اخبار السودان – وطن نيوز
اخر اخبار السودان اليوم – اخبار السودان العاجلة
W6nnews.com ==== وطن === تاريخ النشر – 2026-04-22 10:23:00
أماني الطويل 19 أبريل 2026 في لحظات التحولات الكبرى التي تعصف بالدول والمجتمعات، لا تولد الأفكار الجديدة من قلب القوة، بل من هامشها، من تلك المساحات التي يلتقي فيها الألم بالأمل، وتنهار مع إرادة البناء. تجربة المهندسة السودانية الراحلة مزن النيل، تجربة تستحق التوثيق ليعرفها المجال العام المصري، خاصة شبابه، كتعبير مكثف عن جيل سوداني جديد، ولا يمكن قراءتها في سياقها السوداني فقط، بل كمؤشر على إمكانية تشكيل “جيل وسط” عابر للحدود في وادي النيل، لديه القدرة على إعادة تعريف العلاقة بين مصر والسودان خارج القوالب السياسية والتاريخية التي حكمته لعقود طويلة تحت عناوين العلاقات الأبدية والتعبيرات العاطفية. إن هذا الجيل الذي يتشكل في ظل ضغوط اقتصادية خانقة، وتحديات بيئية متصاعدة، وانكشاف غير مسبوق لهشاشة الدولة الوطنية، لم يعد مهتما بإعادة إنتاج خطاب السيادة التقليدي أو باستحضار روايات التاريخ، بقدر ما يسعى إلى بناء نموذج عملي للتعايش والتنمية المشتركة. ومن هنا تبدو تجربة مزن النيل بمثابة «منارة» فكرية يمكن البناء عليها لصياغة أفق جديد للعلاقات المصرية السودانية، أفق لا يقوم على ثنائية الهيمنة والتبعية، ولا على إرث الوحدة الموحدة. وهذه ليست شراكة شاملة، بل شراكة متكافئة، تقوم على المصالح والقدرات المتبادلة المتأصلة في المجتمعين. ظلت العلاقات بين مصر والسودان أسيرة ثلاثة أنماط رئيسية: نمط تاريخي يدعو إلى وحدة وادي النيل كمصير جغرافي، ونمط سياسي يتأرجح بين التقارب والتوتر وفقا لحسابات النخب الحاكمة، ونمط أمني يختزل العلاقة في قضايا الحدود والمياه. لكن هذه الأنماط، على الرغم من أهميتها، لم تنجح في إنتاج نموذج تنموي مشترك قادر على مواجهة التحديات التي يعاني منها البلدان، وأبرزها الفقر والبطالة وضعف البنية التحتية والفوارق الجهوية الحادة. وفي هذا السياق، يطرح «الجيل الأوسط» -كما تجسده تجربة مزن النيل- مقاربة مختلفة، تبدأ من سؤال بسيط لكنه عميق: كيف يمكن تحويل الجغرافيا المشتركة إلى فرصة تنموية، بدلاً من أن تظل مصدراً للقلق أو الصراع؟ يعيد هذا السؤال توجيه المناقشة من السياسة بمعناها التقليدي إلى “سياسة التنمية”، حيث تصبح الأولوية إدارة الموارد، وبناء سلاسل القيمة، وتعزيز التكامل الاقتصادي والاجتماعي. ومن أهم سمات هذا الجيل رفضه لمنطق الاستقطاب سواء داخل الدولة الواحدة أو في العلاقات بين الدول. وكما تجاوز مزن النيل انقسام العسكريين والمدنيين في السودان، فإن الجيل المتوسط في وادي النيل مطالب بتجاوز انقسام “المركز المصري” و”الهامش السوداني” الذي طالما ألقى بظلاله على العلاقة بين البلدين. وبدلاً من ذلك، تقترح رؤية تقوم على الاعتراف المتبادل بالاحتياجات والقدرات، وبناء شراكات أفقية بين الجهات الفاعلة المحلية، من الجامعات ومراكز البحوث والشركات الناشئة والمبادرات المجتمعية. وفي هذا السياق يمكن اقتراح بناء رؤية لمشروع مصري سوداني جديد، يبدأ من ثلاث دوائر متكاملة: الدائرة الأولى هي دائرة “المواطنة الاقتصادية العابرة للحدود”، حيث يتم التفكير في آليات تتيح للمواطنين في البلدين الحصول على فرص العمل والخدمات بشكل أكثر مرونة، من خلال سياسات التنسيق في مجالات التعليم والتدريب والاعتراف المتبادل بالمؤهلات. ومثل هذا النهج لا يعني إلغاء الحدود، بل إعادة تعريفها باعتبارها جسور التكامل، وليس حواجز الانفصال. أما الدائرة الثانية فتمثلها هندسة التنمية المشتركة، وهي فكرة مستوحاة مباشرة من تجربة مزن النيل، التي ربطت بين التخطيط الحضري والعدالة الاجتماعية في السياق المصري السوداني. ويمكن ترجمة هذه الفكرة إلى مشاريع مشتركة في مجالات البنية التحتية، خاصة في المناطق الحدودية التي ظلت تاريخياً مهمشة. ويمكن تحويل هذه المناطق إلى مختبرات لنماذج تنموية جديدة تجمع بين الاستثمارات العامة والخاصة، وتستفيد من الموارد الطبيعية والبشرية المتاحة. أما الدائرة الثالثة فهي الابتكار الاجتماعي والتقني، حيث يستطيع الشباب أن يلعبوا دوراً محورياً في تطوير الحلول للمشاكل المشتركة مثل ندرة المياه، وتغير المناخ، والأمن الغذائي. وهنا، يمكن للشبكات العابرة للحدود بين رواد الأعمال والباحثين أن تشكل منصة لإنتاج المعرفة التطبيقية التي تتجاوز الاعتماد على النماذج المستوردة وتستند إلى فهم عميق لخصوصية وادي النيل. ومع ذلك، فإن بناء مثل هذا المشروع لا يمكن أن يتم في فراغ. بل يتطلب وعيًا دقيقًا بحساسية العلاقات بين مصر والسودان، والتعقيدات السياسية التي تحيط بهما، والجهات الفاعلة الإقليمية الخارجية التي لا تريد، بل تحارب، هذا النوع من المشاريع في الإطار المصري السوداني المشترك. من هنا تأتي أهمية الفصل النسبي بين المسار السياسي والمسار التنموي، حتى لا تبقى المشاريع المشتركة رهينة التقلبات السياسية. وهذا لا يعني تجاهل السياسة، بل إعادة ترتيب أولوياتها، بحيث تصبح التنمية إطارا حاكما للعلاقة، وليس مجرد تابع لها. وتقدم تجربة مزن النيل درسا مهما في هذا الصدد، حيث أظهرت كيف يمكن للفكر التنموي أن يشكل أرضية مشتركة تتجاوز الانقسامات السياسية. ويمكن توسيع هذا الدرس ليشمل العلاقة بين الدول، حيث يمكن للخطاب التنموي أن يخلق مساحات للتعاون حتى في ظل الخلافات السياسية. إن التحديات التي تواجه مصر والسودان – من الفقر إلى تغير المناخ – هي تحديات عابرة للحدود بطبيعتها، ولا يمكن التعامل معها بفعالية، إلا من خلال نهج مشترك. ومن زاوية أخرى، يطرح هذا التصور تساؤلاً حول دور النخب في البلدين. وقد لا تكون النخب التقليدية، التي تشكلت في سياقات سياسية مختلفة، قادرة دائماً على استيعاب متطلبات هذا التحول. وهنا يبرز دور النخب الجديدة المنتمية إلى الجيل المتوسط، والتي تمتلك خبرات متعددة التخصصات، وقدرة على التفكير خارج الأطر التقليدية. ويمكن لهذه النخب أن تلعب دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، وبين المحلي والدولي، وتساهم في صياغة السياسات الأكثر استجابة لاحتياجات الواقع. وعلى المستوى العملي، يمكن ترجمة هذا المشروع إلى مجموعة من المبادرات المحددة، مثل إنشاء “منصة مصرية سودانية للابتكار التنموي”، والتي تجمع الجامعات ومراكز البحوث والشركات الناشئة، وتعمل على تطوير حلول مشتركة لمشكلات محددة. ومن الممكن أيضاً التفكير في “صندوق استثمار مشترك” موجه للاستثمار في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في المناطق الحدودية، مما يساهم في خلق فرص العمل وتحفيز النمو المحلي. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن تعزيز التعاون في مجال التعليم من خلال برامج التبادل الطلابي والأكاديمي التي تركز على التخصصات المرتبطة بالتنمية، مثل الهندسة البيئية، وإدارة الموارد المائية، والتخطيط الحضري. ولا تساهم مثل هذه البرامج في بناء القدرات فحسب، بل تساهم أيضًا في إنشاء شبكات طويلة الأمد من العلاقات بين الأجيال الجديدة في البلدين. إلا أن نجاح هذه المبادرات يعتمد إلى حد كبير على وجود الإرادة السياسية لدعمها، وعلى قدرة المؤسسات على تنفيذها بكفاءة. وهنا تبرز أهمية بناء آليات مؤسسية مرنة تسمح بمشاركة الجهات غير الحكومية وتحد من البيروقراطية التي قد تعيق العمل المشترك. كما يسلط الضوء على أهمية الشفافية والمساءلة لضمان تحقيق هذه المشاريع لأهدافها وتحقيق فوائدها للمجتمعات المحلية. وفي هذا السياق، يمكن القول إن المشروع المقترح لا يسعى إلى استبدال الدولة، بل إلى إعادة تحديد دورها، بحيث تصبح حافزاً للتعاون، وليس عائقاً أمامه. وتظل الدولة في هذا السيناريو جهة فاعلة رئيسية، لكنها تعمل في إطار شراكة أوسع تشمل المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والجهات الفاعلة الدولية. ومن أكبر التحديات التي تواجه هذا المشروع، في تقديرنا، كيفية التعامل مع فجوة القدرات بين مصر والسودان، سواء على مستوى البنية التحتية أو على المستوى المؤسسي. لكن هذه الفجوة، بدلا من أن تكون مصدرا للتوتر، يمكن أن تتحول إلى فرصة للاندماج، إذا تم التعامل معها بمنطق الشراكة المتساوية. وتتمتع مصر بخبرة متراكمة في مجالات مثل البنية التحتية والطاقة، في حين يتمتع السودان بموارد طبيعية هائلة وإمكانات زراعية كبيرة. ومن الممكن أن يؤدي الجمع بين هذه العناصر إلى إنشاء نموذج تطوير فريد، إذا تمت إدارته بحكمة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع الدولي في دعم هذا المسار، سواء من خلال التمويل، أو نقل التكنولوجيا، أو بناء القدرات. لكن هذا الدور يجب أن يكون مكملا وليس بديلا للجهود المحلية، وأن يرتكز على شراكات عادلة تحترم أولويات البلدين. وهنا أيضاً يمكن الاستفادة من الرؤية التي طرحتها مزن النيل، والتي دعت إلى تجاوز منطق الإغاثة نحو منطق الشراكة التنموية. وفي النهاية، فإن ما تقدمه تجربة مزن النيل، عند قراءتها في سياق مصري سوداني أوسع، ليس مجرد رؤية نظرية، بل إمكانية تاريخية لإعادة صياغة العلاقة بين دولتين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ، وتفصلهما السياسة أحيانًا. ويظل هذا الاحتمال مرهونا بقدرة الجيل الجديد على تحويل الأفكار إلى ممارسات، وبناء تحالفات عابرة للحدود تدعم هذا التحول. قد لا يكون الطريق سهلا، في ظل التعقيدات القائمة، لكن اللحظة الحالية – بكل ما تحمله من أزمات – تفتح أيضا نوافذ للابتكار وإعادة التفكير، وفي هذا السياق، يمكن القول إن إرث مزن النيل لا يقتصر على السودان، بل يمتد ليشمل مساحة أوسع، يمكن أن يشكل وادي النيل أحد مراكزها الحيوية. الرهان الحقيقي اليوم ليس على استعادة الماضي، بل على القدرة على تصور مستقبل مختلف والعمل على بنائه، مستقبل لا تقتصر فيه العلاقة بين مصر والسودان على معادلات القوة أو الذاكرة التاريخية، بل تبنى على أسس التعاون العملي والاحترام المتبادل والسعي المشترك لتحقيق التنمية والكرامة الإنسانية. وبهذا المعنى تصبح مزن النيل -رغم رحيلها- حاضرة في قلب هذا المشروع، ليس فقط كرمز، بل كنهج للتفكير والعمل، نهج يقوم على ربط المعرفة بالواقع، بين المحلي والعالمي، بين الحلم وإمكانات تحقيقه، نهج قد يكون في النهاية ما يحتاجه وادي النيل للخروج من دورات الأزمات المتكررة، والدخول في أفق جديد من الاستقرار والتنمية المشتركة. مصر 360




