساس إسلامي، ومشروع حضاري شامل، ودولة مركزية قوية تمتد إلى كافة مناحي الحياة. لكن النتيجة التي نراها اليوم كانت كارثية: التسييس الكامل لمؤسسات الدولة، وإضعاف التعددية، وتعميق الانقسامات الاجتماعية والمناطقية. ولم تكن هذه الدولة ملكاً لكل السودانيين، بل تحولت إلى غطاء لمجموعة سياسية واحدة. وكان انفصال الجنوب عام 2011 أكبر اختبار لفشل هذه الرؤية في إدارة التنوع. وقد ثبت أن بناء الدولة على هوية حصرية (دينية أو عرقية) في مجتمع تعددي هو وصفة مضمونة للانفجار والتفكك. الغياب الأكبر – مشروع المواطنة كأساس للدولة إذا تابعنا هذه المحطات السبع نجد أن جميع الفاعلين (الاتحاديين، الأمة، العسكر، اليسار، الإسلاميين) اختلفوا في كل شيء: الدين، والاقتصاد، وشكل الحكم، والعلاقة مع الغرب، لكنهم اتفقوا، بسذاجة مأساوية، على شيء واحد: تجاهل مسألة المواطنة. ولم يطرح أي منهم الجوهر البسيط: كيف نبني دولة يشعر فيها كل سوداني، بغض النظر عن منطقه أو قبيلته أو دينه، بأنه شريك كامل في الثروة والسلطة وصنع القرار؟ الجنوب، ودارفور، والشرق، وجبال النوبة، والنيل الأزرق… كلها ليست مجرد مناطق متمردة، بل هي شهادة تاريخية على فشل المركز في خلق “الوطن” كفضاء مشترك. ظلت الدولة السودانية «الخرطوم» في هويتها، مستبدة في آلياتها، ومنفردة في ثقافتها، مما جعل «الأطراف» خيارها الوحيد: السلاح أو الانفصال. الدروس المستفادة من تجارب أفريقيا – لماذا نجحوا وفشلنا؟ ولكي لا نظلم أنفسنا، علينا أن ننظر إلى خارج الحدود، وفي غانا حاول نكروما. بناء مشروع الدولة الوطنية على أساس التحرر من الاستعمار، لكنه اصطدم بالانقلابات، ومع ذلك ظل الإطار الوطني هو الموحد. وفي تنزانيا، نجح نيريري، إلى حد كبير، في بناء هوية وطنية من خلال لغة واحدة (السواحيلية) والسياسات الاشتراكية الأفريقية التي، على الرغم من فشلها الاقتصادي، عززت فكرة “الأمة”. وفي الجزائر، تحولت حرب التحرير إلى شرعية دولة كاسحة، لكنها اصطدمت بحكم الجيش ونموذج الحزب الواحد. ومع ذلك، ظلت المسألة الوطنية هي الأقوى. أما رواندا فهي تمثل حالة فريدة من نوعها لإعادة بناء الدولة من تحت رماد الإبادة الجماعية، والاعتماد على العدالة الانتقالية، وكسر منطق العرقية وبناء المؤسسات اللامركزية. لماذا بقي السودان عالقا في مسألة التأسيس لأكثر من سبعين عاما؟ الجواب ليس التخلف الاقتصادي فحسب، بل أن النخب السودانية لم تتفق يوما على “القضية الوطنية” كأولوية تسبق الولاءات الفرعية. كل مشروع رأى نفسه «مخلصاً» والآخر «خائناً» أو «ضالاً»، وهذا الحظر السياسي هو الذي قتل إمكانية التوافق، من فشل الدولة إلى ضرورة إعادة تأسيسها. الاستنتاج القاسي الذي يجب على كل سوداني أن يتوصل إليه، بغض النظر عن انتمائه، هو أن أزمة السودان ليست أزمة حكومات فاشلة عابرة، بل هي أزمة نموذج دولة لم يتم بناؤه منذ عام. لقد أعطانا الاستقلال في عام 1956 العلم والنشيد الوطني، لكنه لم يمنحنا “العقد الاجتماعي” الذي يضمن توزيع السلطة والثروة. المطلوب اليوم ليس الحنين إلى ديمقراطية الخمسينيات، ولا تمجيد انقلابات الستينيات، بل إعادة تأسيس جذرية لمفاهيم جديدة لم تجرب بصراحة من قبل، مواطنة شاملة دون تمييز، فيدرالية حقيقية تمنح الأقاليم صلاحياتها الدستورية، وجيش محترف واحد يحمي السيادة ولا يحمي نظاماً بعينه، ودولة قانون تسمو فوق كل الأيديولوجيات والقبائل والطوائف. ولن يحقق السودان الاستقرار إلا إذا اعترف الجميع شماله وجنوبه وغربه وشرقه بأن “السوداني” هوية شاملة قبل أن يكون مسلما أو مسيحيا، أو كوجر أو عربيا أو إفريقيا، أو إنهي أو جادي. هذه هي الفكرة المركزية التي ضاعت في سياسة السودان، وقد حان الوقت لاستعادتها قبل فوات الأوان. zuhair.osman@aol.com المؤلف

اخبار السودان الان

من وراثة الدولة إلى أزمة الأمة – السودان ومسألة التأسيس المعلقة

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#من #وراثة #الدولة #إلى #أزمة #الأمة #السودان #ومسألة #التأسيس #المعلقة

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل