السودان – من يشرح البندقية

أخبار السودان9 يوليو 2026آخر تحديث :
السودان – من يشرح البندقية

اخبار السودان – وطن نيوز

اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة

W6nnews.com  ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-07-06 23:02:00

قال إدوارد كورنيليو لينين ذات مرة جملة مؤلمة ودقيقة: “المثقفون هم أكثر الناس قدرة على الخيانة، لأنهم أكثر الناس قدرة على تبريرها”. ولم يقصد إهانة القلم أو الحبر، بل كان يصف وظيفة اجتماعية تتكرر في كل الأزمات. المثقف لا يملك مصنعا ولا أرضا، ولا يبيع يديه في سوق العمل اليومي. إنه يبيع شيئًا أخف وأثمن: الكلمة، والتفسير، والمعنى. هذه السلعة ليس لها جذور. اليوم يكتب في جريدة السلطة، وغداً يقال على منصة المعارضة، وبعد غد يباع في ندوة مدعومة. لم يكن هناك أي شيء مادي يربطه بمكان ما، لذلك كان دائمًا أول من يغادر السفينة أثناء العاصفة، وأول من يصعد إليها عندما يكون هناك هدوء. الخطر هنا لا يكمن في الشخص، بل في الموقف. يعيش المثقف على فائض لا ينتجه بيديه. راتبه يأتي من جامعة، من مركز، من قناة، من جهة داعمة. ومن يدفع يريد شيئا في المقابل. إنه لا يريد المعلومات فحسب، بل يريد المعنى الذي يخدمه. وهكذا يتحول العقل تدريجياً إلى وسيط للأفكار. فهو لا يخترعه، بل يغلفه ويبيعه بالشكل الذي يطلبه السوق. ولهذا كان المثقف أخطر من غيره وقت الانهيار. وفي حال تخلي العامل عن الإضراب سيتم ملاحظته ومحاسبته فوراً. أما المثقف فيمكنه أن يكتب عشر صفحات يثبت فيها أن التخلي عن الإضراب كان «حكمة» و«قراءة للواقع» و«خطوة إلى الأمام». فهو يملك اللغة التي تحول الهزيمة إلى تكتيك، والتراجع إلى واقعية، والتنازلات إلى مصلحة عليا. له ذاكرة يختار منها ما يريد، ويسكت عن الباقي. يتمتع بشرعية اجتماعية تجعل الناس يصدقونه أكثر من كونه سياسيا، لأنه يتحدث باسم العقل والحياد. والتاريخ مليء بأمثلة من هذا النوع. في لحظات الصراع الكبير، يظهر نوعان. الأول يرفع راية المبادئ في القاعات المغلقة، وعند أول تهديد يغير لهجته ويبحث عن «الاعتدال». والثاني يختبئ خلف عبارة «أنا باحث موضوعي» في وقت كان الصمت بحد ذاته موقفاً وانحيازاً. كلاهما لا يخون بالسيف، بل بالقلم الذي يوضح ضرورة السيف. لكن التعميم غير عادل. كان لينين نفسه مثقفًا، وقد دفع كثيرون آخرون حياتهم ثمنًا لكلمة واحدة. لم يكن الاختلاف في الشهادة ولا في عدد الكتب، بل في الحبل الذي يربط الإنسان بالأرض. هناك مثقف يعيش في برج عاجي ويعيش على مديح السلطة. في المنعطف الأول، يبيع الجميع ويكتب مذكرات تبرر البيع. وهناك مثقف آخر يقطع علاقته بمصدر رزقه الآمن، ويخرج إلى الشارع، ويأكل نفس الخبز، وينام تحت نفس الخطر. وهذا ليس عذرا لأنه لم يعد لديه ترف التبرير. ويتحمل عواقب كلامه. المشكلة إذن ليست في الثقافة، بل في موقعها. ما دامت الكلمة سلعة، وما دام من يملك المال يملك المنبر، وما دامت وظيفة المثقف تجميل الواقع وليس فضحه، فستبقى الخيانة أسهل. ليس لأنهم أشرار بطبعهم، بل لأن التبرير مهنة، والمهنة تحتاج إلى عميل. لا نحتاج إلى إلغاء المثقفين، بل نحتاج إلى مثقفين لا يخافون من الفقر. نحتاج إلى من يكتب وهو يعلم أنه سيدفع الثمن، وليس من يكتب وهو يحسب الأجر. نحن بحاجة إلى شخص يضع الحقيقة قبل الأناقة، والتحيز قبل “الموضوعية” الزائفة. جوهر الأمر واضح. السلطة لا تشتري الأسلحة فحسب، بل تشتري أيضًا شخصًا يشرح لماذا كانت الأسلحة عادلة. ومن يستطيع أن يفعل ذلك بأفضل صيغة هو المثقف. ولذلك فإن التحذير كان قديما ولا يزال موجودا: احذر من الذي لديه كل الإجابات، لأنه غالبا ما يكون أول من يغير السؤال. الكلمة سلاح. فإن لم يكن في يد صاحب القضية فهو في يد صاحب الصفقة. tongunedward@gmail.com التدوينة من يشرح السلاح ظهرت للمرة الأولى على سودانايل.

اخبار السودان الان

من يشرح البندقية

اخبار اليوم السودان

اخر اخبار السودان

اخبار اليوم في السودان

#من #يشرح #البندقية

المصدر – منبر الرأي Archives – سودانايل